قزوين... بحر مغلق وصراعات مفتوحة
في الأسبوع الثالث من الحرب الدائرة في إيران، نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية تقريراً عن ضربة عسكرية إسرائيلية استهدفت موقعاً بحرياً في بحر قزوين. وقالت مصادر مطلعة إن الخطوة تهدف إلى تقويض الدعم الروسي لإيران خلال الحرب، عبر ضرب أحد خطوط الإمداد المستخدمة لنقل الذخائر والطائرات المسيرة والأسلحة.
كانت هذه الضربة الأولى من نوعها من جانب إسرائيل في هذا الموقع، وأعادت للواجهة أهمية أكبر بحر مغلق في العالم، الذي يربط موانئ روسية وإيرانية تفصل بينها مسافة تقارب 600 ميل، مما جعله ممراً حيوياً لتبادل الأسلحة والسلع مثل القمح والنفط، بعيداً من نطاق البحرية الأميركية.
وفي إطار المواجهات الإيرانية - الإسرائيلية، قال القائد السابق للبحرية الإسرائيلية أليعازر ماروم "الهدف الرئيس من الضربة كان الحد من عمليات التهريب الروسية، وإظهار ضعف الدفاعات البحرية الإيرانية في بحر قزوين".
وعلى رغم حساسية المواجهات العسكرية بين طهران وتل أبيب، أثارت أنباء هذه الضربة تساؤلات حول بحر قزوين وأهميته، ومستقبل بيئته الجيولوجية وأخطارها. كما سلطت الضوء على وضعه كنقطة ربط جيوسياسية بين القارتين الأوروبية والآسيوية، إضافة إلى أهميته الاستراتيجية في التنافس بين الولايات المتحدة والصين.
في هذه القراءة نحاول مساءلة عدد من القضايا المتعلقة ببحر قزوين، من حيث الواقع والآفاق.
بحر قزوين.. رؤية جغرافية
يبقى بحر قزوين أحد أهم المسطحات المائية الداخلية في العالم، ويقع بين قارتين لذلك لا يعد مجرد خليج كبير ضمن محيط قديم، بل بحيرة ضخمة ذات تاريخ طويل وموقع استراتيجي مهم للدول المحيطة به.
وبمزيد من التفصيل، هو بحر مغلق يعرف كذلك باسم بحر الخزر، وباللاتينية Mare Caspium. يقع في غرب آسيا على مساحة 371 ألف كيلومتر مربع، مما يجعله أكبر بحر مغلق في العالم.
يبلغ طول بحر قزوين 1200 كيلومتر، ويصل عرضه إلى 300 كيلومتر، بينما يبلغ أقصى عمق له 1023 متراً.
يمثل بحر قزوين نقطة مهمة على خريطة الجغرافيا العالمية، إذ يقع قرب الحدود الأوروبية - الآسيوية، تحديداً جنوب شرقي أوروبا وغرب آسيا، وتحده خمس دول هي روسيا وكازاخستان وإيران وأذربيجان وتركمانستان.
وتملك هذه الدول منفذاً بحرياً، ومزايا اقتصادية مرتبطة بهذا الموقع الاستراتيجي.
تاريخياً، سكن جوانب بحر قزوين القزوينيون، ومنهم عروة القزويني، الشخصية الأسطورية التي ذاعت أخبارها في تلك المنطقة. وعرف بحر قزوين أيضاً في القرون الوسطى باسم بحر الخزر، نسبة إلى مملكة الخزر اليهودية التي قامت على شواطئه الشمالية بين القرنين السابع والعاشر الميلادي.
وإذا كان لموقع بحر قزوين أهمية جغرافية، فإن الطبيعة أضفت عليه أهمية إضافية عبر موارده الكثيرة، التي تعد كنزاً استراتيجياً للدول الواقعة على شواطئه.
صراع على الموارد
تعد منطقة بحر قزوين من المناطق الغنية بموارد الطاقة من النفط والغاز، ويضاف إليهما مورد آخر هو الكافيار (بيض السمك).
اكتشف النفط في منطقة بحر قزوين منذ قرون عديدة، ويعد حقل تنجيز ثاني أكبر حقول النفط في العالم، ويقع في مستنقعات الشاطئ الشمالي الشرقي للبحر في كازاخستان.
وحتى مطلع القرن الـ20، كانت حقول نفط باكو في أذربيجان تؤمن كميات كبيرة من النفط لدول آسيا.
وعطفاً على النفط، فإن منطقة بحر قزوين غنية بالغاز الطبيعي، ويقدر احتياط دول المنطقة بنحو 232 تريليون قدم مكعب من الغاز، ويحتل البحر المرتبة الرابعة بعد روسيا وإيران وقطر من حيث حجم احتياطه من هذه المادة، التي تشكل مع النفط الخام عامل جذب لكثير من الدول الكبرى وشركات النفط الساعية إلى استخراجه.
ونظراً إلى ثراء بحر قزوين بالنفط والغاز الطبيعي، تصارعت الدول الخمس المطلة عليه لتقاسمه، حتى اتفقت على معاهدة الوضع القانوني لبحر قزوين عام 2018، بعد أكثر من 20 عاماً من المداولات.
