أميركا تشعل جبهة فوكلاند بين بريطانيا والأرجنتين تسريبات للبنتاغون تقول إن واشنطن ستعيد النظر في سيادة المملكة المتحدة على الأرخبيل
بهاء العوام
تقول وثيقة مسربة عن وزارة الحرب الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب ينوي إحراج ملك بريطانيا خلال زيارة الأخير إلى الولايات المتحدة، إذ يعتزم ترمب سؤال تشارلز الثالث حول سيادة بلاده على جزر فوكلاند الواقعة جنوب المحيط الأطلسي، وتبعد 8 آلاف ميل من شواطئ المملكة المتحدة.
وزيارة الدولة التي يجريها الملك إلى أميركا تمتد لأربعة أيام من الـ27 إلى الـ30 من أبريل (نيسان) الجاري، وهي حبلى بالملفات إلى حد اعتبرتها تقارير صحافية بريطانية أكبر تحدٍ يواجهه تشارلز الثالث منذ بداية عهده في عام 2022، لكن قضية فوكلاند تجاوزت حدود التلميحات إلى بوادر مشكلة بين البلدين.
وقضية فوكلاند تفجرت أيضاً عبر رسالة إلكترونية مسربة للبنتاغون، تقول إن أميركا ستعيد النظر في موقفها إزاء سيادة المملكة المتحدة على الأرخبيل الذي يرتفع 700 متر عن سطح البحر، ويمتد على أكثر من 12 ألف كيلومتر مربع، كما يتكون من جزيرتين كبيرتين إضافة إلى 776 واحدة صغيرة.
اكتشف جون ديفيز جزر فوكلاند عام 1592، لكن اسمها استوحاه بحار بريطاني آخر يدعى جون سترونغ عام 1690 من مضيق بين الكتلتين الشرقية والغربية للجزر، ويتمتع الأرخبيل اليوم بحكم ذاتي باعتباره إقليماً للمملكة المتحدة في ما وراء البحار، تتولى لندن حمايته وضبط علاقاته الخارجية.
وتعود أولى المستعمرات التي أقامها البريطانيون على فوكلاند إلى عام 1765، وبعدها بنحو خمسة أعوام طُردوا منها على يد الإسبان الذين بقوا في الأرخبيل حتى عام 1816، ثم انسحبوا لمصلحة الأرجنتين التي عدت نفسها الوريث الوحيد لهم في المنطقة، حتى عادت المملكة المتحدة وسيطرت على الجزر عام 1833.
وظل الوجود البريطاني في جزر فوكلاند طوال قرن ونصف القرن محط سجال بين المملكة المتحدة والأرجنتين، حتى نشبت حرب في شأنها بين البلدين عام 1982 وانهزمت فيها الأخيرة، ثم نُظم بعدها استفتاء في الأرخبيل خلال مارس (آذار) 2013، اختار عبره السكان بغالبية ساحقة العيش تحت السيادة البريطانية.
الأديب الأرجنتيني خوسيه لويس بورخيس وصف الصراع على الجزر يوماً بـ"مشاجرة بين رجلين أصلعين على مشط"، ويبدو أن النيات الأميركية المبيتة تجاه فوكلاند، ستجدد النزاع على "المشط"، صحيح أن الرئيس خافيير ميلي قال إن مطالبة بلاده بالأرخبيل ستبقى سلمية، ولكن لا ضمانات في السياسة.
تبعد جزر فوكلاند من الأرجنتين 300 ميل، ويقول ميلي إنه سيبذل قصارى جهده لإعادتها إلى بلاده، فالسيادة وفق تعبيره "غير قابلة للتفاوض، لكن استرداد الأرخبيل يكون من خلال خريطة طريق تترجم بحكمة وعقلانية"، ويتطلب دعماً دولياً وبخاصة من أميركا التي تريد الانتقام من حكومة المملكة المتحدة.
