كيف يرى نيجيرفان بارزاني انتفاضة 5 اذار 1991م؟
د هوشيار مظفر علي امين مع: د زياد حمد الصميدعي واكرم طالب الوشاح وقاسم محسن شفيق الخزعلي وطالب كاظم سعداوي
::::
"الانتفاضة كانت نهضة تاريخية وحاسمة من جانب عموم جماهير شعب كوردستانبكل طبقاتهم وشرائحهم ومكوناتهم. حيث انتفضوا بمساندة البيشمركة والجبهةالكوردستانية ضد الظلم والاستبداد، ووضع البيشمركة وأبناء كوردستان أرواحهم علىأكفّهم وواجهوا الموت في سبيل الحياة ومستقبل أفضل لشعب كوردستان"
نيجيرفان بارزاني
::::
::::
تمثل انتفاضة الخامس من اذار عام 1991 واحدة من اهم المنعطفات التاريخية في مسار القضية الكوردية المعاصرة، فهي اللحظة التي تحولت فيها ارادة شعب كوردستان من حالة المقاومة المتفرقة الى فعل جماهيري واسع استطاع ان يغير معادلات السياسة والسلطة في العراق والمنطقة، وفي قراءة نيجيرفان بارزاني لهذه الانتفاضة تتجسد رؤية سياسية وتاريخية تعتبرها الاساس الذي قامت عليه التجربة الكوردستانية الحديثة، حيث يرى ان تلك اللحظة لم تكن مجرد حركة احتجاجية عابرة بل كانت ردا حاسما من شعب كوردستان ضد عقود طويلة من الظلم والاستبداد، وانها مثلت بداية مرحلة جديدة من السعي نحو الحرية والكرامة وبناء كيان سياسي قادر على حماية تطلعات الشعب الكوردي.
وهو يقول من قبل :"كانت وحدة الصف والتلاحم نواة الانتصار في الانتفاضة التيحققت كل مكاسب شعب كوردستان في الحرية والبرلمان والحكومة والفدرالية وتثبيتالحقوق في دستور العراق الاتحادي. والآن، على شعب كوردستان بكل مكوناته وقواهوأطرافه السياسية استقاء دروس النصر من الانتفاضة. عليهم أن يتخذوا من وحدةالصف والتلاحم وقبول الآخر والعمل المشترك أساساً لتحقيق النجاح ومستقبل أفضللشعبنا"
لذلك عندما يتحدث نيجيرفان بارزاني عن انتفاضة اذار فانه يضعها في سياق تاريخي طويل من النضال الكوردي، اذ يراها امتدادا لتضحيات متراكمة قدمها الشعب الكوردي عبر عقود من الصراع مع الانظمة التي حكمت العراق، لكنها في الوقت نفسه تمثل نقطة تحول حقيقية لانها نقلت النضال الكوردي من مرحلة المقاومة المسلحة المحدودة الى مرحلة الفعل الشعبي الواسع الذي شمل المدن والقرى والجبال، وبذلك اصبحت الانتفاضة تعبيرا عن ارادة جماعية لا يمكن تجاهلها، وقد ساهم هذا التحول في ترسيخ فكرة ان شعب كوردستان قادر على تقرير مصيره السياسي والاجتماعي اذا ما توفرت له الوحدة والتنظيم والقيادة.
في البيان الذي اصدره بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين للانتفاضة يؤكد نيجيرفان بارزاني ان هذه المناسبة ليست مجرد ذكرى تاريخية بل هي محطة للتأمل في ما تحقق وما يجب الحفاظ عليه، فهو يحيي عوائل الشهداء والبيشمركة وجميع الكوردستانيين، ويرى ان دماء الشهداء التي سالت خلال الانتفاضة شكلت الاساس الاخلاقي والسياسي الذي بنيت عليه تجربة اقليم كوردستان، فهذه الدماء لم تكن تضحية عابرة بل كانت ثمن الحرية والاستقرار الذي تنعم به كوردستان اليوم، ولذلك فان الوفاء الحقيقي لها يكمن في حماية المكتسبات التي تحققت بعد الانتفاضة والعمل على تطويرها وتعزيزها وهو ما عززه الزعيم مسعود بارزاني وسط ذلك كله.
