الزعامة التاريخية في حركة التحرر الكردية الحديثة والمعاصرة: "زعامة السيد الزعيم مسعود البارزاني أنموذجا".

خاص لموقع hiwar*:تعد الزعامة التاريخية في الحركة التحررية الكردية إرثا مُعقدا يجمع بين البُعد القومي والاجتماعي والثقافي، حيث تتداخل فيها شخصيات قيادية حملت على عاتقها تمثيل تطلعات الشعب الكردي نحو الحرية والحقوق القومية. وفي هذا السياق، تبرز شخصية الزعيم الرئيس السيد مسعود البارزاني كأحد أبرز الرموز التي تركت بصمتها في تاريخ النضال الكردي الحديث والمعاصر، ليس فقط لكونه قائداً سياسياً وعسكرياً، بل لارتباط اسمه بإرث عائلي نضالي متجذر في عمق تاريخ كردستان.

الزعامة التاريخية في حركة التحرر الكردية الحديثة والمعاصرة: "زعامة السيد الزعيم مسعود البارزاني أنموذجا".
الزعيم مسعود البارزاني

الزعامة التاريخية: إرث عائلي ومجتمعي

ترتبط الزعامة الكردية تقليدياً بمنظومة القبائل والعشائر، حيث كانت العائلة الواحدة تُشكّل مركزاً للسلطة والنفوذ، خاصة في المناطق الجبلية الوعرة التي شكلت ملاذاًللكرد ضد الغزوات الخارجية. عائلة البارزاني، التي تنتمي إليها قرية بارزان في شمال كردستان، أصبحت رمزاً للنضال القومي منذ مطلع القرن العشرين، بدءاً من الشيخ عبدالسلام البارزاني مروراً بوالد مسعود، الزعيم مصطفى البارزاني، الذي قاد الثوراتالكردية ضد الحكومات العراقية المتعاقبة في أربعينيات وستينيات وسبعينات القرنالماضي.

هذا الإرث العائلي لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل كان استمراراً لـ"العقد الاجتماعي"غير المُكتوب بين العائلة والكرد، حيث أصبحت العائلة ضامناً رمزياً لوحدة الكردوتطلعاتهم. وعندما تولى مسعود البارزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بعدوفاة أبيه رحمه الله تعالى برحمته عام 1979، كان عليه أن يحمل هذا الإرث الثقيل،مُوازناً بين تقاليد الزعامة القبلية ومتطلبات القيادة الحديثة في عالم متغير.

الزعيم مسعود البارزاني: من الوريث إلى القائد التاريخي:

وُلد مسعود البارزاني عام 1946 في خضم النضال الكردي، حيث كانت عائلته تُقاتل منأجل الحكم الذاتي لكردستان العراق. نشأ في أجواء الثورة، وتعلم فنون القيادة مبكراً،حيث رافق والده في معاركه وحملات التفاوض مع الحكومة العراقية. بعد وفاة الملامصطفى، تولى مسعود القيادة وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، ليواجه تحدياتٍاستثنائية، أبرزها:

1. الحرب العراقية-الإيرانية(1980-1988) وما رافقها من قمع للكرد.

2. انتفاضة 1991م التي قادها الكرد ضد نظام صدام حسين، والتي أسفرت عن تأسيسإقليم كردستان ككيانٍ شبه مستقل.

3. الصراعات الداخلية الكردية في تسعينيات القرن الماضي.

4. العلاقة المعقدة مع بغداد بعد غزو العراق عام 2003، وصولاً إلى استفتاء استقلال كردستان   عام 2017 وما بعد ذلك

في كل هذه المحطات، استطاع الزعيم مسعود البارزاني أن يحافظ على مكانته كـ"قائد تاريخي"بفضل مزيج من الحنكة السياسية والصلابة العسكرية، مستفيداً من الإرث الرمزيلاسم عائلته، لكنه في الوقت نفسه صاغ مساراً جديداً للحركة التحررية، يعتمد علىالدبلوماسية الدولية وتوازنات القوى الإقليمية.

مسعود البارزاني والكرد: علاقة تفاعلية:

لا يمكن فهم استمرارية زعامة البارزاني دون تحليل العلاقة الجدلية بينه وبين الشعبالكردي. فمن ناحية، يُعتبر مسعود امتداداً لـ"أسطورة مصطفى البارزاني" التي تجسدالتضحيات النضالية، ومن ناحية أخرى، لا يمكن رؤية الكرد وكوردستان دون مسعود البارزاني. 

ونلاحظ في الوصف التاريخي أن مسعود البارزاني استطاع أن يُعيد تعريف الزعامة الكردية، فلم يعد القائد مجرد "زعيم قبلي" أو "ثوري مسلح"، بل تحول إلى رمز للدولةالحديثة، حيث قاد عملية بناء مؤسسات إقليم كردستان، وحوّل النضال من ثورة مسلحة إلى مشروع سياسي معترف به دولياً. وقد تجلى ذلك في دوره كرئيس تاريخي لإقليم كردستان بين عامي 2005 و2017، حيث عمل على تعزيز الهوية الكردية معالحفاظ على التعايش مع المكونات الأخرى في العراق.

القيادة التاريخية: بين الاستمرارية والتحديات:

رغم كل الإنجازات، تبقى زعامة البارزاني إنجازا تاريخيا، فمن وجهة نظر الكرد، هو القائدالذي حافظ على وحدة الكرد في أصعب الظروف، وسوف يبقى الأكيد أن الزعيم مسعود البارزاني استطاع، عبر عقود من العمل، أن يُوائم بين إرث الماضي وضروراتالحاضر، جاعلاً من اسمه جزءاً لا يتجزأ من تاريخ كردستان الحديث. فقيادته لم تكنمجرد وراثة عائلية، بل كانت نتاج تفاعلٍ مع تحديات معقدة، حيث حوّل الإرث التاريخيإلى أداة لصناعة المستقبل.

ومن ثم تُشكل زعامة مسعود البارزاني نموذجاً فريداً للزعامة التاريخية في الحركةالتحررية الكردية، فهي تجسيد لاستمرارية النضال عبر الأجيال، ومرآة عاكسة لتحولاتالمشروع الكردي من الثورة المسلحة إلى بناء الكيان السياسي. وسوف يظل الزعيم مسعود البارزاني في وعي الأجيال الماضية والحاضرة والقادمة من الكرد رمزاً للصمود،وقائداً تاريخيا استطاع أن يحمل إرث الماضي نحو آفاق جديدة، دون أن ينفصل عنجذوره.

مسعود البارزاني هو مسعود البارزاني الزعيم التاريخي من قبل ومن بعد.

*خاص لموقع hiwar من مجموعة إدارة الازمة ومجلة ادارة الأزمة