التصعيد خارج حدود السلمية يبدو مستبعداً أيضاً لوزير خارجية الأرجنتين بابلو كيرنو، فقد طالب الوزير بإنهاء "الاحتلال البريطاني" لفوكلاند عبر مفاوضات ثنائية جديدة للتوصل إلى حل سلمي ونهائي في شأن الجزر، مؤكداً حق بلاده في السيادة على الأرخبيل الذي "تنتهك المملكة المتحدة سلامة أراضيه".
خلال حرب الفوكلاند قبل 40 عاماً بقيت الولايات المتحدة على الحياد في البداية، ولكنها عرضت لاحقاً استخدام قواعد عسكرية ومعلومات استخباراتية لدعم لندن. هي اليوم على علاقة جيدة مع كل من المملكة المتحدة والأرجنتين، وفي عام 2025 سلمت بيونس أيرس مقاتلات من طراز (أف 16).
لا تملك بريطانيا حق الاعتراض على إتمام الصفقة الأميركية الأرجنتينة على رغم أنها جزء من مشروع تطوير تلك المقاتلات، ولكن كان بإمكانها إثارة التساؤلات في شأنها داخل أروقة الولايات المتحدة، وبخاصة أنها تفرض من جانبها حظراً على تصدير الأسلحة إلى بيونس أيرس بسبب النزاع على أرخبيل فوكلاند.
وفق مصادر رسمية تحدثت إلى صحيفة "تلغراف"، كانت التعليمات التي صدرت إلى وزارة الخارجية البريطانية حين إتمام الولايات المتحدة والأرجنتين لصفقة الطائرات واضحة ولا لبس فيها، إذ قالت حكومة لندن إنها "لن تعترض على ذلك الأمر على رغم مخاوف المملكة المتحدة في شأن جزر فوكلاند".
وبحسب تسريبات البنتاغون، تريد أميركا من خلال إثارة قضية فوكلاند الرد على تقاعس رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن المشاركة في حرب إيران إلى جانب الحليف الأميركي، وبالنسبة إلى لندن لا يزال الموقف الأميركي في إطار السيناريو الافتراضي، لكن تجاهله ليس وارداً أبداً إعلامياً أو سياسياً.
ورداً على التسريبات كررت الحكومة البريطانية رفضها الانخراط في حرب الولايات المتحدة الراهنة بمنطقة الشرق الأوسط، وفي سياق الرد أيضاً قالت لندن إن سيادتها على فوكلاند لم ولن تكون محل نقاش مع أحد، منوهة إلى أن أميركا أقرت بتلك السيادة منذ أعوام، ولكن ليس برسالة رسمية مكتوبة.
من جهتها، انتقدت حكومة جزر فوكلاند الموقف الأميركي الجديد، قائلة "إنها تثق بقدرة المملكة المتحدة في الدفاع عن حق السكان في تقرير المصير"، وهو ما أكده متحدث باسم كير ستارمر، مشدداً على أن سيادة بريطانيا على الأرخبيل أمر واضح، وحق أهل الجزر في تقرير مصيرهم مسألة بالغة الأهمية بالنسبة إلى لندن.
وذكرت حكومة فوكلاند الرئيس الأميركي بالاستفتاء الذي صوَّت عبره 99.8 في المئة من سكان الأرخبيل لمصلحة البقاء كإقليم بريطاني قبل أكثر من عقد كامل، لكن الأرجنتين تعترض على نتائج التصويت، قائلة إنه "كان عملية زائفة، لأن المملكة المتحدة زرعت ناخبين في الجزر لضمان نتيجة الاقتراع".
وتأكيد سيادة المملكة المتحدة على جزر فوكلاند لم يصدر فقط عن حكومة ستارمر، فقد قالت زعيمة المعارضة ورئيسة حزب المحافظين كيمي بادينوك إن "لندن في حاجة إلى دعم الجزر، وحماية الإقليم البريطاني في ما وراء البحار"، محذرة ستارمر من التخلي عن الأرخبيل كما فعل مع تشاغوس، على حد تعبيرها.