التضليل والذكاء الاصطناعي في صدارة الحرب النفسية
أمينة خيري
مسيرات توجه، وصواريخ تقذف، وأهداف تصيب وتخيب، وأخبار تضرب، وفيديوهات تصوب، وصور ترشق. ومن ينجو مما سبق، فالمميز له بالمرصاد، ومن يفلت من قبضتها، فالرسائل المباشرة تباغته في عقر داره والمنشورات، التقليدي منها والافتراضي تهبط عليه أينما كان.
يقول البعض إن حرب إيران تحولت في جزء كبير منها إلى حرب نفسية، تضرب بلا هوادة، وتصيب ما تصيبه المسيرات والصواريخ. ويقول البعض الآخر إن الحرب النفسية ليست وليدة حرب إيران الحالية، لكنها (الحرب) نقلتها إلى آفاق غير مسبوقة، ووضعتها في الخطوط الأمامية، وكأنها ذخائر لا تفنى.
رؤى العين، وأدلة التحليل والتفسير، والآثار القابلة للرصد تقول إن الحرب النفسية في الصراع الدائر لا تقل أهمية وضرراً وأثراً عن ضربات الصواريخ الباليسيتة وكروز وتوما هوك، ومسيرات "لوكاس" الانتحارية وغير الانتحارية، ومقاتلات الشبح، والسفن الحربية. بل يجادل البعض بأن ما يتركه خبر مغلوط، أو فيديو مضروب، أو صورة لا وجود لها إلا في تقنيات التعلم الآلي والعميق الاصطناعي أشد وطأة من "جيرالد فورد" و"أبراهام لينكولن" المبحرتين و"أف -35 و22 و15 و16" والإنذار المبكر "إي – 3" مجتمعة.
تحولت حرب إيران على مدار أسابيعها الأربعة إلى مواجهة متعددة الجبهات والمجالات والأدوات. ليست حرباً كلاسيكية، فيها قاتل ومقتول، ومنتصر ومهزوم، وقوي وضعيف بالمعنى التقليدي للحروب. تشير حرب إيران إلى أن المسألة لم تعد قوة عتاد، وبأس رجال (ونساء)، ودهاء قادة، واختبارات في الصبر والجلد والمقاومة والاستبسال، بل دخلت معها على قدم المساواة الأخبار الكاذبة، والمعلومات المفبركة، والصور المركبة، والفيديوهات المخلقة، والخوارزميات الخبيثة، وما خفي كان أعظم.
أسابيع عامرة بالهجمات
الأسابيع الأربعة الماضية عامرة بهجمات إلكترونية ممزوجة بعمليات منظمة وممنهجة من التضليل الإعلامي، وهي عمليات ذات أهداف متناقضة، وذلك بين تقويض أنظمة وبث الخوف والارتباك وزعزعة الاستقرار، أو لتقوية أنظمة، وبث الطمأنينة والثقة والأمان. وهي متخمة بقرصنة إلكترونية، دعاية مصنوعة أو مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومنشورات يجري توزيعها وحملات عبر مكبرات الصوت تبث الخوف والرعب وعدم اليقين، ومعلومات مضللة يجري بثها على مدار الساعة فتتضارب وتتشابك وتتقاطع مع الأخبار الحقيقية، فتضيع الحقيقة. وهي أيام قوامها سرديات متضاربة عن الحرب، جمعيها يؤكد أنه وحده من يسرد الحقيقة، وضوضاء متعمدة لاستعراض القوة وبث الرعب، وتلاعب بالمجتمعات عبر الدق على الانقسامات الدينية والسياسية، والجهة النفسية في الحرب الحالية تجدد نفسها يومياً من قبل كل الأطراف ضد بعضها بعضاً.
بين ذكاء اصطناعي بارع ينشر فيديو لطيار إسرائيلي يحلق فوق طهران، وسفن بحرية إيرانية تزرع ألغاماً في مضيق هرمز، وصواريخ تدك تل أبيب لتبدو وكأنها غزة، وصور مركبة لجنود وضباط أميركيين راكعين أمام قوات من الحرس الثوري الإيراني وعلم إيران يرفرف في يد أحدهم وصورة المرشد المغتال خامنئي يمسكها آخر، وأخبار لا أول لها أو آخر "توثق" انفجارات وحرائق وهروب سكان ودك مبان وتصريحات قادة وبيانات عسكرية لا يجمع بينها إلا صفة واحدة، ألا وهي الكذب والفبركة، وجميعها سمة غالبة في حرب إيران.
