كيف يواجه الناشرون العرب أزمة معارض الكتب الراهنة؟

شريف الشافعي

مايو 17, 2026 - 03:32
كيف يواجه الناشرون العرب أزمة معارض الكتب الراهنة؟

وسط التصعيد العسكري في المنطقة وانتشار القلق وعدم الاستقرار على خلفية الحرب الأميركية- الإيرانية الأخيرة، تأتي صناعة النشر في العالم العربي على رأس الصناعات المتضررة بسبب الأوضاع الراهنة. ومع استشعار الخطورة الأمنية، إضافة إلى تعذر شحن الكتب وارتفاع الكلفة الاقتصادية، جاءت القرارات الصعبة بتأجيل بعض معارض الكتب العربية، من بينها الدورة الـ35 من معرض أبو ظبي الدولي للكتاب التي تأجلت من أبريل (نيسان) الماضي إلى سبتمبر (أيلول) المقبل، والدورة الـ30 من معرض مسقط الدولي للكتاب التي تأجل عقدها في الفترة ما بين الـ26 من مارس (آذار) والخامس من  أبريل الماضيين إلى موعد لاحق.

في هذا التحقيق نتناول مجموعة من الناشرين العرب ورؤساء اتحادات النشر العربية، مظاهر تدهور صناعة النشر بسبب الظروف المحيطة وتأجيلات معارض الكتب العربية. ويدلون بدلوهم في اقتراح خطط بديلة واستراتيجيات جديدة لتعزيز صناعة النشر وحمايتها من المتغيرات العاصفة، وتنشيط التسويق الورقي والرقمي للكتب، لتقليل حجم الخسائر ومضاعفة الاستفادة من عودة المعارض العربية المؤجلة في مواعيد مقبلة.

رئيس إتحاد الناشرين: بوصلة النجاح

في البداية، يؤكد رئيس اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد أن صناعة النشر في العالم العربي ليست بالقوة المطلوبة التي تحميها من المؤثرات والعوامل الخارجية، العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى الصحية مثل أزمة كورونا عام 2020. وتفتقر هذه الصناعة لدينا إلى الأسس والقواعد والمحددات السليمة التي تتمتع بها في العالم الغربي، من ناحية وضوح الأدوار وطبيعة الحقوق والواجبات والعلاقات بين أطراف الصناعة، المؤلف والناشر والطابع والموزع.

ويشير محمد رشاد خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" إلى استبيان أجراه اتحاد الناشرين العرب بمشاركة 300 ناشر عربي، أظهرت نتائجه أن 52 في المئة من مبيعات الناشر العربي عموماً هي حصيلة المعارض التي يشارك فيها، وبإلغاء المعارض أو تأجيلها يتضرر الناشرون جداً، وتقل إصداراتهم بنسبة قد تصل إلى 75 في المئة، كما حدث أثناء جائحة كورونا مثلاً التي شهدت خروج نحو 34 في المئة من الناشرين من مهنة النشر أصلاً.

ومن مظاهر ضعف صناعة النشر في العالم العربي، وفقاً لمحمد رشاد، أن عدد العناوين المنشورة في العالم العربي كله لا يزيد على 80 ألف عنوان في العام، في حين تنشر تركيا وحدها مثلاً 100 ألف عنوان سنوياً، وتركيا 90 ألفاً، ولا تتناسب الأرقام لدينا مع وجود 22 دولة عربية يقطنها أكثر من 400 مليون شخص، وتتعدد فيها الجامعات والمدارس والأكاديميات والمؤسسات الثقافية والتعليمية. كما أن الناشرين العرب يطبعون الآن نسخاً قليلة للغاية من الإصدار، لا تزيد على ألف نسخة، وقد تتضاءل إلى 100 أو 50 نسخة فقط، ولا تجد من يشتريها.

