توازنات نيجيرفان بارزاني العراقية الكردية في ظل تجدد تهديد عودة الحرب الاميركية الاسرائيلية الايرانية، الثانبة، قراءة تحليلية في مسار الامس واليوم وغد.
قاسم محسن شفيق الخزعلي وطالب كاظم سعداوي
في سياق اقليمي شديد الاضطراب تتقاطع فيه المواجهة المباشرة وغير المباشرة بين الولايات المتحدة واسرائيل وايران، يبرز موقع اقليم كردستان بقيادة نيجيرفان بارزاني، بوصفه مساحة توازن دقيقة لا يمكن اختزالها بالحياد التقليدي، بل بوصفه حيادا وظيفيا يعاد انتاجه سياسيا وامنيا وفق ضرورات البقاء والاستقرار، وفي هذا السياق يتقدم نيجيرفان بارزاني باعتباره صانع سياسة اقليمية اكثر منه مجرد مدير موقف داخلي واكثر من كونه مدير ازمة وقائد صراع ناجح.
ويمكن فهم ذلك للكاتبَين من خلال:
اولا: الحياد بوصفه اداة اشتغال سياسي لا حالة سلبية، فالمقاربة التي اعتمدها بارزاني لا تقوم على الانسحاب من التوتر الاقليمي بل على اعادة تعريف موقع الاقليم داخل الصراع، بحيث لا يتحول الى ساحة اشتباك مباشر او غير مباشر، مع التأكيد على خطاب الحوار وخفض التصعيد، هذا النوع من الحياد لا ينتج فراغا سياسيا بل ينتج مساحة تأثير محسوبة تسمح لكردستان بالتحرك دون الاصطفاف، خصوصا في بيئة شهدت خلال الفترة الممتدة حتى مستجدات القصف بين ايران واسرائيل الذي انتهى اليوم،في موجات تصعيد متكررة اعادت تعريف خطوط الاشتباك بين طهران وتل ابيب وواشنطن رغم رفض ترامب لذلك لتاثيره على المفاوضات.
ثانيا: ادارة امن الداخل عبر تحييد الجغرافيا، اذ تتضح معالم سياسة صارمة تقوم على منع تحويل الاقليم الى منصة عمليات او ردود فعل بالوكالة، سواء ضد ايران او ضد اي طرف اخر، هذا الموقف لا يندرج ضمن المجاملة السياسية بل ضمن منطق امني صرف يهدف الى حماية بنية الاستقرار الداخلي، وتقليل احتمالات الاستهداف المتبادل، وهو ما انعكس في تثبيت قاعدة ان الاقليم ليس جزءا من جبهات الحرب المفتوحة مهما كانت الضغوط الخارجية ومهما تعرض الاقليم للقصف.
ثالثا: بناء ما يمكن تسميته بالردع الدبلوماسي الهادئ، حيث لا يعتمد بارزاني على القوة الصلبة بل على شبكة رسائل سياسية متكررة موجهة الى الاطراف الفاعلة، مضمونها ان الاستقرار في كردستان عنصر مصلحة مشتركة وليس ورقة تفاوض، هذا النمط من السلوك السياسي يعيد تعريف وظيفة الاقليم كوسيط استقرار لا كطرف صراع، ويمنحه قدرة على التحدث مع جميع المحاور دون خسارة التوازن
رابعا: تفكيك الاستقطاب الاعلامي داخل الاقليم، عبر ضبط الخطاب العام ومنع الانزلاق نحو حملات دعائية حادة ضد اي طرف من اطراف الصراع، هذه السياسة لا تهدف فقط الى ضبط الداخل بل الى حماية المجتمع من الانقسام النفسي والسياسي الناتج عن الحروب الاقليمية، وبالتالي تقليل كلفة الانخراط غير المباشر في الصراع، مع تعزيز فكرة ان كردستان ليست امتدادا عدائيا لاي محور خارجي.
خامسا: العلاقة مع بغداد بوصفها ركيزة توازن مزدوج، اذ يعمل نيجيرفان بارزاني على تثبيت قنوات تنسيق مع الحكومة الاتحادية برئاسة السيد رئيس الوزراء علي الزيدي، بما يضمن صياغة موقف عراقي اكثر تماسكا تجاه الحرب الجارية، خصوصا في ظل حكومة علي الزيدي التي نالت قبولها الداخلي والخارجي، وحضر نيجيرفان اعلانها، و التي تسعى الى تقليل هامش الانقسام الداخلي، وهذا التنسيق لا يهدف فقط الى وحدة الخطاب بل الى منع تحول العراق الى ساحة تصفية حسابات بين القوى الاقليمية والدولية.
سادسا: توسيع القنوات الدبلوماسية مع الفاعلين الدوليين والاقليميين، حيث يتم توظيف العلاقات مع السفراء والبعثات والمنظمات الدولية لتثبيت صورة الاقليم كمنطقة استقرار نسبي، هذا الدور يمنح كردستان موقعا تفاوضيا غير مباشر داخل معادلة الصراع، ويجعلها جزءا من هندسة التهدئة وليس مجرد متلق سلبي لتداعياتها
في المحصلة، يمكن قراءة سلوك نيجيرفان بارزاني حتى مستوى التفاعلات الممتدة الى اليوم بوصفه محاولة لصياغة توازن دقيق بين ضرورات الامن الداخلي وضغوط البيئة الاقليمية، حيث لا يقوم على رد الفعل بل على ادارة استباقية للمخاطر، هدفها الاساسي منع تحول كردستان والعراق الى ساحة اشتباك، وفي الوقت ذاته تثبيت موقعها كعنصر عراقي فاعل في معادلة الاستقرار الوطني، ضمن رؤية استراتيجية استشرافية له، تعتبر ان توازن العراق نفسه توازن الاقليم، وتوازن الاقليم توازن العراق، وان اي خلل في هذا التوازن هو خلل بنائي ومن ثم فادارة نيجيرفان لملف موقف الاقليم ادارة ناجحة بكل المقاييس .