رئاسة إقليم كوردستان وإعادة هندسة السلطة في العراق: كيف تُعاد صياغة توازنات حكومة الزيدي من خارج بغداد؟

الفيدرالية العراقية بين الاستقرار المشروط وتوازنات النفوذ غير المكتملة

مايو 18, 2026 - 10:17
مايو 18, 2026 - 10:28
رئاسة إقليم كوردستان وإعادة هندسة السلطة في العراق: كيف تُعاد صياغة توازنات حكومة الزيدي من خارج بغداد؟

بقلم: ٲ.م.د. سيروان ٲنور مجيد

في العراق، لا تولد الحكومات من صناديق الاقتراع وحدها، بل من شبكة معقدة من: التفاهمات، والاعتراضات، والضغوط المتبادلة، والتسويات المؤقتة. ومن هنا، جاءت حكومة علي الزيدي بوصفها "حكومة توازن" أكثر من كونها حكومة مشروع سياسي متكامل. فالرجل لم يصل عبر موجة جماهيرية جارفة، ولا عبر حزب يمتلك أغلبية صلبة، بل عبر تقاطع مصالح بين قوى أرادت تجنب الانفجار أكثر من رغبتها في إنتاج نموذج حكم جديد.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي منذ اللحظة الأولى لم يكن: “هل يستطيع الزيدي تشكيل الحكومة؟” بل: "هل يستطيع التحكم بالحكومة بعد تشكيلها؟"

ويشير Francis Fukuyama في أطروحاته حول "الدولة السياسية الحديثة" إلى أن الحكومات الهشة لا تعاني فقط من ضعف المؤسسات، بل من تعدد مراكز النفوذ داخل الدولة نفسها، وهو ما يجعل السلطة التنفيذية أحيانًا رهينة للتوازنات أكثر من كونها قادرة على فرض القرار.

ومن هنا، فإن هذه الفكرة لا تخص العراق وحده، بل تشبه نماذج عربية عديدة، خصوصًا في:

لبنان حيث تتحول الحكومات إلى تسويات طائفية، وليبيا حيث تتوزع السلطة بين قوى متعددة، واليمن حيث تصبح الدولة ساحة تفاوض إقليمي.

أما عالميًا، فمفهوم "الدولة الهجينة" المستخدم في أدبيات العلاقات الدولية، حيث تتداخل السلطة الرسمية مع النفوذ غير الرسمي داخل الدولة الواحدة.

(2) 

منح الثقة… بداية القوة أم بداية القيود؟

ظاهريًا، حصلت الحكومة على الشرعية البرلمانية. لكن في العمق، لم يكن منح الثقة تصويتًا مريحًا بالكامل، بل كان أقرب إلى "هدنة سياسية" بين أطراف متعددة.

فعدم تمرير بعض الوزراء كشف مبكرًا أن: التوافقات لم تكن مكتملة، والكتل لم تمنح رئيس الوزراء تفويضًا مطلقًا، وأن البرلمان أراد إرسال رسالة واضحة: "الحكومة تمر… لكن بشروط." وهنا ظهرت أول أزمة حقيقية: الزيدي نال الثقة الدستورية، لكنه لم ينل بعد "الهيمنة السياسية" داخل المشهد. لذلك، فإن عدم التصويت لبعض الوزراء لم يكن مجرد مشكلة أسماء، بل كشف هشاشة البنية التي وُلدت منها الحكومة.

ويؤكد Max Weber أن الدولة الحديثة تقوم على احتكار القرار والشرعية والقوة، لكن العراق ما يزال يعيش حالة "توزع السلطة" بين مؤسسات رسمية وقوى سياسية ومراكز نفوذ متعددة. وعليه، ففي كثير من الأنظمة العربية، لا تعني الشرعية الدستورية دائمًا امتلاك القوة الفعلية. وهذه المعضلة تظهر أيضًا في دول مثل:

لبنان، وتونس خلال مراحل الانقسام السياسي، وحتى في بعض الحكومات الائتلافية الأوروبية التي تعاني من هشاشة التحالفات.

(3) 

حكومة توافق أم حكومة مقيدة؟

في العراق، كل حكومة توافقية تحمل داخلها تناقضًا خطيرًا: فهي قوية لأنها مقبولة من الجميع، وضعيفة لأن الجميع يريد التأثير فيها. وهذا ما يواجهه الزيدي اليوم. فالقوى التي دعمته:

لا تريد إسقاطه، لكنها أيضًا لا تريد أن يتحول إلى مركز قرار مستقل. ومن هنا، بدأت معركة النفوذ مبكرًا داخل:الوزارات، والموازنات، والتعيينات، والملفات الاقتصادية.

