الرقابة على الإعلام الإسرائيلي: هندسة الصورة أمنيا وعسكريا
رغدة عتمه
دوت صفارات الإنذار في منطقة تل أبيب الكبرى، وقبل أن يتمكن ياسر بركة (35 سنة) من الوصول إلى الملجأ، كان صاروخ إيراني احتوى على رأس حربي متشظٍّ قد انفجر في المكان مخلفاً دماراً واسعاً غير مسبوق. وعلى رغم أن الشاب كان من بين الناجين وشاهد بأم عينيه مواقع سقوط الصواريخ وحجم الدمار وعمليات إخلاء عشرات المصابين والجرحى الإسرائيليين، فإنه لم يتجرأ على رفع هاتفه المحمول لتصوير أو نشر ما جرى، فالرقابة العسكرية الإسرائيلية تفرض قيوداً صارمة جداً على نشر أي معلومات تتعلق بعدد الصواريخ الإيرانية ومواقع سقوطها وحجم الأضرار، كذلك وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير هدد المخالفين باتخاذ إجراءات حازمة وتفعيل دور الشرطة في الميدان من خلال الاحتجاز والتحقيق والاعتقال. وينص البند 44 من القانون الأساس في إسرائيل على أن "كل قرارات الحكومة واجتماعات الوزراء الخاصة بمناقشة الشؤون الأمنية تعتبر أسراراً يحظر نشرها، إلا بعد السماح بنشرها من قبل رئيس الوزراء أو أي شخص آخر مخول بذلك".
ووفقاً لبيان منظمة "مراسلون بلا حدود"، فإن الحرب الحالية المندلعة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى شهدت تصعيداً في القيود المفروضة على الإعلام في دول عدة، بما فيها إسرائيل، مما يعكس على حد تعبيرها "اتجاهاً إقليمياً نحو تشديد السيطرة على تدفق المعلومات في أوقات النزاعات"، وهو ما أكدته مجلة "+972" حين قالت في تقرير إن إسرائيل تفرض قيوداً صارمة تشمل منع نشر المواقع الدقيقة لسقوط الصواريخ وتصوير الأضرار بطريقة قد تكشف هذه المواقع، كذلك منعت وسائل الإعلام أثناء التغطية الميدانية والبث المباشر من إظهار مواقع إطلاق صواريخ الاعتراض أو فشل عمليات الاعتراض، وذلك بناءً على تعليمات الرقيب العسكري الذي أوضح أن هذه السياسة تهدف إلى "منع تقديم أي فائدة عملياتية للعدو".
قانون طوارئ
وتعد الرقابة العسكرية التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) في الجيش الإسرائيلي جزءاً بنيوياً من منظومة الأمن القومي الإسرائيلي منذ عام 1948، إذ تعمل على التحكم في الصورة العسكرية والأمنية التي تنشر في وسائل الإعلام، بما يخدم تعزيز قوة الردع. وتعد هذه الرقابة في الوقت ذاته أداة مركزية في إدارة تدفق المعلومات، ولا سيما في أوقات الحرب، إذ يمنح الرقيب العسكري الذي يترأس هذه الوحدة صلاحيات التدخل وحظر نشر أي معلومات يرى أنها تمس أمن الدولة وسلامة الجمهور والنظام العام، على اعتبار أنه يملك مفاتيح التوازن بين ما يحق للجمهور معرفته والتعبير عنه من جهة، والمصلحة الأمنية من جهة أخرى. وبموجب اللوائح القانونية الخاصة بالرقابة العسكرية المعمول وفقاً لأنظمة الطوارئ البريطانية لعام 1945، على كل من يقوم بطباعة أو نشر مواد مطبوعة أو منشورات تتعلق بأمن الدولة يجب أن يقدمها إلى الرقيب قبل الطباعة أو النشر.
وقد جرى تعيين مندوب عن الرقيب في كل صحيفة إسرائيلية يعطي رأيه وموقفه حول النشر فورياً. وفقاً لمواد قانون الدفاع وقت الطوارئ رقم 87 و97، يحق للرقيب العسكري أن يصدر أوامر بعرض كتب للمراجعة قبل نشرها، أما بالنسبة إلى المنشورات الصحافية فتكتفي الرقابة منذ أعوام عدة بمراسلة ناشري الصحف والمجلات الدورية بصورة شخصية، لكن عام 1988 أصدر الرقيب العسكري أمراً عاماً لأوقات الطوارئ، يقضي بتقديم كل المواد التي تتعلق بأمن الدولة والسلم والنظام المجتمعي في إسرائيل، أو ما يتعلق بالضفة الغربية وقطاع غزة والعلاقات العربية الإسرائيلية، للفحص قبل نشرها، حتى وإن كانت المعلومات نشرت بالفعل.
تشديد استثنائي
ومع تصاعد الحرب مع إيران منذ الـ28 من فبراير (شباط) الماضي لم تقتصر تشديدات الرقابة العسكرية الإسرائيلية على وسائل الإعلام الإسرائيلية وبثها التلفزيوني والإذاعي وكل ما ينشر على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وحتى الكتب، بل اتجهت خلال الحرب الحالية نحو تشديد استثنائي يركز بصورة خاصة على وسائل الإعلام الدولية التي لا تقوم عادة بعرض كل مقطع فيديو على الرقيب العسكري للمراجعة، وأخضعتها لقيود صارمة تمنع بث مشاهد مباشرة قد تكشف دقة الصواريخ الباليستية الإيرانية أو مواقع منظومات الاعتراض.
