نيجيرفان ونوروز من ثنايا سطور تهنئته لهذه السنة
قاسم محسن شفيق و طالب كاظم سعداوي
::::
::::
"نوروز تعبير عميق عن تاريخ حافل بالنضال وملاحم الصمود لأمة واجهت الظلم دوماًبإرادة صلبة ولم تستسلم قط. نوروز هو رمز لانحسار الظلام وتجدد الحياة، وهوالحقيقة التاريخية التي تثبت أنه لا توجد قوة أو سلاح قادر على إطفاء شعلة الحرية فيوجدان الكورد."
نيجيرفان بارزاني
21 اذار2026
::::
::::
في كل خطاب سياسي يحمل طابع التهنئة، تكمن طبقات متعددة من الرسائل، بعضها ظاهر بلغة العاطفة والانتماء، وبعضها مضمر بلغة الاستراتيجية وإدارة التوازنات، وهذا ما يتجلى بوضوح في خطاب التهنئة لنيجرفان بارزاني بمناسبة نوروز حيث لا تبدو الكلمات مجرد احتفاء بحدث رمزي، بل إعادة صياغة لهوية سياسية في لحظة اقليمية دقيقة.
ومنذ الاستهلال، كما وجدناه كعادته في خطاباته في كل سنة بنوروز يتعمد الخطاب توسيع دائرة المخاطب لتشمل الكورد في كل مكان، وهي صيغة تتجاوز الجغرافيا السياسية لتؤسس لمفهوم الأمة العابرة للحدود، وهذا ليس تفصيلاً لغوياً بل تأكيد على وحدة شعورية تعوض تشتت الجغرافيا، وتعيد إنتاج الرابط القومي كأداة تماسك في زمن التحديات، ثم تأتي الإشارة إلى عوائل الشهداء والبيشمركة والقوات الأمنية، لتعيد تثبيت ثلاثية الشرعية الكردية، التضحية، القوة، الحماية، وهي أركان أي سردية وطنية تسعى للاستمرار.
في المستوى الرمزي، يعيد الخطاب تعريف نوروز ليس كطقس احتفالي فقط، بل كأداة تعبئة معنوية، فحين يتم وصفه بأنه تعبير عن تاريخ من النضال والصمود، فإن ذلك ينقل العيد من دائرة الفولكلور إلى دائرة الذاكرة السياسية، ومن ثم إلى أداة استشراف، أي أن الماضي هنا لا يستدعى للبكاء عليه، بل لتبرير الحاضر وصياغة المستقبل، وهذا التحويل هو جوهر الخطاب السياسي الذكي.
أما العبارة التي تشير إلى أن لا قوة قادرة على إطفاء شعلة الحرية، فهي ليست مجرد استعارة، بل رسالة ردع ناعمة موجهة إلى كل الفاعلين الاقليميين، ومفادها أن المسألة الكردية لم تعد قابلة للإلغاء، بل أصبحت جزءاً من معادلات الاستقرار، وهنا يتحول الخطاب من داخلي تعبوي إلى خارجي موجه، دون أن يفقد طابعه الاحتفالي.
في محور آخر، يظهر البعد الاستراتيجي بوضوح عندما يتم ربط نوروز بالحفاظ على المكتسبات الدستورية والنظام الفيدرالي، فهنا يتم إدخال مفهوم الدولة ضمن الإطار الرمزي للعيد، وكأن نوروز لم يعد فقط ذكرى مقاومة، بل أصبح أيضاً رمزاً للحكم والإدارة والاستقرار، وهذا تطور مهم في الخطاب الكردي، حيث يتم الانتقال من خطاب الحقوق إلى خطاب المؤسسات.
وعند الانتقال إلى توصيف اللحظة الراهنة، يستخدم الخطاب تعبير الظروف الحساسة والمعقدة، وهي صيغة دبلوماسية تختصر حالة اقليمية مضطربة، دون تسمية مباشرة للأطراف أو الأزمات، وهذا الأسلوب يعكس رغبة في الحفاظ على هامش حركة سياسي، يسمح بالتكيف مع متغيرات سريعة دون التورط في مواقف حادة.
غير أن الأهم في هذا الجزء هو التأكيد على السلام كخيار استراتيجي، وليس مجرد قيمة اخلاقية، فحين يتم تقديم السلام باعتباره أعظم قوة، فإن ذلك يعكس تحولاً في أولويات القيادة، من منطق الصراع المفتوح إلى منطق إدارة التوازن، وهو خيار تفرضه طبيعة المرحلة، حيث تتقاطع التهديدات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية.