لقد حقق الكورد بعد انتفاضة 1991 مكاسب سياسية كبيرة لم تكن ممكنة قبل تلك اللحظة التاريخية، اذ تمكنوا من تأسيس تجربة حكم ذاتي حقيقية في اقليم كوردستان، ومع مرور الوقت تطورت هذه التجربة لتصبح كيانا دستوريا معترفا به ضمن الدولة العراقية بعد عام 2003، ويرى نيجيرفان بارزاني ان هذه المكاسب الدستورية لم تأت بسهولة بل كانت نتيجة مباشرة لتلك الانتفاضة التي كسرت حاجز الخوف وفتحت الباب امام بناء مؤسسات سياسية وادارية تمثل ارادة الشعب الكوردي، وقد اصبح اقليم كوردستان اليوم نموذجا سياسيا في العراق يقوم على التعددية السياسية والانتخابات والمؤسسات الدستورية بل وجنب نفسه الانغماس في الحرب الماضية والحالية على ايران رغم استفزازه بالمسيرات والقصف وسط فوضى هذه الحرب الحالية اليوم.
اننا نجد ان الانتفاضة اسهمت بشكل واضح في تعزيز القوة الاجتماعية لشعب كوردستان، فقبل عام 1991 كان المجتمع الكوردي يعيش تحت ضغط سياسات قمعية هدفت الى تفكيكه واضعافه، لكن الانتفاضة اعادت بناء روح التضامن الاجتماعي بين مكونات كوردستان المختلفة، حيث شارك الكورد والعرب والتركمان والاشوريون وغيرهم في عملية بناء مجتمع جديد قائم على التعايش والتسامح، ويشير نيجيرفان بارزاني في بيانه الى ضرورة تعميق ثقافة التعايش والتسامح باعتبارها احد اهم الدروس التي افرزتها الانتفاضة، فنجاح كوردستان في الحفاظ على استقرارها الاجتماعي يعود في جزء كبير منه الى هذه الثقافة التي تشكلت بعد عام 1991.
ومن الناحية الاقتصادية فتحت الانتفاضة الباب امام تحول كبير في بنية الاقتصاد الكوردستاني، اذ انتقل الاقليم تدريجيا من اقتصاد محدود يعتمد على الزراعة وبعض الانشطة التقليدية الى اقتصاد اكثر تنوعا يعتمد على الاستثمار والبنية التحتية والتجارة، وقد ساهم الاستقرار النسبي الذي تحقق بعد الانتفاضة في جذب الاستثمارات وبناء مدن جديدة وتطوير القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والطاقة، ويرى نيجيرفان بارزاني ان هذه التحولات الاقتصادية لم تكن ممكنة لولا تلك اللحظة التاريخية التي تحرر فيها الشعب الكوردي من القيود التي فرضتها سياسات القمع والحصار.
كما كان للانتفاضة دور اساسي في ترسيخ فكرة الفدرالية كحل سياسي للقضية الكوردية داخل العراق، فبعد سنوات من الصراع اصبحت الفدرالية الخيار الواقعي الذي يضمن للكورد حقوقهم الدستورية ويمنحهم القدرة على ادارة شؤونهم الداخلية ضمن فدرالية داخل دولة عراقية موحدة، ويؤكد نيجيرفان بارزاني في بيانه ان الحفاظ على كيان اقليم كوردستان ومكاسبه الدستورية يتطلب وحدة الصف والتلاحم بين جميع القوى السياسية والمكونات الاجتماعية في كوردستان، فالفدرالية ليست مجرد نص دستوري بل هي مشروع سياسي يحتاج الى ارادة جماعية لحمايته وتطويره.
في هذا السياق يبرز دور الحزب الديمقراطي الكوردستاني "البارتي" باعتباره احد القوى الرئيسية التي ساهمت في قيادة النضال الكوردي وصولا الى انتفاضة اذار، فقد لعب الحزب وزعيمه السيد مسعود ، دورا محوريا في تنظيم المقاومة وتوحيد الصفوف خلال تلك المرحلة الحساسة، كما ساهم بعد الانتفاضة في بناء المؤسسات السياسية والادارية التي شكلت نواة حكومة اقليم كوردستان، وهو ما شارك فيه السيد نيجيرفان، ونحن نؤكد ان البارتي استطاع من خلال تجربته التنظيمية والسياسية ان يوفر اطارا قياديا ساعد على تحويل الانتفاضة من حدث عفوي الى مشروع سياسي طويل الامد.