ويؤكد رشاد كارثية التأثير السلبي في الناشرين العرب جراء تأجيل معارض الكتب العربية بسبب الحرب وحال القلق لدى المواطن العربي مثل معرض أبو ظبي للكتاب الذي تأجل وقلص عدد أيامه من 10 إلى خمسة، ومعرض مسقط للكتاب الذي لم يفتح أبوابه في موعده. ويوضح أن لهذه الأزمة سمات وملامح أخرى أيضاً، فالدول العربية ليست منتجة لأساسيات صناعة الكتاب ومواده ولوازم نشره من ورق وأحبار وغيرها، بالتالي تزداد كلفة صناعة الكتب لارتباطها بالأسعار العالمية في ظل أزمة اقتصادية دولية، فضلاً عن ارتفاع أسعار الشحن وسلاسل الإمدادات جراء زيادة سعر البترول، مما يشكل أعباء إضافية على الناشرين.

ويرى رئيس اتحاد الناشرين العرب أن بوصلة النجاح في ما يخص سبل تعزيز صناعة النشر وتخطّي المعوقات الراهنة تتمثل في إيجاد منافذ دائمة لتوزيع الكتاب، خارج حيز المعارض الموقتة والمتذبذبة والخاضعة للمؤثرات، كما هي الحال في أوروبا، حيث تشكل المكتبات العامة هناك الرئة التي يتنفس من خلالها الناشرون، إذ تحصل هذه المكتبات على نسبة كبيرة من الكتب سنوياً، ويجري الطبع بناء على توريدات مطلوبة محددة. ويقول "لا تزال المكتبات العامة في مصر وفي العالم العربي عموماً غير متناسبة كمّاً وكيفاً مع عدد السكان، وموازناتها ضعيفة، كما أن المكتبات المدرسية والجامعية والمراكز الثقافية بلا موازنات تقريباً".

ويقترح محمد رشاد على الناشرين العرب الاجتهاد الدائم للخروج من حيز النشر الورقي قدر المستطاع نحو فضاء النشر الرقمي، الإلكتروني والصوتي والتفاعلي المتطور، خصوصاً على مستوى الموسوعات والمراجع والمؤلفات الضخمة، كما هو في الخارج، مشيراً إلى دور اتحاد الناشرين العرب في إجراء التنمية البشرية للناشرين في هذا الصدد. ويوصي رشاد الحكومات العربية بضرورة الاعتراف بأن النشر صناعة متكاملة، يجب دعمها، من خلال خفض الجمارك على مستلزمات الإنتاج وتقليل الرسوم الضريبية على الناشرين وزيادة موازنات المكتبات العامة والمراكز الثقافية، بمعنى مساندة الناشرين بشراء كتبهم وتسويقها، والسماح لهم بنشر الكتب المدرسية والجامعية، وما إلى ذلك من إجراءات يمكنها أن تنعش صناعة النشر.

 تجاوز التقليدية

ويلتقط خيط الحديث رئيس اتحاد الناشرين المغاربة ومدير "دار سليكي أخوين للنشر" في المغرب طارق السليكي بقوله إن اختزال سوق الكتاب في معرض أو مجموعة من المعارض هو آفة الكتاب والنشر والثقافة بصورة عامة، فالمعارض هي جغرافيا صغيرة يلتقي فيها صناع الكتب والثقافة من أجل شيء أكبر بكثير من تسويق نسخ الكتب، لأن الكتاب يستحق أن يسوّق بصورة يومية. ومن هنا، سيقتصد الناشر الجهد والنفقات الزائدة ليشتغل على الكتاب على نحو أكثر مهنية، وليبدع أفكاراً مبتكرة.

ويوضح طارق السليكي أن الكتاب هو المصدر الرئيس لكل أنواع المعرفة، فهذا المنتَج الذي ربما يبدو ترفاً في جغرافيات كثيرة، له القدرة على تغيير رؤانا، سواء للماضي وحتى المستقبل. والسؤال اليوم هو، هل يمكن أن نعيش من دون كتاب، وماذا نعني بالكتاب، وهل لا يزال الكتاب كما عرفه السابقون، أم أنه دخل في تحول لا رجعة فيه، فأخذ أشكالاً مختلفة الإلكتروني، السمعي؟ ويقول "المهم أن يظل إنتاج المعرفة مستمراً، وليأخذ الكتاب ما يريد من الأشكال. ولذلك، فالأسواق والمكتبات صارت شاشات، وحتى منطق الاقتصاد تغير، وبقي الناشر العربي مقبوراً في أفكاره، ورهين المنطق التقليدي خصوصاً في الكتاب".