فيما يتعلق بالعلاقة مع بغداد، يبرز الخطاب كوثيقة توازن دقيقة، فهو من جهة يرحب بأي خطوات إيجابية، ومن جهة أخرى يشدد على ضرورة التطبيق الحقيقي للدستور، وهذه الازدواجية ليست تناقضاً بل تكتيك تفاوضي، يقوم على الجمع بين الانفتاح والضغط، أي إبقاء باب الحوار مفتوحاً مع الحفاظ على أوراق القوة القانونية والسياسية.
كما أن التأكيد على حماية حقوق المكونات كافة، يوسع الخطاب من كونه خطابا كرديا فقط إلى خطاب عراقي عراقي شامل، وهو تحول محسوب يهدف إلى تقديم اقليم كوردستان فاعل استقرار وطني، وليس مجرد كيان إقليمي، وهذه النقلة تعزز من شرعيته في الداخل والخارج على حد سواء وطالما اكد نيجيرفان على عراقته العراقية وفق خطاباته.
ومن اللافت أن الخطاب لا يكتفي بالمستوى السياسي، بل ينزل إلى تفاصيل الحياة اليومية، من خلال الدعوة إلى الحذر والالتزام بإرشادات السلامة، وسط الازمة الحالية للحرب بين امريكا واسرائيل وايران، وهنا تتجلى وظيفة أخرى للخطاب، وهي إدارة السلوك المجتمعي، إذ يتم ربط الفرح بالمسؤولية، والاحتفال بالوعي، في محاولة لتقليل المخاطر في ظرف أمني حساس تتعرض فيه كوردستان للمسيرات.
أما الإشارة إلى حماية البيئة، فهي تبدو للوهلة الأولى تفصيلاً ثانوياً، لكنها في الحقيقة تعكس وعياً متقدماً بإدخال مفاهيم الحداثة ضمن الخطاب القومي، أي أن الهوية الكردية لم تعد محصورة في التاريخ والنضال، بل تمتد لتشمل قيم الاستدامة والتحضر، وهو ما يعزز صورتها في السياق الدولي.
وهكذا يتسع الخطاب ليشمل جميع الشعوب التي تحتفي بنوروز، وهو توسيع دلالي مهم، ينقل العيد من خصوصية قومية إلى فضاء إنساني، ويعيد تموضع الكورد كجزء من شبكة ثقافية أوسع، لا كيانا منعزلا، وهذه الرؤية تخدم استراتيجية الانفتاح وبناء التحالفات .
إذا ما نظرنا إلى الخطاب ، سنجد أنه يعمل على ثلاثة مستويات متداخلة، مستوى الهوية الذي يعيد تأكيد الانتماء، ومستوى الدولة الذي يعزز شرعية المؤسسات، ومستوى الإقليم الذي يسعى لإدارة التوازنات، بادارة نيجيرفان الاستراتيجية، في رئاسته للاقليم، وهذه المستويات لا تعمل بشكل منفصل، بل تتكامل لتشكل رؤية سياسية متماسكة.
واستشرافياً، يمكن القول إن هذا الخطاب يعكس توجهاً نحو تثبيت نموذج كوردستان كيانا مستقرا داخل بيئة مضطربة، مع الحفاظ على سقف طموح عراقي وكوردي ، لا يصطدم مباشرة بالمعادلات الاقليمية، بل يحاول التكيف معها، وهذا التوازن بين الطموح والواقعية هو التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة بعد الحرب الحالية.
وبذلك، فإن تهنئة نوروز من نيجيرفان لم تكن مجرد رسالة احتفال، بل نصاً سياسياً محكماً، يعيد تعريف الماضي، ويدير الحاضر، ويؤسس لسيناريوهات مستقبلية، حيث تتحول الكلمات إلى أدوات، والرموز إلى استراتيجيات، ونوروز إلى منصة لإعادة إنتاج المعنى العراقي الجامع للمعنى الكردي في عالم مأزوم طالما حذر منه نيجيرفان بارزاني واكده بقوله:"لذا تقع على عاتقنا جميعاً، مسؤولية تاريخية، ألا وهي العمل على تجنيبإقليم كوردستان والعراق هذه التعقيدات. إن السلام وإرادة السلام هما أعظم قوة لنا،ففي ظل الاستقرار وحده نستطيع بناء مستقبل أفضل."
::::