ان قراءة نيجيرفان بارزاني للانتفاضة ترتبط ايضا بالظروف الاقليمية والدولية التي تمر بها المنطقة اليوم، فهو يشير في بيانه الى ان الذكرى الخامسة والثلاثين تأتي في وقت تمر فيه المنطقة بظروف معقدة وحساسة، وسط الحرب الامريكية الاسرائيلية_الايرانية، اليوم واغتيال المرشد، وحيث تتفاقم التوترات والصراعات في الشرق الاوسط، ولذلك فان الحفاظ على امن واستقرار اقليم كوردستان يصبح مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع القوى السياسية والمجتمعية، فالتجربة الكوردستانية لا يمكن ان تستمر دون استقرار داخلي ووحدة سياسية قادرة على مواجهة التحديات الخارجية.
ومن هنا يؤكد نيجيرفان بارزاني اليوم ان اقليم كوردستان سيبقى عاملا رئيسيا للامان والسلام في المنطقة، ولن يكون جزءا من اي صراع او تصعيد عسكري يضر بحياة المواطنين، وهذه الرؤية تعكس التحول الذي شهدته السياسة الكوردستانية بعد الانتفاضة، حيث اصبحت كوردستان تسعى الى لعب دور ايجابي في تعزيز الاستقرار الاقليمي بدلا من ان تكون ساحة للصراعات، وقد ساعد هذا التوجه على بناء علاقات سياسية واقتصادية واسعة مع العديد من الدول والاطراف الدولية.
كما ان استحضار ذكرى الانتفاضة في خطاب نيجيرفان بارزاني يحمل بعدا اخلاقيا وانسانيا واضحا، فهو يربط بين الماضي والحاضر من خلال التأكيد على ان الوفاء لدماء الشهداء يتطلب العمل المشترك لبناء مستقبل افضل للاجيال القادمة، فالشهداء الذين سقطوا خلال الانتفاضة لم يكونوا يسعون فقط الى التخلص من الظلم بل كانوا يحلمون ايضا بمجتمع اكثر عدالة وازدهارا، ولذلك فان استمرار بناء المؤسسات وتطوير الاقتصاد وتعزيز الديمقراطية يعد جزءا من تحقيق ذلك الحلم.
وتكمن اهمية الانتفاضة ايضا في انها اعادت تعريف العلاقة بين الشعب الكوردي والسلطة السياسية في العراق، فبعد عقود من التهميش اصبح للكورد حضور فاعل في المعادلة السياسية العراقية، وقد ساهم اقليم كوردستان بعد عام 2003 في صياغة النظام السياسي الجديد للعراق والمشاركة في مؤسساته الدستورية، ويرى نيجيرفان بارزاني ان هذا الدور لم يكن ليتحقق لولا الانتفاضة التي فرضت واقعا سياسيا جديدا اعترف بوجود الكورد كشريك اساسي في الدولة العراقية.
وفي ضوء هذه المعطيات يمكن القول ان انتفاضة الخامس من اذار 1991 لم تكن مجرد حدث تاريخي بل كانت نقطة انطلاق لمشروع سياسي واجتماعي واقتصادي واسع ما زالت آثاره مستمرة حتى اليوم، ومن خلال قراءته لهذه التجربة يؤكد نيجيرفان بارزاني ان حماية مكتسبات الانتفاضة تتطلب وعيا تاريخيا عميقا بوحدة الصف والتعاون بين جميع القوى الكوردستانية، فالتحديات التي تواجه كوردستان اليوم تختلف في طبيعتها عن تحديات الماضي لكنها لا تقل خطورة، ولذلك فان روح الانتفاضة يجب ان تبقى حاضرة كمصدر الهام ودافع للاستمرار في بناء كوردستان مستقرة ومزدهرة، وبذلك تتحول ذكرى الانتفاضة من مجرد حدث في الذاكرة الى قوة معنوية تدفع المجتمع الكوردستاني نحو مستقبل اكثر امنا وازدهارا.
ونستذكر اليوم ما قاله نيجيرفان في نفس الذكرى من قبل؛"فكما انتصرنا في الانتفاضةمعاً، وانتصر شعب كوردستان بكل ألوانه ومكوناته معاً، فإن النجاح الآن وضمانمستقبل أفضل لشعب كوردستان يتحقق فقط من خلال وحدة الصف والتلاحم والعملمعاً وقبول بعضنا البعض."
::::