هل يمكن لإسرائيل أن تستغني عن المساعدات العسكرية الأميركية؟
ا. ف . ب
يمكن لدعوة أطلقها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من أجل وضع حد تدريجي لاعتماد بلاده على المساعدات العسكرية الأميركية أن تعزز قدرة إسرائيل على تنويع مصادر تسلحها، وفق محللين، على رغم من أن فك هذا الارتباط بالكامل يبدو غير مرجح في المدى المنظور.
تقدم الولايات المتحدة حالياً لإسرائيل 3,8 مليارات دولار سنوياً بموجب مذكرة تفاهم مدتها عشر سنوات وقعت في العام 2016 في عهد باراك أوباما.
تنص مذكرة التفاهم على وجوب إنفاق الغالبية العظمى من هذه الأموال على شراء معدات مصنعة في الولايات المتحدة.
ومن المتوقع أن تبدأ في الأشهر المقبلة مفاوضات لإبرام اتفاق جديد، من الممكن أن تسري مفاعيله اعتباراً من العام 2028.
لكن نتنياهو قال الأسبوع الماضي إنه حض الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تقليص هذه المساعدات تدريجاً وصولاً إلى "الصفر".
وفي مقابلة أجرتها معه شبكة "سي بي أس نيوز"، أعرب نتنياهو عن اعتقاده أن "الوقت قد حان لأن نستغني عما تبقى من مساعدات عسكرية".
منذ قيامها في العام 1948، تلقت إسرائيل أكثر من 300 مليار دولار (بعد التعديل وفقاً للتضخم) من المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأميركية، وفق بيانات مجلس العلاقات الخارجية.
هذا الرقم أعلى بكثير مما تلقته أي دولة أخرى منذ العام 1946.
وقال المجلس ومقره في واشنطن إنه "في العام 2024، ارتفعت (قيمة) المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل إلى أعلى مستوى لها منذ عقود في خضم الحرب المستمرة بين إسرائيل وحركة حماس في غزة".
تأتي تصريحات نتنياهو في حين يشهد تأييد الناخبين الأميركيين لإسرائيل تراجعاً.
وأظهر استطلاع لمركز "بيو" للأبحاث أجري في مارس (آذار)، أن انطباع نحو 60 في المئة من البالغين في الولايات المتحدة، سلبي حيال إسرائيل.
وقال المؤرخ العسكري الإسرائيلي داني أورباخ في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية "في ظل تحول في موقف الرأي العام الأميركي، يساراً ويميناً، رفضاً لهذه المساعدات لأسباب مختلفة، من الأفضل دائماً أن تتوقف من تلقاء نفسك قبل أن يفرض عليك التوقف". وأضاف "أن نتنياهو يدرك ذلك جيداً".
قلق متزايد في إسرائيل
يعكس موقف نتنياهو أيضاً قلقاً متزايداً في إسرائيل حيال مكامن ضعف يولدها الاعتماد المفرط على الموردين الأجانب.
الثلاثاء، أصدرت هيئة مراقبة لأداء الدولة في إسرائيل تقريراً اتهم الحكومات المتعاقبة بإهمال الإنتاج المحلي للأسلحة وبالفشل في الحفاظ على احتياطات حيوية من المواد الخام.
وتحدث التقرير عن اختلال سلسلة الإمداد في إسرائيل بفعل ازدياد الطلب في زمن الحرب.
وفاقمت انتكاسات سجلت أخيراً في ساحة المعركة تلك المخاوف.
فقد أدى خلل في نظام الاعتراض الجوي "مقلاع داود" إلى سقوط صاروخين باليستيين إيرانيين في جنوب إسرائيل في مارس (آذار)، ما أسفر عن إصابة العشرات.
وأشارت تقارير لاحقة إلى أن مخزون نظام الاعتراض الأكثر تقدماً "سهم" (آرو) منخفض جداً.