ولهذا يبدو أن: "التحدي الأكبر أمام الزيدي ليس المعارضة… بل حلفاؤه أنفسهم." وترى الباحثة Barbara Geddes أن الأنظمة التوافقية الهشة تتحول غالبًا إلى أنظمة لتقاسم الموارد والنفوذ بدلًا من بناء مؤسسات فعّالة.

وفي المنظور العربي والعالمي، فٳن هذا النمط موجود بقوة في الشرق الأوسط، حيث تتحول الحكومات أحيانًا إلى "إدارات توازن" لا "إدارات دولة". أما عالميًا، فإن هذا النموذج يُدرّس ضمن أزمات: الدول الهشة، والديمقراطيات التوافقية المعطلة، وأنظمة المحاصصة السياسية.

(4)

 الاقتصاد العراقي: دولة نفط أم دولة معلّقة على النفط؟

ٳن أكبر اختبار للحكومة ليس أمنيًا فقط، بل اقتصاديًا. فالعراق ما يزال يعيش داخل نموذج: النفط → الرواتب → الاستهلاك → الاستيراد → العودة إلى النفط.

أي: ٳن الدولة لم تتحول بعد إلى اقتصاد إنتاج، بل بقيت أسيرة الاقتصاد الريعي.

وهنا تكمن المعضلة: “النفط يمنح الحكومة المال… لكنه يمنعها أحيانًا من الإصلاح؛ لأن الوفرة النفطية تؤجل القرارات الصعبة:

كإصلاح القطاع العام، وتقليل الاعتماد على الوظائف الحكومية، وتنشيط القطاع الخاص.

ويرى سمير أمين أن الاقتصادات الريعية تنتج نخبًا مرتبطة بإعادة توزيع الثروة لا بإنتاجها، مما يؤدي إلى تضخم الدولة وضعف الاقتصاد الحقيقي.

ولعل ٲن هذه الأزمة ليست عراقية فقط، بل هي جزء من أزمة الاقتصاد الريعي في الشرق الأوسط عمومًا. كما أن التحولات العالمية نحو:

الطاقة المتجددة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، قد تجعل الاقتصادات النفطية أمام تحديات وجودية خلال العقود المقبلة.

(5)

أدوات تنويع الاقتصاد: هل يملك الزيدي مفاتيح التغيير؟

نظريًا، تمتلك الحكومة أدوات عديدة:دعم القطاع الخاص، إصلاح الضرائب، تطوير الزراعة، إعادة تشغيل الصناعة،التحول الرقمي، جذب الاستثمار، واستثمار الموقع الجغرافي للعراق كممر اقتصادي.

لكن المشكلة ليست في "معرفة الحلول"، بل في القدرة على تنفيذها داخل بيئة سياسية شديدة التعقيد؛ ذلك أن أي محاولة إصلاح تصطدم مباشرة بـ:

شبكات مصالح، واقتصاد غير رسمي، واحتكارات سياسية، ونفوذ حزبي داخل مؤسسات الدولة. ولهذا: "الإصلاح الاقتصادي في العراق ليس معركة تقنية فقط، بل معركة نفوذ وسلطة." ويشير Douglass North إلى أن التنمية لا تتحقق فقط بالموارد، بل ببناء مؤسسات مستقرة قادرة على حماية السوق والقانون. وهنا تحديدا، يمكن للعراق الاستفادة من تجارب:

الإمارات العربية المتحدة في التنويع الاقتصادي، والمملكة العربية السعودية في التحول نحو الاقتصاد غير النفطي، والنرويج في إدارة الثروة السيادية. لكن الفارق أن هذه النماذج امتلكت قدرة مؤسساتية أعلى بكثير من الحالة العراقية الحالية.

(6)

 خريطة الصراع على الاقتصاد: من يملك الدولة المالية؟

ٳن الاقتصاد العراقي اليوم ليس كتلة واحدة، بل ساحة صراع متعددة الأطراف.

بغداد: تسيطر على الموازنة والسياسة النقدية والإنفاق العام.

إقليم كوردستان: يمتلك نفطًا وإدارة مالية شبه مستقلة.

القوى السنية: تسعى إلى تثبيت نفوذ اقتصادي محلي وربط المشاركة السياسية بالإعمار.

الفصائل وشبكات النفوذ: تتحرك داخل التجارة والمنافذ والاقتصاد غير الرسمي.

وهنا تتضح الصورة: "الصراع على الاقتصاد في العراق ليس صراع تنمية، بل صراع على من يملك حق توزيع الثروة."

