3 أسباب وراء صمود الأسواق الأميركية أمام تبعات الحرب.
احمد مصطفى
مع ارتفاع أسعار النفط فوق حاجز الـ 110 دولارات لبرميل خام "برنت" القياسي، واستمرار الارتفاع، لا تبدو الأسواق الأميركية متأثرة بقوة باحتمالات تبعات صدمة الطاقة العالمية، فحتى الآن لا يتجاوز التراجع في مؤشرات الأسواق ما حدث في فترات تراجع سابقة نتيجة أزمات ربما أقل حدة من حرب إيران التي تجاوزت مدتها الشهر الآن.
إلا أن ارتفاع أسعار الطاقة أكثر، بما يجعل سعر برميل النفط عند 150 أو 200 دولار للبرميل، يمكن أن يضر بالأسواق والاقتصاد معاً، وعلى رغم ذلك، لا يحسب المستثمرون تلك التقديرات المغالية في التشاؤم لعدة أسباب، منها ثلاثة أسباب ذكرها محلل الأسواق في صحيفة "وول ستريت جورنال"، جيمس ماكينتوش، في مقال له بالصحيفة.
لهذه الأسباب، وربما لغيرها أيضاً، لا يبدو التأثير النفسي للحرب على المستثمرين كبيراً – على الأقل حتى الآن – على رغم مخاوف زيادة معدلات التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد والتوريد مع إغلاق مضيق هرمز جنوب الخليج.
صحيح أن الأسواق ما زالت تتذبذب ارتفاعاً وهبوطاً مع كل خبر أو تصريح حول الحرب المستمرة منذ أكثر من شهر، لكن في المتوسط لم ينخفض مؤشر "أس أند بي 500" القياسي في "وول ستريت" بنيويورك سوى بنسبة 7.4 في المئة منذ نهاية فبراير (شباط)، وهي نسبة تراجع لا تزيد كثيراً على تراجع مؤشر الأسهم في أبريل (نيسان) 2018 أو مايو (أيار) 2019.
التاريخ والمرونة
لم يعد أحد في الأسواق يتذكر كثيراً حالات الهبوط المماثلة تلك في أعوام قريبة، ذلك لأنها عمليات "تصحيح" تعود بعدها المؤشرات للارتفاع، لكن تأثير حرب إيران على الاقتصاد العالمي، وفي مقدمته الاقتصاد الأميركي، تبدو واضحة بالفعل، فما الذي يجعل الأسواق لا تنهار، بل على العكس ترتفع مؤشراتها بعد كل هبوط لتصبح في المتوسط كأنها غير متأثرة بالحرب؟
يعدد الكاتب ثلاثة أسباب أساسية هي تاريخ الحروب الحديثة وتأثيرها في الاقتصاد والأسواق، وقوة عائدات الشركات وأرباحها، إضافة إلى الآمال الكبيرة المعلقة على قطاع الذكاء الاصطناعي.
بداية، لم يكن للأحداث الجيوسياسية الكبرى من حروب وثورات في العقود الماضية تأثير كبير على مرونة الاقتصاد الأميركي، فبحسب دراسة لمصرف "دويتشه" الاستثماري، كان متوسط هبوط الأسواق في 30 حادثاً جيوسياسياً منذ عام 1939 هو نسبة 4 في المئة فقط، وغالباً ما يتبع الهبوط ارتفاع سريع.
لا يتعلق الأمر بكون الاقتصاد الأميركي أكبر اقتصاد في العالم، أو بمرونته الشديدة فحسب، بل، كما يقول الكاتب، ربما لأن "الولايات المتحدة بلد محظوظ"، فحتى عندما خسرت أميركا حرب فيتنام، وبعدها الحرب في أفغانستان، لم تتضرر القاعدة الصناعية الأميركية، وذلك على عكس ما حدث من تدمير في بريطانيا وألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية.
أهم أربعة أحداث اقتصادية أثرت في العالم نتيجة أسباب اقتصادية ومالية كانت أكبر أثراً على الاقتصاد من الحربين العالميتين، كما يشير الأكاديميون إلتروي ديمسون وبول مارش ومايك ستونتون في دراسة أُعدت لمصلحة بنك "يو بي أس" الاستثماري، فالكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، وحظر النفط في 1973–1974، وانهيار "دوت كوم" مطلع القرن الحالي، والأزمة المالية العالمية 2007–2009، كان أثرها أكبر وأعمق من تأثير الحروب.
تأثر الاقتصاد الأميركي بتلك الأزمات الأربع أكثر من تأثره بأي حرب، على رغم أن دولاً أخرى تعرضت لخسائر فادحة. وعلى سبيل المثال، انهارت الأسهم في روسيا إلى قرب الصفر مع الثورة البلشفية والاستسلام في الحرب العالمية الأولى، وخسرت الأسواق اليابانية بنسبة 96 في المئة في الحرب العالمية الثانية.