كذب وتهويل وتهوين
ومع سمة الكذب والتضليل المقصودين والممنهجين، تغلب سمة أخرى وهي التهويل المتعمد والتهوين المقصود لتضاف إلى ترسانة الحرب النفسية الضروس تهويل الانتصارات والرشقات، وتهوين الإخفاقات والتصويبات. وفي القلب من الحرب استهداف القادة والرموز، وإرسال رسائل مباشرة على هواتف المواطنين وكذلك الساسة لتحذيرهم من الخطر القادم، أو إخبارهم بانقلاب لم يحدث أو هروب لم يقع. أخبار عن جواسيس وخونة، تلويح بضربات نووية تأتي على الأخضر واليابس، تراشق بالتكنولوجيا، تنابز بالتضليل، طحن عظام افتراضي، تتقدم الحرب النفسية كما لم تتقدم من قبل، حسابات مزيفة لقادة إسرائيليين وإيرانيين يجري تغذيتها على مدار الساعة بتغريدات وتدوينات وإشهارات وبيانات من صناعة الوهم وإخراج الخيال، والأدهى من ذلك مقاطع من ألعاب فيديو تشير إلى تفجير قواعد العدو وأسر جنوده وتحطيم بناه التحتية أو الفوقية أو كليهما، ومنها ما عرف طريقه إلى شاشات فضائيات جرى عرضها على المتلقين باعتبارها "مباشراً من أرض المعركة".
استشاري تكنولوجيا الإعلام والتحول الرقمي أحمد عصمت يقول لـ"اندبندنت عربية"، إن الحرب النفسية في الحروب قديمة، وسلاح يستخدم منذ عقود طويلة، فقط يجري تطويرها وتحديثها. الجديد هو العنصر التقني من أخبار وصور وفيديوهات لا وجود لها في الحقيقة، وبناء واقع بديل قائم على خيال، بدءاً بنشر أخبار ومقاطع من تقرير تبدو حقيقية لكنها زائفة، مروراً بالمواد المصنوعة بالتزييف العميق التي انتشرت بسرعة البرق على "تيك توك" و"إكس" أكثر من "فيسبوك"، وكلها تقف على قدم المساواة من حيث الأهمية مع الحرب العسكرية.
ويعضد على هذا التحليل، أستاذ الطب النفسي محمد مهدي الذي قال في تصريحات صحافية، إن المعركة الحالية ليست جولة عسكرية، بقدر ما هي معركة نفسية مستمرة، بدأت قبل البداية الفعلية لها في 28 فبراير (شباط) الماضي، وذلك بمعلومات، وعقول، وعملاء، وتقنيات حديثة، والإعلام التقليدي والجديد، وأن طبيعة الحرب الحالية عبارة عن ضغط متبادل، ومسابقة في طول النفس بين الأطراف. مضيفاً أن الذكاء الاصطناعي أثبت أنه أصبح عقلاً مدبراً لإدارة العمليات السيبرانية، والتشويش، والاختراق، وصناعة الرسائل المضللة وغيرها، وجميعها أدوات بالغة القوة والقسوة والتأثير النفسي، مما يعيد تعريف مفهوم القوة والعسكرية والحروب في العالم.
هزيمة العدو نفسياً تقف في هذه الحرب على قدم المساواة مع هزيمته عسكرياً، وربما تتقدم عليها. أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق يقول لـ"اندبندنت عربية" إن هذه الحرب النفسية أداة استراتيجية قديمة، تستخدم للتأثير في عقول الأعداء والحلفاء والرأي العام. هدفها إضعاف الروح المعنوية وخلق الارتباك، وكذلك كسب الدعم الدولي. وقد تصل أهدافها إلى درجة إجبار الخصم على الاستسلام من دون قتال مباشر. العصر الحديث بتقنياتها لم يصنعها، فقط طورها، والذكاء الاصطناعي والسوشيال ميديا جعلاها أداة حرب بالغة القوة ونافذة.