ويرى السليكي أن على الناشر العربي اليوم أن يطرح سؤالاً بقدر ما هو بسيط بقدر ما هو تأسيسي ومركب، ما النشر؟ ولماذا ننشر ما ننشر؟ وإلى أي حد لدينا نحن الناشرون المرونة والقدرة على مواكبة التطورات وركوب الأمواج؟ ويقول "هنا أتذكر مقولة للمؤرخ المغربي عبدالله العروي ’الحداثة موجة، إما أن نركبها أو سنصير خارج التاريخ‘".

 العناصر المفقودة

وبحسب هيثم حافظ، مدير عام "دار الحافظ للنشر" في سوريا ورئيس اتحاد الناشرين السوريين سابقاً وعضو مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب، فإن المشكلة المعقدة في النشر في الوطن العربي أن آلية بناء الصناعة برمّتها ليست على الشكل الصحيح.  ويوضح أن هناك عناصر كثيرة جوهرية غائبة تجعل صناعة النشر مظلومة ومهملة، فالتواصل الحكومي ضئيل والدعم الثقافي محدود، والبنية التسويقية للصناعة هشة ومتضائلة. ولا مجال لنهوض الصناعة من دون الاعتماد على المكتبات العامة والجامعية والمدرسية والمراكز الثقافية، ومن غير الدعم الشرائي الحكومي المؤسسي الذي يجنّب الناشرين الخسارة في ظل ارتفاع كلفة الإنتاج.

ونظراً إلى غياب هذه العناصر والمقومات، يضيف هيثم حافظ أن صناعة النشر تتأثر سريعاً بكل المتغيرات الخارجية المحيطة، ومن بينها الحروب بالطبع، والأزمات الاقتصادية وتأجيل المعارض العربية وتذبذب الأسواق المحلية والعربية، خصوصاً في مناطق ذهبية مثل دول الخليج العربي والأردن وسوريا ولبنان كأسواق واسعة، إضافة إلى مشكلات الشحن والسفر والجمارك حال إغلاق بعض الممرات. ولربما مع انتهاء الحرب وعودة المعارض المؤجلة تتحسن الأوضاع نسبياً، ولكن الأمل الشافي لن يكون سوى بالدعم الوافي من الحكومات والمؤسسات الكبرى لتجنيب صناعة النشر الهزات المختلفة الطارئة.

نسرين كريدية: مشهد عام معقد

ومن جانبها تشير الناشرة اللبنانية نسرين كريدية، المديرة التنفيذية لـ"دار النهضة العربية" في بيروت، إلى تكرار مشهد، بصورة مختلفة، يشبه إلى حد كبير ما عاشه قطاع النشر خلال جائحة كورونا. فالناشر العربي، في الوقت الحالي، يجد نفسه مجدداً أمام أزمة مفتوحة، لا يملك أحد تقديراً واضحاً لمدتها أو مآلاتها، خصوصاً أن الجزء الأكبر من معارض الكتب التي كان يُعوَّل عليها في هذه المرحلة كان متركزاً في دول الخليج العربي، حيث تشكل هذه المعارض موسماً أساسياً للتوزيع والمبيعات والتواصل الثقافي. وتقول "صحيح أن عدداً من المعارض ألغي أو تأجل، إلا أن المبادرات الإيجابية تبقى موضع تقدير، وفي مقدمتها استمرار معرض الدوحة الدولي للكتاب، فضلاً عن إقامة معرض تونس ومعرض المغرب".