وهذا النوع من الاقتصاد السياسي يشبه نماذج:

"اقتصاد الزبائنية السياسية" في بعض الدول العربية، و"اقتصاد الأوليغارشية" في بعض الدول الخارجة من النزاعات عالميًا. كما أن الصراع على الممرات التجارية والطاقة قد يجعل العراق جزءًا من تنافس دولي أكبر بين: الولايات المتحدة، والصين، وإيران، وتركيا.

(7) 

الكورد والزيدي: شراكة حذرة لا ثقة كاملة

الكورد لا ينظرون إلى الحكومة من زاوية الخطابات، بل من زاوية:

الرواتب، والنفط، والالتزامات الفعلية.

فـأربيل لا تختبر نوايا الزيدي فقط، بل تختبر: “هل يستطيع تنفيذ الاتفاقات داخل بغداد أصلًا؟”

ولهذا، فإن أي ضعف برلماني أو تعثر في تمرير الوزراء يُقرأ كورديًا كإشارة إلى:

هشاشة مركز القرار، وصعوبة ضمان الاتفاقات طويلة الأمد.

ورغم وجود ارتياح نسبي لأسلوب الزيدي الأقل تصادمية، فإن الثقة ما تزال مشروطة.

فالقضية الكوردية في العراق تُراقَب عالميًا بوصفها واحدة من أكثر نماذج “الفيدرالية غير المستقرة” في الشرق الأوسط، خصوصًا مع تداخل:النفط، والقومية، والجغرافيا السياسية، والعلاقة مع الدول الإقليمية.

(8)

رئاسة إقليم كوردستان… هل تتحول من شريك تفاوض إلى صمّام استقرار؟

وفي قلب العلاقة المعقدة بين بغداد وإقليم كوردستان، تبرز رئاسة الإقليم بوصفها أحد أهم مراكز التوازن السياسي القادرة على تخفيف حدة الاشتباك بين الطرفين، خصوصًا إذا اتجهت نحو تنسيق أعمق وأكثر واقعية مع حكومة الزيدي.

فالواقع السياسي العراقي أثبت خلال السنوات الماضية أن العلاقة بين بغداد وأربيل لا تُدار فقط عبر النصوص الدستورية، بل عبر مستوى الثقة السياسية، وقنوات التفاهم المباشر، والقدرة على منع الأزمات قبل انفجارها. ومن هنا، فإن أي تقارب عملي بين رئاسة الإقليم والحكومة الاتحادية قد لا ينعكس فقط على ملف الرواتب أو النفط، بل على مجمل الاستقرار العراقي.

ذلك أن رئاسة الإقليم تمتلك:

شبكة علاقات إقليمية ودولية واسعة، وقدرة على لعب دور الوسيط الهادئ، وخبرة طويلة في إدارة التوازنات المعقدة بين القوى العراقية والإقليمية.

وفي حال نجح التنسيق السياسي بين أربيل وبغداد بصورة أكثر استقرارًا، فقد يتحول الإقليم من مجرد "طرف تفاوض مالي وسياسي" إلى شريك فعلي في تخفيف الاحتقان الداخلي، وفتح قنوات اقتصادية واستثمارية أوسع، وربط العراق بمشاريع النقل والطاقة الإقليمية.

كما أن هذا التقارب قد يمنح حكومة الزيدي متنفسًا سياسيًا مهمًا داخل مشهد عراقي شديد التشظي، لأن أي تفاهم مستقر مع أربيل يعني تقليل واحدة من أكثر الجبهات استنزافًا للحكومات العراقية المتعاقبة.

لكن هذه المعادلة تبقى مشروطة بعامل أساسي:

"هل تمتلك الحكومة الاتحادية القدرة على تثبيت التفاهمات وتحويلها إلى سياسات مستدامة، أم أن التوازنات الداخلية ستعيد إنتاج الأزمات نفسها؟"

لأن المشكلة بين بغداد وأربيل لم تكن دائمًا في غياب الاتفاقات، بل في هشاشة البيئة السياسية التي تُنفذ داخلها تلك الاتفاقات.

وعلى المستوى الإقليمي، فإن أي استقرار حقيقي في العلاقة بين الحكومة الاتحادية ورئاسة الإقليم قد يمنح العراق هامشًا أوسع للتحرك داخل:

ملفات الطاقة، والممرات التجارية، والاستثمارات الدولية، والعلاقات مع تركيا والولايات المتحدة ودول الخليج.