ويشير سعيد إلى أن أدواتها باتت معروفة: دعاية وإشاعات ونشر روايات مبالغ فيها، أو كاذبة عبر الإذاعة أو الصحف أو الإنترنت لتعزيز الثقة بالنفس وإثارة الخوف لدى شعب العدو وقادته؛ الأخبار المزيفة والتضليل وصناعة قصص كاملة أو صور وفيديوهات مفبركة لتغيير الإدراك، وهو التكتيك الذي تألق في هذه الحرب بفعل التزييف العميق المتاح في الذكاء الاصطناعي.
وتمتد قائمة أدوات الحرب لتشمل خدعاً عسكرية عبر دبابات قابلة للنفخ، وإشارات مزيفة ترسل عبر الأثير، وهجمات سيبرانية وآلاف الحسابات المزيفة عبر الـ"بوتس" والـ"ترولز" لنشر الإشاعات بسرعة تفوق سرعة الصواريخ التي تمتلئ بها سماء المنطقة، وكذلك اختراقات للحسابات يجري عبرها إرسال دعوات للتمرد والانقلاب.
ويشير سعيد إلى سلاح نشر "الأمل المزيف" و"الإحباط الشديد"، وذلك عبر بث انتصارات وهمية لم تحدث على أرض الواقع أو سمائها، وتهويل خسائر العدو، ليتضح بعد أيام أو أسابيع أنها وهم وخيال، وهو ما ينشر الشك والبلبلة وفقدان الثقة وتحطيم الروح المعنوية. وجزء من أهداف هذه الحرب موجه إلى الرأي العام العالمي، وذلك بهدف التأثير فيه، سواء باستعراض القوة، أو عرض المظلومية، بهدف كسب الدعم العسكري أو السياسي أو الاقتصادي أو النفسي، أو كل ما سبق. مضيفاً "هي إذن حرب هجينة، تجمع بين العسكري والإعلامي والسيبراني، والهدف الذي ينافس تحقيق الانتصار العسكري هو إلحاق الهزيمة النفسية بالعدو".
ويوضح سعيد أن الطرفين الأكثر استخداماً لأدوات الحرب النفسية في هذه الحرب هما إيران وإسرائيل، "ويبدو أن الأخيرة تلجأ إلى التصريحات المتضاربة، والإعلانات المتناقضة عن نهاية الحرب، وأهدافها، وبنود المفاوضات، ووجودها أصلاً من عدمه، كسلاح نفسي لنشر عدم اليقين ونثر الضبابية والشك وصناعة حالة من الارتباك العام، لا سيما لدى الشعب والقيادة الإيرانيتين. في المقابل، تمعن إيران في الرد على ذلك بتضخيم الانتصارات وتهويل الإنجازات العسكرية بغرض تعزيز الروح المعنوية وتقوية الجبهة الداخلية".
هنا يشير استشاري تكنولوجيا الإعلام والتحول الرقمي أحمد عصمت إلى أن هذه المرة، وفي الحرب الدائرة، لا يقتصر استخدام أدوات الحرب النفسية على الطرفين الرئيسين المتحاربين، لكن تستخدمها الأطراف الأخرى الضالعة ذات المصالح المختلفة والمتضاربة أحياناً. يقول، "للمرة الأولى ربما يبرز نشاط أطراف أخرى إلى جانب طرفي الحرب لتهويل أو تهوين أو توجيه مجرياتها عبر الأدوات النفسية، تنفيذاً لمصالحها. ومنها ما يستخدم المؤسسات الإعلامية التابعة لها، وليس فقط أدوات الذكاء الاصطناعي.
وعلى رغم أن التاريخ حافل بحروب لعبت فيها الإشاعات دوراً حاسماً في تهديد المنهزم والمنتصر، فإن الحرب النفسية وحدها لم تحدد مصير الحرب الحالية، وإن كانت مؤثرة جداً، بحسب قول سعيد صادق.