حظ الأسواق الأميركية والشركات
لا يقتصر الحظ على التاريخ، بل إن الأسواق الأميركية تتمتع بميزة أخرى، وهي أن تأثرها يكون أكبر عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد والنظام المالي. وعلى سبيل المثال، مع الغزو الأميركي لأفغانستان في 2001، ارتفعت مؤشرات الأسواق في البداية بقوة، ثم أعقب ذلك عام من الهبوط. ولم يكن الهبوط بسبب أخبار الحرب ولا عودة الجنود الأميركيين قتلى من المعركة، وإنما بسبب تبعات انهيار شركات الإنترنت بعد انفجار "فقاعة دوت كوم".
وهنا يمكن لحرب إيران أن تؤثر بقوة إذا طال أمدها وارتفعت أسعار الطاقة بقوة إلى الحد الأقصى المتشائم لبرميل النفط عند 200 دولار، ذلك لأن ارتفاع أسعار الطاقة بقوة سيضر بالاقتصاد وعالم المال.
ومع أن الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط ومصدر صافٍ للطاقة حالياً، إلا أن اقتصادها سيتضرر من تبعات تضرر الاقتصاد العالمي، بمعنى أن ارتفاع معدلات التضخم واحتمالات الدخول في حال "ركود تضخمي" ستهوي بمؤشرات الأسواق.
هذا التأثير في الاقتصاد وعالم المال الناجم عن الحرب، وليس خسارة أميركا للحرب أو كسبها أو حتى ما يمكن أن تتكبده من خسائر فيها.
أما العامل الثاني وراء مرونة الأسواق الأميركية وقدرتها على امتصاص الصدمات، فهو التوقعات المستقبلية المتفائلة لأداء الشركات المالي من حيث العائد والأرباح، فمنذ بداية حرب إيران، ارتفعت تقديرات النمو المستقبلي لعائدات الشركات على مؤشر "أس أند بي 500" في 12 شهراً المقبلة. ويُقدّر نمو عائدات السهم بنسبة 3.6 في المئة، وهو أسرع نمو في فترة قصيرة منذ خمسة أعوام، بحسب بيانات شركة "أل أس إي جي".
قد تكون شركات الطاقة صاحبة النصيب الأكبر من توقعات النمو، وربما يتراجع الأداء للقطاعات المستهلكة للطاقة مثل شركات الكيماويات والطيران وغيرها، لكن في الأغلب كل الشركات مرشحة لنمو العائد بنسب متفاوتة، وفي مقدمتها شركات التكنولوجيا التي شهدت أكبر نمو للعائد في الشهر الأخير بنسب غير مسبوقة منذ عام 1995.
تفاؤل الذكاء الاصطناعي
صحيح أن الاقتصاد الأميركي قد يتأثر بالتبعات الاقتصادية للحرب إذا استمرت لفترة، وهي أضرار بدأت تظهر بالفعل، لكن أميركا دخلت الحرب باقتصاد قوي، كما يرى تحليل الصحيفة ومعظم الاقتصاديين، بالتالي يمكن لاقتصادها تحمل تلك التبعات وامتصاص الصدمة.
يقول مدير استراتيجيات أسواق المال في شركة "تيكيهاتن كابيتال"، رافائيل توين، إن الاقتصاد الأميركي "بدأ الحرب على قدم ثابتة مقارنة بالاقتصاد العالمي، فيمكننا امتصاص الصدمة، وإذا خرجنا (من الحرب) بسرعة فإن كل شيء سيكون على ما يرام".
العامل الثالث الذي يجعل الأسواق غير متأثرة بالحرب وتبعاتها بقوة هو الآمال المعلقة على قطاع الذكاء الاصطناعي، فما زالت الأسواق تتوقع نمواً كبيراً للقطاع واستمرار انسياب الأموال للاستثمار في مراكز البيانات وتقليل حاجتها إلى مزيد من الرقائق الإلكترونية الدقيقة.
ومما يظهر مدى حساسية السوق لأي تطور في قطاع الذكاء الاصطناعي، أكثر من أي شيء آخر، ما حدث نتيجة دراسة من "غوغل ريسيرش" الأسبوع الماضي.
خلصت الدراسة إلى أن "ضغط البيانات سيقلل الحاجة إلى مزيد من رقائق الذاكرة عالية الكلفة في نماذج الذكاء الاصطناعي". وفور صدور الورقة البحثية، انخفضت أسهم شركات إنتاج تلك الرقائق الإلكترونية مثل "سانديسك" و"سيغيت تكنولوجي" و"مايكرون تكنولوجي" و"ويسترن ديجيتال".
تعتمد كل هذه السيناريوهات وأسباب مرونة السوق وقدرته على امتصاص الصدمة بشكل أساس على نهاية سريعة لحرب إيران، سواء بإعلان أميركا النصر ووقف الحرب أو التوصل إلى صفقة مع طهران. ومع أنه حتى لو انتهت الحرب بسرعة، فإن أضرارها الاقتصادية وقعت بالفعل، لكن الاقتصاد الأميركي لن يكون أكبر متضرر، أما إذا طال أمد الحرب أو توسع نطاقها، فإن الضرر سيطاول الجميع، ولن تسلم منه الأسواق الأميركية.