حالياً، تشكل المساعدات الأميركية أقل من ثمانية في المئة من ميزانية الدفاع الإسرائيلية المتوقعة للعام 2026 والتي ارتفعت في زمن الحرب إلى نحو 143 مليار شيكل (49 مليار دولار).
وقال أورباخ "ليس من الحكمة التخلي عنها على الفور، لكن ليس من المستحيل التخلي عنها تدريجاً".
وما زالت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة في المنصات القتالية المتقدمة، بما في ذلك الطائرات المقاتلة والغواصات وقطع الغيار الأساسية.
التشبه بـ"إسبرطة" أمر غير واقعي
وهذا ما يجعل التوصل إلى اكتفاء ذاتي كامل، الطرح الذي سبق أن تطرق إليه نتنياهو بقوله إن إسرائيل يجب أن تصبح أشبه بـ"إسبرطة"، أمراً غير واقعي في الوقت الراهن.
مع ذلك، فإن التحول الاقتصادي الذي شهدته إسرائيل خلال العقد الماضي غير المعادلة بشكل كبير.
وقال ياكي دايان، القنصل العام الإسرائيلي السابق في لوس أنجليس وخبير العلاقات الأميركية الإسرائيلية، إن الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل ارتفع بأكثر من الضعفين منذ توقيع اتفاق المساعدات الحالي في العام 2016.
وتفيد تقديرات صندوق النقد الدولي بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل من نحو 320 مليار دولار إلى نحو 720 مليار دولار في العام.
بالتالي، فإن الاعتماد المالي على الولايات المتحدة تراجع بشكل ملحوظ.
"هامش أكبر"
أوضح دايان أن العلاقة لم تكن يوماً لفائدة طرف واحد. فقد شكلت إسرائيل ميدان اختبار حقيقياً لأنظمة الأسلحة الأميركية، ووفرت بيانات ساعدت شركات الدفاع الأميركية على تحسين تقنياتها وتطويرها.
وأشار إلى أن نطاق التعاون "اتسع بشكل كبير إلى حد توفير مليارات الدولارات للولايات المتحدة". وتابع "تجني الصناعات الأميركية الكثير من هذه الشراكة".
من شأن تقليص الاعتماد على واشنطن أن يمنح إسرائيل هامشاً أكبر لتنويع استراتيجيتها بالنسبة إلى المشتريات الدفاعية مع الإبقاء على تحالفها الأساسي مع البنتاغون.
وقال أورباخ "من غير المرجح أن نشتري من الصين أو روسيا، لكن، كما تعلمون، من دول مثل الهند أو صربيا أو اليونان. ينبغي أن نكون قادرين على التخلي عن المساعدات مقابل هامش أكبر من الحرية".
ومن شأن دعم قطاع الدفاع المحلي أن يعزز صادرات الأسلحة الإسرائيلية، المزدهرة بالفعل.
فقد وافقت ألمانيا على شراء نظام الدفاع الصاروخي "سهم" في صفقة بمليارات الدولارات. ويقول مسؤولون إسرائيليون إن المحادثات مع مشترين محتملين آخرين ما زالت جارية.
مع ذلك، فإن قلة قليلة من الخبراء ترى إمكانية لاستغناء إسرائيل تماماً عن الولايات المتحدة في المدى المنظور.
وقالت الخبيرة العسكرية الإسرائيلية آدي برشدسكي وهي ضابطة متقاعدة، لوكالة الصحافة الفرنسية إن إنهاء التحالف العسكري مع واشنطن بالكامل، في ضوء الواقع الجيوسياسي القائم، من شأنه أن يضر بشكل كبير بالأمن القومي الإسرائيلي.
وتابعت "إن إسرائيل دولة صغيرة جداً محاطة بالتهديدات، بلا عمق استراتيجي ولا تحالف دفاعي جماعي على غرار حلف شمال الأطلسي"، وأضافت "نحن في منطقة، للأسف لا يبدو أن السلام فيها يلوح في الأفق".