"آثارها حتى اللحظة"، كما يؤكد، "تبدو في التأثير على الروح المعنوية للجنود والمدنيين، توجيه الرأي العام العالمي، رفع أو ذبذبة أسعار النفط، إثارة تململ أو ضجر في الداخل سواء إيران على أمل إعادة إشعال الاحتجاجات، وهو ما لم يحدث بعد، أو في إسرائيل وهو ما يبدو من خلال تغيرات تطرأ على تغيرات، ولو ضئيلة تطرأ على نسبة التأييد للحرب، أو استمرارها".
في السياق نفسه، يقول أحمد عصمت إن ما يحدث حالياً يسمى "مضاعفة القوة" وهو طريقة تستخدم في مجال العلاقات العامة بغرض إحداث نقاط ضعف في داخل المجتمعات، وضرب إرادتها، وتسريع عمليات الإحباط والاستسلام. ويتسبب في إنهاك نفسي للمجتمع والدولة المستهدفين في أوقات الحروب، ورغم أنه لا يحسم الحرب، لكن يغير من توازناتها ومساراتها.
حرب الميمز
وسيذكر التاريخ أن هذه الحرب أشهرت سلاح الـ"ميمز" كقوة مؤثرة ومتأثرة بالأطراف المتحاربة، والمصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية المتشابكة، والمزاج العام السائد، سواء بين شعب ما أو بين سكان الكوكب بشكل عام.
حرب الميمز أحدث القادمين. هذه المقاطع القصيرة من الفيديوهات، القابلة للمشاركة، المرئية والنصية، التي تستخدم الفكاهة والإشارات الثقافية والرموز، وتطالع ملايين المستخدمين لمنصات السوشيال ميديا والإنترنت على مدار الساعة، وتثير الضحك حتى في أحلك الظروف، ما هي إلا أداة حرب غير مباشرة ذات تأثيرات غير مباشرة لكن بالغة القوة ضمن الحرب النفسية على هامش الصراع.
التراشق بالسخرية، والتناطح بالاستهزاء، وتبادل اللكمات التهكمية أصبحت أدوات مهمة ومؤثرة في الصراعات والحروب في الأعوام القليلة الماضية، وتألقت في حرب إيران الحالية، وذلك مرة أخرى، بفعل وفضل أدوات الذكاء الاصطناعي التي جعلت صناعة فيديو ساخر وتركيب صورة هزلية عن العدو أمراً غير مكلف وسريع ونافذ التأثير.
في مقال عنوانه "كيف تشكل الميمز الدعاية والإقناع وفوضى المعلومات؟" (يناير 2026) للأستاذة في قسم علم الجريمة والعدالة الجنائية في جامعة نوتنغهام ترينت البريطانية، والمتخصصة في الجرائم السيبرانية، تاين مانك، جاء أن الميمز أصبحت أداة مهمة في الحروب الحديثة، وتزدهر وبشكل واضح في ظل اضطراب المعلومات. وذكرت أن الميمز استخدمت من قبل الجهات الحكومية والشعبية على حد سواء في حرب أوكرانيا، وهدفها التأثير على الرأي العام، وإضعاف الروح المعنوية والسلطة في دولة "العدو".
وتوضح مانك أن الميمز في زمن الحرب ملصقات أو فيديوهات أو صور دعائية، مشحونة عاطفياً، سهلة الاستخدام، وآثارها تمتد إلى كل من الشعوب والقادة. وتضيف أنه رغم نظر البعض لها باعتبارها مجرد نكات، فإنها تحمل رسائل سياسية تشكل معتقدات، وتضفي طابعاً عادياً على الأنشطة العدائية، وتشوه الواقع. وتشرح ماك أن "الميمز أصبحت أدوات بالغة التأثير في حرب المعلومات، تشكل كيفية عرض القوة، والتنازع عليها، وإدراكها. وبحسب النبرة والجمهور المستهدف، فيمكن للميمز حشد المؤيدين، والسخرية من المعارضين، وإقناع الجماهير، والتأثير على الرأي العام. ويعكس دورها المتنامي مدى ملاءمتها للبيئات الرقمية سريعة التطور، فهي رخيصة، وسهلة التعديل، وقابلة للمشاركة على نطاق واسع جداً. هي النسخة الحديثة من ملصقات الدعاية في زمن الحرب". وتضيف أن الميمز تبسط الحقائق (وربما الأكاذيب) السياسية المعقدة، وتخاطب العواطف، وتعزز مفاهيم الهوية والوحدة (أو تعصف بها). واليوم، ينشئ المستخدمون العاديون المحتوى، ويعيدون مزجه، وينشرونه جنباً إلى جنب مع المؤسسات، مغيرين بذلك ديناميكيات القوة التقليدية في التواصل السياسي والعمليات العسكرية والحروب النفسية".