وترى نسرين كريدية أن الأزمة لا تختصر بالمعارض وحدها، فهي في الواقع جزء من مشهد اقتصادي أوسع وأكثر تعقيداً. فارتفاع الأسعار طاول مختلف القطاعات، من الورق والطباعة إلى الشحن والنقل والطاقة، إضافة إلى اضطراب سلاسل التوريد عالمياً. كما أن أولويات الناس تبدّلت في ظل القلق العام والحروب والتوترات السياسية وحال الانتظار التي تسيطر على المنطقة. ومن اللافت أيضاً أن السوق الإلكترونية التي كان يُعوَّل عليها كبديل جزئي، تأثرت بدورها. وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً، أين ذهب القراء؟ هل انصرفوا إلى متابعة التطورات السياسية والأمنية؟ أم أن القدرة الشرائية تراجعت إلى حد بات معه اقتناء الكتاب ترفاً مؤجلاً لدى كثر؟

وتضيف الناشرة اللبنانية أن المشكلة الحقيقية أننا لا نعرف متى تنتهي هذه الأزمة فعلياً، ولا كيف سيكون مصير الإصدارات الجديدة، وما إذا كان الناشر العربي قادراً على الاستمرار بالوتيرة نفسها أو لا. فدور النشر اليوم تواجه تحدياً مزدوجاً، المحافظة على جودة المنتج الثقافي، وفي الوقت نفسه تحمّل أعباء الكلفة المتصاعدة. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً، كيف ستعالج مسألة التسعير؟ فكلف الورق والطباعة والشحن والتوظيف والتوزيع ارتفعت بصورة كبيرة، ومن الصعب تحميل الكتاب وحده كل هذه الأعباء، لأن ذلك قد ينعكس مباشرة على القارئ ويزيد تراجع المبيعات.

من هنا، وفق كريدية، تبدو الحاجة ملحّة إلى حلول جماعية تتجاوز المبادرات الفردية، وربما حان الوقت لكي يقوم اتحاد الناشرين العرب بدور أكثر فاعلية، بالتعاون مع اتحادات الناشرين في كل بلد، لوضع رؤية مشتركة للفترة المقبلة، تشمل الدعم اللوجستي وتخفيف كلفة المشاركة في المعارض وابتكار منصات بيع أكثر فاعلية وتعزيز التضامن المهني بين العاملين في هذا القطاع. فالكتاب استثمار طويل الأمد في الثقافة والمعرفة والهوية، وحماية هذا القطاع اليوم تعني حماية واحدة من أهم ركائز المجتمع العربي ومستقبله الثقافي.

 خسارات مركبة

ويرى مدير "دار روافد للنشر" في القاهرة الناشر إسلام عبدالمعطي أن مما لا شك فيه وقوع ضرر كبير على صناعة النشر نتيجة الإلغاء أو التأجيل لمعارض الكتب، بخاصة في المشرق العربي. والعجيب ليس فقط وقوع الضرر الناتج من حرمان الناشرين من التعامل مع الأسواق بصورة مباشرة وما يمثله هذا الحرمان من خسائر مباشرة، ولكن الناشر وحده يتكبد شحن كتبه وإرجاعها في حال تأجيل المعرض، إضافة إلى غرامات إلغاء تذاكر الطيران.

ويوضح أن الناشرين يواجهون هذا كله من دون سند من أية جهة رسمية كانت أو أهلية، بما فيها الاتحادات التي تمثلهم. والمتوقع عند عودة المعارض مرة أخرى في بدايات الخريف، تداخل المواعيد، مما يربك الناشرين، في ظل غياب التنسيق بين إدارات المعارض، أو بينها وبين اتحاد الناشرين العرب، مما سيمثل بدوره خسائر أخرى يجب العمل على تفاديها.

