في اليوم العالمي للمرأة: العائق الصامت أمام نجاح المرأة

في اليوم العالمي للمرأة: العائق الصامت أمام نجاح المرأة

د. سيروان عبدالكريم علي

مع تزايد اندماج المرأة في سوق العمل، تبرز الحاجة الملحّة إلى توفير بيئة مهنية آمنة ومستدامة تضمن لها الحماية والدعم اللازمين. فقد أصبحت النساء جزءًا جوهريًا من قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والتجارة، حيث يساهمن بفاعلية في تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية. غير أنّ هذا التقدم يواجه تحديات جوهرية، يأتي في مقدّمتها التحرش الجنسي، الذي لا يمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق المرأة فحسب، بل يعيق أيضًا فرصها في التطور المهني، ويحدّ من قدرتها على الإبداع والمشاركة الفعالة في سوق العمل. وأرى أن التطرق إلى هذه الظاهرة في يوم المرأة العالمي هو أفضل تهنئة يمكن أن نقدمها لمجتمعنا، حيث يمثل خطوة حقيقية نحو تحقيق العدالة والمساواة وضمان بيئة أكثر أمانًا للجميع وليس للمرأة فقط.

في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، تجد العديد من النساء أنفسهن مجبرات على العمل وليس طوعًا، بل بدافع الحاجة الملحة لدعم أسرهن وتخفيف الأعباء المالية المتزايدة. فانتشار العمالة الرخيصة وتدني الأجور، سواء للحد الأدنى أو المتوسط، جعل تأمين متطلبات الحياة الأساسية تحديًا يوميًا لكثير من العائلات. ورغم هذه التحديات، قدم الرئيس نيجيرفان بارزاني جهودًا كبيرة لدعم المرأة وإصلاح القوانين المدنية والاحوال الشخصية منذ بداية الالفية الثالثة، مما ساهم في تعزيز دورها في المجتمع. ومع ذلك، لا تزال هناك قضايا حساسة وضرورية تحتاج إلى الاهتمام، وأبرزها قضية التحرش الجنسي والذي يعد أحد أبرز المعوقات التي تواجه المرأة العاملة، لما له من آثار نفسية واجتماعية تؤثر سلبًا في رفاهتها الشخصية ومسيرتها المهنية، والتي تنتشر يوماً بعد يوم دون حلول جذرية. إن تجاهل هذه الظاهرة يعكس استمرار العقلية الذكورية المتسلطة، ويكشف عن قصور أصحاب القرار في حماية المرأة بما فيها زوجاتهم، وأخواتهم، وبناتهم. لذلك نری معالجة هذه القضية ليست مجرد واجب قانوني، بل مسؤولية تاريخية واجتماعية وثقافية مشتركة، تتطلب نضجًا ووعيًا حقيقيًا من الجميع دون استثناء.

في العراق وإقليم كردستان، تزداد هذه الإشكالية تعقيدًا بسبب العادات والتقاليد الاجتماعية التي تجعل المرأة أكثر عرضة للضغوط والمضايقات، مما يحدّ من قدرتها على ممارسة عملها بحرية. إنّ مواجهة هذه الظاهرة تتطلب نهجًا متكاملًا يبدأ بتشديد القوانين وتفعيل آليات تنفيذها بصرامة. فلابد من اعتبار التحرش الجنسي جريمة يعاقب عليها القانون بتشريعات واضحة وصارمة، إلى جانب توفير قنوات آمنة وسرية للإبلاغ، تكفل للنساء حق تقديم الشكاوى دون خوف من الانتقام أو التعرض لأي تبعات سلبية.

 إلى جانب التشريعات، ينبغي أن تلتزم المؤسسات بتعزيز ثقافة العمل الأخلاقية، من خلال توفير برامج تدريبية دورية للموظفين، تتناول مخاطر التحرش الجنسي، وسبل الوقاية منه، وكيفية التعامل مع حالات التحرش عند وقوعها. كما أن خلق بيئة تشجع النساء على الإبلاغ عن أي انتهاكات، مع ضمان حمايتهن من أي تداعيات مهنية، يعدّ خطوة ضرورية في هذا السياق. يلعب أصحاب العمل والمديرون دورًا أساسيًا في ضمان بيئة عمل آمنة وعادلة للمرأة. ومن الضروري أن تتبنى المؤسسات سياسات صارمة تحظر كافة أشكال التمييز والتحرش، وأن تُدرج ضمن لوائحها آليات واضحة للتعامل مع الشكاوى والتحقيق فيها بموضوعية. كما يجب أن يكون هناك التزام مؤسسي بتوعية جميع الموظفين بأهمية التعامل الجاد مع قضايا التحرش، وتطبيق العقوبات المناسبة بحق المخالفين، بما يعزز ثقافة الاحترام والمساواة في بيئة العمل.

 لا يقتصر التصدي لظاهرة التحرش الجنسي على المؤسسات فحسب، بل يتطلب أيضًا تدخّلًا فاعلًا من السلطات التشريعية والتنفيذية. فمن الضروري أن تعمل الحكومات والبرلمانات، على تطوير التشريعات الخاصة بحماية المرأة في سوق العمل، مع ضمان تشديد العقوبات على المخالفين. إننا نحثّ المجلس الوطني وبرلمان إقليم كردستان على إيلاء أولوية قصوى لمراجعة القوانين المتعلقة بحماية المرأة العاملة، وتعزيز آليات الرقابة والتنفيذ، بما يضمن بيئة عمل خالية من كافة أشكال التمييز والتحرش.

 ختاماً، إنّ تحقيق بيئة عمل آمنة وداعمة للمرأة ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة ملحّة لتعزيز التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال تكاتف الجهود بين المؤسسات، وصنّاع القرار، والمجتمع بأسره، لضمان تمكين المرأة في سوق العمل وحمايتها من أي انتهاكات قد تعرقل مسيرتها المهنية. فلا بد من تفعيل القوانين، وتعزيز التوعية، واتخاذ التدابير الكفيلة بتوفير بيئة مهنية تسودها العدالة والاحترام والمساواة.