وتحذر مانك من الاستهانة بتأثير الميمز، أو اعتبارها مجرد نكات بريئة، لا سيما أن فاعلين سياسيين كثراً يستخدمونها بشكل عدواني لنشر الأكاذيب والعداء والكراهية، أو لترجيح كفة من دون أخرى في الصراعات والحروب. والميمز بشكل عام، لا سيما الهجومية، تضمن التلاعب في المحتوى المنشور على نطاق واسع، والعمل على ترسيخه لدى المتلقين، الذين قد تصل أعدادهم إلى ملايين.
وتقول إن الفكاهة تخفي وراءها رسائل مشفرة وتأطيراً استراتيجياً لتشويه الواقع، وتطبيع العدوان، وتعزيز اختلال موازين القوة، وأن التعرض المتكرر يؤدي إلى جعل الأفكار التي كانت غير مقبولة في السابق مألوفة، وهو ما يسهل بتمرير الرسائل السياسية الجادة والخطرة من دون اعتراض أو مقاومة.
استشاري تكنولوجيا الإعلام والتحول الرقمي أحمد عصمت يقول، "الميمز قاتلة في زمن الحروب، فهي تدخل مباشرة إلى العقل والقلب في ثوان معدودة، لا سيما بين جيلي زد وألفا، ولا تدفع إلى التفكير كثيراً، لكنها تغيره وتقلبه رأساً على عقب".
أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق من جهته، يقول إن سبب انتشار الميمز الفيروسي، لا سيما في أزمنة الصراعات والحروب، يعود لكونها بسيطة وعاطفية، إذ تحول الأفكار المعقدة إلى صورة ونكتة وتفجر العواطف سواء على هيئة ضحك إن غضب أو فخر، ما يدخلها في تنافس حقيقي مع الأخبار التقليدية.
ويضيف أن الميمز تستخدم من قبل الدول والأفراد، وحدث هذا في حرب أوكرانيا، ويحدث الآن في حرب إيران، مشيراً إلى أن إيران تسيطر على ساحة الميمز، عبر فيديوهات ذكاء اصطناعي تسخر من ترمب ونتنياهو. في الوقت نفسه، ترد أميركا وإسرائيل بالأداة نفسها، لكن بفيديوهات لعمليات عسكرية إما متخيلة أو مأخوذة من ألعاب فيديو، ويستخدمها الجميع للتراشق وإحراز أهداف نفسية في مرمى العدو.
ويبقى التصعيد النفسي في الحرب الحالية ركناً بالغ الأهمية. أدوات نفسية يستخدمها الجميع، وأهداف تصيب الجميع أيضاً، والنتائج لم تحسم بعد. وتبقى فروق بين الشعوب في كيفية تلقي والتعامل مع محتوى هذه الحرب. يقول صادق، إن درجات الوعي والتعليم والقدرة على البحث والتفكير النقدي تصنع الفروق بين الشعوب في مقدار تأثير الحرب النفسية. يقول إن هذه الفروق ليست عشوائية، أو مسألة حظ. إنها فروق تعتمد على التعليم، والعقلية النقدية التي تنتج عنه أو تغيب بسببه، والوعي الإعلامي، والثقافة، ومقدار الحرية الذي تحظى به المؤسسات الإعلامية الرصينة.
ويضيف، "ليس حقيقياً أن كل الشعوب تسبح في بحر الأخبار المزيفة بالدرجة نفسها، وهذا يؤثر مباشرة في نجاح التكتيكات النفسية في أزمنة الحروب والصراعات. الكفاءة الإعلامية، ونظام التعليم الكفء القائم على الوعي والقدرة على البحث والتفكير والنقد جميعها أمور تجعل شعوباً أقل أو أكثر عرضة للوقوع في فخ الأخبار المزيفة والحروب النفسية".