 خسارات مركبة

ووفقاً لمديرة النشر في "الدار المصرية- اللبنانية" في القاهرة الناشرة نورا رشاد، فإن معارض الكتب العربية تمثل العمود الفقري لصناعة النشر في العالم العربي، ولذلك كان لتأجيلها أو إلغائها تأثير مباشر وملموس في الناشرين. وتختلف درجة هذا التأثير بحسب حجم كل دار نشر، إذ تعتمد الدور الصغيرة بصورة أكبر على المعارض كمصدر رئيس للمبيعات والتوزيع، بينما قد تمتلك الدور الأكبر قنوات بديلة تدعمها. ومع ذلك، يظل تأثير غياب المعارض حاضراً لدى الجميع من دون استثناء. وتقول "بالنسبة إلى الدار المصرية- اللبنانية، لا تقتصر أهمية هذه المعارض على حجم المبيعات فقط، بل تمتد إلى كونها مساحة أساسية للتواصل مع القراء وبناء حضور للكتب الجديدة وتعزيز العلاقات مع الموزعين والوكلاء في كل بلد. وغياب هذه المنصات لفترات متتالية خلق حالاً من التباطؤ في حركة السوق، وفرض ضغوطاً حقيقية على خطط النشر والتسويق".

وفي المقابل، تضيف نورا رشاد أن "هذه الظروف دفعتنا إلى إعادة التفكير بصورة عملية في أدواتنا. فأصبح من الضروري الاعتماد على أكثر من قناة للوصول إلى القارئ، مع الحفاظ على توازن واضح بين الكتاب الورقي والرقمي. نحن لا نرى في النشر الإلكتروني بديلاً كاملاً، ولكنه يظل وسيلة مهمة للوصول. وفي هذا السياق، كنا بالفعل قد استثمرنا منذ فترة في تطوير موقعنا الإلكتروني ليخدم القراء في مختلف الدول، مع تركيز خاص على السوق العربية، مما ساعدنا في الاستمرار في تلبية الطلبات. كذلك اعتمدنا بصورة أكبر على البيع المباشر من خلال الدار، فضلاً عن الشحن بمختلف وسائله على رغم كلفته، في محاولة للحفاظ على وجودنا والوصول إلى القراء قدر الإمكان".

ومع الإعلان عن عودة المعارض في مواعيد جديدة، ترى نورا رشاد أن هناك فرصة مهمة لاستعادة الزخم، ولكن ذلك يتطلب استعداداً مختلفاً. والتركيز لن يكون فقط على عدد العناوين، بل على اختيار إصدارات قادرة على جذب القارئ، وتنظيم فعاليات تخلق تفاعلاً حقيقياً حول الكتاب. كما أن التخطيط المسبق والتنسيق مع الشركاء سيكون له دور كبير في تحقيق أقصى استفادة من هذه العودة. وفي النهاية، ما كشفته هذه المرحلة هو أن القدرة على التكيف وسرعة التحرك أصبحتا عنصرين حاسمين في استمرار أية دار نشر، وليس فقط في تجاوز الأزمات.

 مستجدات فارقة

ويوضح الناشر الليبي سراج الدين بطيخ، مسؤول دار "الرواد" للنشر في ليبيا أنه حدث تأثير كبير جداً في صناعة النشر في منطقة الشرق الأوسط، بسبب الحرب التي أثرت في إقامة معارض الكتب والفعاليات والمؤتمرات المصاحبة لها. وانعكست ظروف الحرب على سلاسل الإمداد، من ناحية الوقت وارتفاع كلف الشحن والتأمين، مما أثر في سعر الكتاب وسهولة إيصاله وتوفيره، وأدى إلى إغلاق عدد من المكتبات ودور النشر أبوابها وتضرر بعضها وخسارة مخازنها ومقارها، بخاصة في الدول التي طاولتها الحرب مثل لبنان، مما تسبب في خسائر مباشرة للناشرين وأصحاب المكتبات.

ومن خلال هذه الظروف، يضيف بطيخ، يجب على صناع النشر ومسؤولي الثقافة الوقوف على السبل التي يمكن من خلالها خلق برامج جديدة لفتح أسواق توفر الكتاب والمعرفة بنمط جديد، مثل العمل أكثر على تطوير منصات جديدة للكتاب الإلكتروني والكتاب الصوتي والكتاب عند الطلب، مما يخفف كلف الطباعة والشحن والتأمين وغيرها. وفي ظل هذه الظروف، تعززت مجالات للتأليف وإنتاج كتب في المواضيع التي تسلط الضوء على الأحداث من الناحية السياسية والتحليلية والاقتصادية والمالية والاستراتيجية وغيرها من المواضيع، وزاد الطلب على عناوين لم يكُن هناك اهتمام كبير بها قبل الحرب، وأصبح لها رواج في هذه الفترة.