وبحسب الوثيقة الصادرة عن الرقابة العسكرية في الخامس من مارس (آذار) الجاري، فإن كل وسائل الإعلام الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية، إضافة إلى الصحافيين الأجانب التابعين لوسائل إعلام عالمية في إسرائيل، ملزمون بعرض كم واسع من المواد على الرقابة قبل النشر، يشمل المعلومات العملياتية والتقديرات الاستخباراتية ومستوى الجاهزية الدفاعية ومواقع الضربات وسقوط الصواريخ. ويمنع عليها استخدام الطائرات من دون طيار أو الكاميرات ذات الزاوية الواسعة لإظهار مناطق التأثير، أو تحديد المواقع الدقيقة للمناطق المتضررة قرب المنشآت الأمنية. وحذرت الوثيقة من مشاركة مقاطع الفيديو من وسائل التواصل الاجتماعي من دون مراجعة مسبقة من قبل الرقيب العسكري، وفي حال مخالفة ذلك تأخذ المحكمة العليا الإسرائيلية دورها القانوني للبت في الأمر بما يحقق المصلحة الأمنية العليا.
هندسة الوعي
ومنذ أن أسس الكنيست الإسرائيلي عام 1990 "اللجنة البرلمانية لشؤون الرقابة العسكرية"، عمدت الرقابة العسكرية والجبهة الداخلية والحكومة الإسرائيلية إلى مخاطبة الوعي الإسرائيلي، بأن عدم النشر هو مسؤولية المواطنين الإسرائيليين ليحموا وجود دولتهم التي تعيش حال خطر دائم. ووفقاً لما نشره جدعون ليفي في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، فإن الإعلام الإسرائيلي خلال الحرب الحالية يمارس مرحلة جديدة من الرقابة الذاتية بالامتناع المسبق عن نشر المعطيات الكمية والمكانية الدقيقة. في حين يرى محللون أن الرقابة العسكرية لم تعد تقتصر على منع نشر معلومات عسكرية حساسة، بل تمتد إلى "هندسة الصورة" التي تصل إلى الجمهور، سواء داخل إسرائيل أو خارجها. وبحسب الكاتب الحقوقي خالد تيتي، فإن الإعلام الإسرائيلي يقدم الحرب كعملية محسوبة: ضربات دقيقة وإنجازات تتراكم وتهديد ما زال قائماً لكنها "تحت السيطرة". وأضاف "استخدام مصطلحات ’تحييد‘ و’تفكيك‘ و’قدرات جرى تقليصها‘، ليست كلمات عفوية بل لغة هندسية تحول الحرب إلى مشروع إدارة أخطار".
وبين تقرير سابق نشره المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أن 65 في المئة من الجمهور اليهودي في إسرائيل يعتمدون على تطبيق "واتساب" و44 في المئة على "تيليغرام" في استهلاك الأخبار. وتظهر البيانات أن 26 في المئة من هؤلاء يعتبرون "واتساب" أو "تيليغرام" المصدر الأول أو الثاني للأخبار. كذلك، وجدت الدراسة أن 28 في المئة من الجمهور المتشدد يستهلكون الأخبار عبر "واتساب" و"تيليغرام" كمصدر رئيس للأخبار، مما يعني أن القنوات الإخبارية غير الرسمية عبر منصات التواصل الاجتماعي تؤدي دوراً كبيراً في تقديم المعلومات في إسرائيل خلال فترات الحروب والأزمات.
إيران تترصد
ومقابل منظومة قانونية إسرائيلية تفرض التعتيم الإعلامي والرقابة العسكرية المشددة في زمن الحرب، وتبرره باعتبارات أمنية وردعية لمنع الخصوم من الحصول على معلومات يمكن أن تستخدم لتحسين دقة الهجمات، نشرت وكالة "تسنيم" الإيرانية قبل أيام، تقديرات بأن عدد القتلى الإسرائيليين خلال الأسابيع الأولى للحرب وصل إلى نحو 1281 قتيلاً، مشيرة إلى تحليل بيانات المقابر وسجلات الدفن، إلى جانب تتبع نشاط فرق متخصصة في التعامل مع الجثث في إسرائيل. في محاولة من طهران، بحسب الوكالة، لتجاوز "التعتيم الإسرائيلي" الذي تفرضه الرقابة العسكرية في تشكيل الرواية الرسمية، الذي يظهر الفجوة المتكررة بين التقديرات غير الرسمية والأرقام المعلنة بما يتعلق بأعداد القتلى. واعتمد القسم العبري في الوكالة الإيرانية على مقارنة معدلات الوفيات اليومية في إسرائيل قبل الحرب، التي كانت في المتوسط الطبيعي تبلغ نحو 150 حالة يومياً، بينما ارتفع خلال 21 يوماً من الحرب إلى 211 حالة دفن يومياً.
ويعني ذلك، وفق التقديرات الإيرانية، زيادة يومية بواقع 61 حالة. ويستند التقرير إلى مراجعة بيانات مؤسسات "خفيرا كديشا"، وهي الجهات المسؤولة عن شؤون الدفن في إسرائيل، إذ شمل الرصد 10 مقابر رئيسة، بينها مقابر في القدس وتل أبيب وحيفا وبيتاح تكفا، إضافة إلى رحوفوت وأسدود. كذلك أشار التقرير إلى تتبع نشاط منظمة "زاكا" المتخصصة في التعامل مع الجثث في مواقع الحوادث، موضحة أنه جرى تسجيل 703 تحركات لفرقها خلال الفترة ذاتها. وهو ما اعتبرته الوكالة مؤشراً إضافياً إلى ارتفاع عدد القتلى إلى مستويات تتجاوز المعلن عنها رسمياً. ولفتت إلى أن هذه التقديرات لا تشمل ضحايا الهجمات الصاروخية الأخيرة التي استهدفت مناطق جنوب إسرائيل، من بينها ديمونا وعراد، مما يرجح ارتفاع الحصيلة مع استمرار عمليات الدفن، بحسب تعبيرها.