تتمتع دول منطقة بحر قزوين، وتحديداً أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، باقتصادات قائمة على الموارد الطبيعية عالية القيمة. ويشكل النفط والغاز أكثر من 10 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي، و40 في المئة من صادراتها، وتعتمد اقتصادات دول المنطقة على هذه الثروات بدرجة كبيرة. كما تأثرت أسواق الطاقة العالمية بأذربيجان وكازاخستان بعد اكتسابهما أهمية استراتيجية في هذا المجال، مما جذب حصة كبيرة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
تاريخياً، سمح انهيار الاتحاد السوفياتي بفتح الأسواق في المنطقة، وأدى ذلك إلى إقبال شركات النفط العالمية على الاستثمار وتطوير المنطقة بصورة مكثفة.
وقال نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني عام 1998 "لا يسعني التفكير، في وقت برزت منطقة احتلت قدراً مماثلاً من الأهمية الاستراتيجية، كما هي الحال في بحر قزوين".
وعلى رغم الاتفاقات التي نظمت تعاون الدول المطلة عليه، لا يزال الجدل قائماً حول خطوط أنابيب النفط والغاز المقترحة العابرة لبحر قزوين. ومن شأن هذه المشاريع أن تفتح الأسواق الغربية على إمكان الوصول بسهولة إلى النفط الكازاخي، وربما الغاز الأوزبكي والتركماني أيضاً.
بحر مغلق وصراعات مفتوحة
فرضت جغرافياً بحر قزوين أدواراً مختلفة على الدول المشاطئة له، بعضها قاد إلى تفاهمات، وبعضها أشعل صراعات.
وبالنظر إلى خريطة بحر قزوين، تظهر ثلاث دول لا تملك منافذ على البحار الأخرى، هي أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، بينما تملك روسيا وإيران منافذ أخرى. لذلك تحتاج الدول الثلاث إلى مد أنابيب للنفط والغاز لإيصال إنتاجها إلى الخارج، وهي بحكم الواقع تحتاج إلى روسيا وإيران.
تمتلك روسيا، بوصفها وريثة الاتحاد السوفياتي السابق، جزءاً كبيراً من هذه الخطوط التي تمر عبر أراضيها إلى البحر الأسود أو إلى أوروبا مباشرة، مما يمنحها قدرة على التحكم بممرات الطاقة.
ومع تزايد أهمية حوض بحر قزوين كمنطقة ذات ثقل سياسي واقتصادي، ازدادت حدة المنافسة العالمية السياسية والتجارية بين الدول الكبرى لإيجاد موطئ قدم في هذه الموارد.
منذ تسعينيات القرن الماضي، وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي، بدأت كبريات شركات النفط الأميركية التطلع إلى الاستحواذ على حصة كبيرة من موارد المنطقة الطاقوية، بحثاً عن نفط بديل أو مكمل لنفط الخليج العربي.
وفي سياق متصل، رسمت دوائر الاستخبارات الغربية أدواراً لتلك الشركات بهدف تعزيز النفوذ في آسيا الوسطى، انطلاقاً من أن ما لا يتحقق بالسياسة قد ينجز عبر الاقتصاد، وبذلك كانت واشنطن تسعى إلى الحد من عودة موسكو للعب دور مهيمن على تلك الدول.
وظهر أيضاً أن من ينجح في بسط نفوذه على بحر قزوين قد يتمكن في مرحلة ما من منافسة منظمة "أوبك"، أو الضغط عليها.
وفي موازاة ذلك، حضرت فكرة الحد من تمدد الصين في المنطقة، باعتبارها قوة صاعدة ومتطلبة للطاقة، وبذلك تبقى منطقة بحر قزوين مساراً أساسياً في الحسابات المرتبطة بالتنافس الدولي.
كما لم تغب إيران عن حسابات القوى الغربية، إذ عد تعزيز الوجود الغربي عاملاً لكبح نفوذ طهران في دول آسيا الوسطى.
ويضاف إلى ذلك السعي إلى قطع الطريق على تقارب روسي - صيني، لا سيما بعد اندلاع الأزمة الروسية - الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022.
هل كان على رؤساء الدول المطلة على بحر قزوين اليقظة لما يجري من حولهم؟
قمة عشق آباد ومواجهة المستقبل
بمبادرة من تركمانستان، عقدت في أبريل (نيسان) 2002، في مدينة عشق آباد، قمة لرؤساء دول بحر قزوين، وكان لها أثر في مسارين.
من جهة، أرست أساساً لعملية تفاوض منهجية متعددة المستويات ومنتظمة في المنطقة.
ومن جهة ثانية، طرحت رؤى مستقبلية للتعامل مع السيولة الجيوسياسية الدولية.
بدت تركمانستان واعية مبكراً لما يجري، وأدركت أهمية تحديد أولويات سياسة مشتركة لدول البحر، بخاصة بعد تنامي أهمية المنطقة جيوسياسياً واقتصادياً، بوصفها نقطة وصل بين أوروبا وآسيا.
كانت قمة عشق آباد محطة لتفاهمات بين قادة الدول الخمس، وبفضل هذا المسار جرى التوصل إلى اتفاقات متعددة في المجالين السياسي والدبلوماسي، مما فتح الباب أمام حوار أوسع وتعاون أكثر استدامة.
وكانت القمة خطوة أولى في مسيرة انتهت عام 2018 بتوقيع رؤساء الدول الخمس اتفاق الوضع القانوني، بين إيران وروسيا وتركمانستان وكازاخستان وأذربيجان.