ويرى الناشر الليبي أن الأمور بعد الحرب لن تكون كما قبلها، فالأزمات تخلق أفكاراً مغايرة ومستجدات فارقة، فستتغير طريقة التسويق والعرض، وستعمل دور النشر من خلال المعارض على تسويق أفكارها، وستكون المعارض سوقاً للمنافسة بين بعضها بعضاً، للوصول إلى القارئ وتبادل الأفكار. كذلك ستكون للمنصات الرقمية أدوار أكثر رواجاً، وستعزز دور النشر والمكتبات مواقعها الإلكترونية وتضاعف المشاركة في منافذ التسويق الإلكتروني، وسيتجه الناشر إلى الاهتمام أكثر بالكتاب الصوتي والكتاب عند الطلب لتعزيز مبيعاته وفتح سوق جديدة وتقليص المصاريف، ومع هذا كله ستبقى للكتاب الورقي مكانته مهما تعرض له من أزمات.

 فعاليات بديلة

ومن جهتها، ترى مديرة "دار الأمير للنشر والتوزيع والترجمة" في فرنسا الناشرة والكاتبة الروائية الجزائرية حياة قاصدي أن الحرب آلة خطرة ومدمرة، تلحق أضراراً جسيمة بحياة الإنسان، وعلى جميع المستويات والقطاعات، ولا سيما الحياة الثقافية، باعتبارنا نعيش فعلاً مرحلة فاصلة، برزت فيها الحرب، مما جعل العالم يرتبك في نظام الحياة بأسرها. وقد نتج من هذه الحرب انقطاع حركة المرور العالمية في منطقة الصراع المحددة بمنطقة الخليج والشرق الأوسط، ولم تتعرض الحال الاقتصادية فقط للتعطل وما نتج منها من إرهاصات سلبية في عالم المال وأسعار النفط والسلع والخدمات، بل تجاوزتها إلى الحياة الفكرية والفعل الثقافي اللذين ينشطان التبادل العلمي والفكري بين المجتمعات ويعزز جسور التواصل بين مختلف الدول. فهذه الحرب المدمرة عطلت حركة المعارض العربية العالمية الكبيرة التي تُعد محركاً رئيساً لاستمرار التفعيل الثقافي في المنطقة، وكما تضرر عالم الأسواق تضرر عالم الكتاب بفعل إلغاء معارض متعددة وتأجيلها.

وتختتم حياة قاصدي حديثها إلى "اندبندنت عربية" بقولها إنه "في ظل هذه الظروف المعقدة التي خلفت تداعيات سلبية من الناحية المادية والمعنوية، وفي ظل غياب المعارض، نتمنى أن تفعّل آليات أخرى لملء هدا الفراغ بالتسويق الإلكتروني للكتاب بمختلف أنواعه، والحرص على تقديم الدعم المادي والمعنوي لمنع الركود الذي قد يحدث خلال هذه المحطة الإنسانية المهمة. ولتفادي الخسارة المادية والمعنوية التي يسببها الفراغ الناتج من تعطيل المعارض، يمكن للمؤسسات الثقافية أن تسهر على تفعيل مهرجانات ثقافية عبر مختلف المنصات الأدبية والإبداعية ليظل شريان التواصل محتفظاً بحيويته مع الظروف المتاحة، لإبراز الإصرار والتحدي اللذين تتطلبهما الثقافة كونها الغذاء الذي يربط بين البشرية فكراً وروحاً وحضارة. وإن الحرب يقيناً هي الآلة التي تدمر الإنسان وتقضي على فاعليته الإيجابية، ولكن القلم يبقى اليد الخضراء التي تكتب الحقيقة وتخلد مآثر الإنسان، تاركة بفعل تأثيرها ملاحم البشر الخالدة".

اندبندنت عربية