ويؤكد أحمد عصمت أهمية التعليم والوعي والثقافة الرقمية في تحديد أثر الحرب النفسية لدى الشعوب. كما أن الدول ذات الوعي الجمعي والبناء معلوماتي القوي تكون قادرة على بناء جبهة داخلية قوية وأكثر صموداً أمام الحروب النفسية.
ثقافات فردانية
ويتفق سعيد وعصمت على التأثير المختلف للحروب النفسية على المجتمعات ذات الثقافة الجمعية والفردية أو الفردانية، أي التي تقوم على الفرد واستقلاليته، لا الجماعة وانجرافها وراء فكر واحد ومفاهيم يجري توارثها من جيل إلى جيل من دون مراجعة أو تطور أو تحديث، يميل أفرادها بشكل أكبر إلى التحقق الشخصي بشكل عقلاني، بعيداً من العواطف والتفكير القائم على التمني. الحصول على الحقيقة، وتفعيل الإنجازات، وتحقيق الانتصارات لا تتحقق بالأمنيات، بل بالبحث والتقصي والتأكد.
ويضيف عصمت إلى قائمة مسببات المناعة المجتمعية للحروب النفسية التي يجري شنها من قبل العدو عنصر المعارضة، "حيث المجتمعات والدول التي توجد فيها معارضة سياسية فعلية وفعالة، تكون عادة أكثر قدرة على مقاومة الحروب النفسية وتقليص آثارها السلبية".
"روشتة الوقاية" معروفة، لكن في أوقات الأزمات والحروب، واحتقان المشاعر، والاستقطاب، والخوف والقلق وعدم اليقين، تغيب القدرة على التفعيل، أو تتوارى بسبب الضغوط والمخاوف. يتحدث سعيد عن "المناعة النفسية" والعمل على تقويتها وبنائها والحفاظ عليها. ويتحقق ذلك عبر تحويل التأكد من الأخبار، وتحييد العواطف، وتحري الدقة والحقيقة، وتوجيه سؤال دائم للنفس: هل أصدق هذا الخبر لأنه يريحني؟ أم لأنه حقيقي؟"، إضافة إلى توخي الحذر في التعامل مع حسابات تقول عن نفسها إنها لقادة أو ساسة أو رؤساء، إلخ.
يقول سعيد إن كثيراً من الأخبار والصور والفيديوهات الموجودة فقط على "تيك توك" أو "إكس" أو غيرهما، وهي الأكثر تداولاً وتصديقاً، ومعها الميمز والنكات، غالباً تحمل إما رسائل سياسية موجهة، أو تضليلاً وفبركة بهدف نشر البلبلة.
ويقول عصمت، "كان الله في عون المتلقي العربي. يجد نفسه في خضم حرب ضروس مطالباً بتجهيز نفسه، وتحصين عقله، وتقوية قلبه، ودم قدراته البحثية، والإبقاء على حواسه في قمة الجاهزية والاستنفار"، ويضيف "تبقى الأساسيات للتأكد من الأخبار والصور والفيديوهات والمنشورات معروفة ومتاحة. فقط تحتاج إلى حد أدنى من الصبر والرغبة في التحقق".
يشار إلى أن القانون الدولي يحظر أنواعاً بعينها من العمليات الإعلامية أو النفسية أثناء النزاعات المسلحة، مثل التهديد بالعنف الذي يهدف إلى بث الرعب بين السكان المدنيين. وينص القانون الدولي على ضرورة التزام العمليات الإعلامية بمتطلبات احترام وحماية فئات محددة من الجهات الفاعلة، مثل العاملين في المجال الطبي وموظفي الإغاثة الإنسانية.
وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد أعربت عن قلقها مرات عدة في حروب وصراعات مختلفة إزاء استخدام العمليات الإعلامية أو النفسية لإحداث البلبلة أو الأذى، أو لنشر الخوف والرعب بين السكان، أو للتحريض على العنف، وهو ما يبقى حبراً على ورق كما تخبرنا به الحرب النفسية المستعرة في القلب من حرب إيران.