أما إذا عاد التوتر بين الطرفين، فإن العراق قد يجد نفسه مرة أخرى داخل دائرة: الأزمات المالية، والتصعيد السياسي، وتعطّل المشاريع الاستراتيجية، واستنزاف الدولة في صراعات داخلية تمنعها من التركيز على التحولات الإقليمية الكبرى.

(9)

 السنة والحكومة: إعادة تموضع أكثر من تحالف نهائي

أما القوى السنية، فهي تتعامل مع الحكومة بمنطق:المشاركة، وإعادة التموضع، وتأمين النفوذ المحلي.

فالسنة يريدون:استقرارًا أمنيًا، وإعمارًا، وتوازنًا داخل مؤسسات الدولة. لكنهم أيضًا يخشون: عودة المركزية، أو تضخم نفوذ قوى معينة داخل القرار الأمني والاقتصادي. ولذلك: "السنة لا يرون الحكومة نهاية الصراع السياسي، بل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب النفوذ." ففي هذه الحالة تشبه المجتمعات الخارجة من النزاعات الطائفية أو الأهلية، حيث تبقى الهويات السياسية والمناطقية أقوى من الثقة الكاملة بالدولة المركزية.

(10) 

التعليم… الأزمة الصامتة التي تهدد المستقبل

بعيدًا عن السياسة اليومية، تواجه الحكومة ملفًا أخطر على المدى البعيد: التعليم.

فالعراق يعاني: مناهج تقليدية، جامعات ضعيفة الربط بسوق العمل، تضخم شهادات، وضعف البحث العلمي. والمشكلة الأعمق أن: "النظام التعليمي ما يزال ينتج خريجين يبحثون عن وظيفة حكومية، لا اقتصادًا ينتج فرصًا." ولهذا فإن أي إصلاح اقتصادي حقيقي سيبقى ناقصًا دون: إصلاح التعليم، وربطه بالإنتاج، والتكنولوجيا، والقطاع الخاص. ويؤكد Paulo Freire أن التعليم في الدول المتعثرة قد يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة بدلًا من حلها. هذا، ومع صعود: الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتحول التكنولوجي العالمي، فإن الدول التي لا تعيد بناء منظومتها التعليمية قد تواجه أزمات بطالة ومعرفة أعمق خلال السنوات القادمة.

(11) 

 فهل يستطيع الزيدي الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة؟

حتى الآن، تبدو الحكومة وكأنها: تنجح في منع الانفجار؛ لكنها لم تثبت بعد قدرتها على إنتاج تحول عميق. فالزيدي يمتلك بعض الفرص: استقرار سياسي نسبي، دعمًا دوليًا حذرًا، وغياب رغبة شاملة بإسقاط حكومته. لكن في المقابل، يواجه:اقتصادًا ريعيًا، وفسادًا متجذرًا، وتوازنات سياسية خانقة، وضعف ثقة شعبي، وتعقيدات العلاقة بين بغداد وأربيل، وصراعًا مفتوحًا على النفوذ داخل الدولة. ومعطوفا علی ذلك، فٳن نجاح أي حكومة عراقية مستقبلًا لن يعتمد فقط على التوازنات الداخلية، بل أيضًا على:

شكل النظام الإقليمي الجديد، مستقبل الصراع الأمريكي الإيراني، التحولات الاقتصادية العالمية، وموقع العراق داخل الممرات التجارية والطاقة العالمية.

(12) 

المشكلة في العراق اليوم ليست غياب الحكومات، بل طبيعة الدولة نفسها. فالدولة ما تزال تتحرك داخل معادلة: النفط بدل الإنتاج، التوافق بدل المؤسسات،

النفوذ بدل الكفاءة، وإدارة الأزمة بدل حلها. ولهذا فإن نجاح الزيدي لن يُقاس بعدد الوزراء الذين مرّوا في البرلمان، ولا بعدد البيانات الحكومية، بل بسؤال واحد:

"هل يستطيع تحويل الدولة من ساحة توازنات سياسية إلى دولة قادرة على اتخاذ القرار والتنفيذ؟"

(13)

وبقي ٲن نقول:

 ٳن حكومة الزيدي لم تولد من لحظة انتصار سياسي حاسم، بل من خوف جماعي من الانهيار. ولذلك، فإن مصيرها لن يتحدد بخطابات الثقة أو صور الكابينة الوزارية، بل بقدرتها على عبور شبكة المصالح التي تحكم العراق منذ سنوات: شبكة تجعل من كل إصلاح اقتصادي معركة سياسية، ومن كل قرار حكومي اختبارًا لتوازن السلطة داخل الدولة نفسها.”