مصطفى بارزاني ومرحلة إقامته في الاتحاد السوفيتي

مارس 1, 2026 - 15:00
مصطفى بارزاني ومرحلة إقامته في الاتحاد السوفيتي

بقلم: د. إلينا رونكوفا – خريجة معهد اللغات الآسيوية والأفريقية بجامعة موسكو (1983)

تحدث السيد مكسيم روبين، القنصل العام لروسيا الاتحادية في إقليم كوردستان، في مقابلة إعلامية بتاريخ 24 شباط 2026 عن العراق وإقليم كوردستان، مؤكداً أن موسكو تولي أهمية كبيرة لعلاقاتها الإنسانية والثقافية والسياسية والاقتصادية مع إقليم كوردستان، وتنظر إليه بوصفه شريكاً مستقراً وموثوقاً.

ووصف روبين العراق بأنه بلد صديق، مشيراً إلى أن موسكو تحتفظ بعلاقات قوية مع كلٍّ من بغداد وإقليم كوردستان رغم العقوبات الغربية المفروضة على روسيا. وأوضح أن قطاع الطاقة يشكل المحور الرئيس للتعاون الاقتصادي، حيث تنشط الشركات الروسية في هذا المجال منذ فترة طويلة. كما أشار إلى وجود فرص لتعزيز التعاون في مجالي السياحة والتجارة من خلال تبادل الوفود والمشاركة في المعارض السياحية.

وفيما يتعلق بالتطورات الإقليمية، أوضح روبين أن روسيا تتابع عن كثب الأوضاع في سوريا، وترحب بجهود الوساطة التي يبذلها فخامة رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني، الرامية إلى تهدئة التوترات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية.

وأكد روبين عمق الروابط التاريخية بين روسيا والشعب الكوردي، لافتاً إلى أن القائد الكوردي الملا مصطفى بارزاني أقام في الاتحاد السوفيتي لمدة اثني عشر عاماً. وفي هذا السياق، يتناول هذا المقال بإيجاز مرحلة إقامته هناك.

Image

 

جمهورية مهاباد وبداية المنفى 

أُعلنت جمهورية كوردستان في مهاباد في كانون الأول 1945 على يد  قاضي محمد، رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني، وذلك في ظل وجود القوات السوفيتية في المنطقة. وتم تعيين الملا مصطفى بارزاني وزيراً للدفاع وقائداً للجيش في الجمهورية الفتية.

وعندما بدأت القوات الإيرانية هجماتها ضد جمهورية مهاباد، أثبت بارزاني كفاءته العسكرية وانضباطه القيادي، مُلحِقاً خسائر ملحوظة بالقوات المهاجمة، وظل من بين القادة القلائل الذين لم يستسلموا ولم ينضموا إلى القوات الإيرانية المتقدمة.

وبعد انسحاب القوات السوفيتية من إيران في أيار 1946 عقب مؤتمر يالطا، توقّف الدعم السوفيتي للجمهورية. وفي كانون الأول من العام نفسه، سقطت مهاباد بيد القوات الإيرانية، لتبدأ حملة قمع شديدة، شملت إعدام رئيس الجمهورية القاضي محمد مع شقيقه وأحد أقاربه، إضافة إلى تدمير مكتبات تحوي كتباً كوردية، ما شكّل خسارة ثقافية وسياسية جسيمة.

Image

Image

Image

Image

العبور إلى الاتحاد السوفيتي

عقب عبوره نهر آراس إلى الاتحاد السوفيتي، وصل بارزاني ورفاقه إلى جمهورية أرمينيا السوفيتية، حيث جرى احتجازهم في معسكر قرب ناخيتشيفان، ثم نُقلوا لاحقاً إلى أذربيجان السوفيتية بالقرب من باكو. وبناءً على توجيهات موسكو، التقى مسؤولو الحزب الشيوعي الأذربيجاني ببارزاني لبحث سبل الدعم الممكن للقضية الكوردية.

وفي تشرين الثاني 1947، التقى بارزاني بزعيم الحزب الشيوعي في أذربيجان مير جعفر باغيروف لبحث مساهمة الكورد في دعم الاتحاد السوفيتي. وتم تنظيم أتباعه في فوج عسكري تلقى تدريبات عسكرية وسياسية، إلى جانب دروس لمحو الأمية باللغة الكوردية.

إلا أن الخلافات السياسية بين بارزاني وباغيروف أدت إلى توتر العلاقة، فتم نقل بارزاني ورفاقه في آب 1948 إلى جمهورية أوزبكستان السوفيتية. وهناك تفرّق أتباعه وأُجبروا على أعمال شاقة، فيما فُصل هو عن عدد منهم لثلاث سنوات، الأمر الذي دفعهم إلى تنظيم اعتصامات وإضرابات للمطالبة بإعادة لمّ الشمل.

وقد شبّه قائد المنطقة العسكرية في القوقاز عبور بارزاني ورفاقه الجبال بعبور سوفوروف لجبال الألب. وقال بارزاني لاحقاً: “سرنا 52 يوماً عبر الممرات الجبلية العالية، وواجهنا تسع هجمات، ودفنا أربعة من رفاقنا وحملنا سبعة جرحى معنا.”

 

نشاطه السياسي والثقافي في المنفى

في أواخر عام 1949، انتقد بارزاني عبر إذاعة باكو سياسات طهران وأنقرة وبغداد، ما أثار ردود فعل دولية. كما عُرف بسعة أفقه وثقافته الواسعة، إذ كان يتقن الكوردية والعربية والتركية والفارسية والروسية، وله اطلاع عميق على الأدب الفارسي الكلاسيكي، وكان محباً لحافظ الشيرازي والفردوسي وجلال الدين الرومي، فضلاً عن اهتمامه بالفلسفة والعلوم الإسلامية.

وحرص على تعليم الجيل الشاب ودعم رفاقه الذين شاركوه تجربة مهاباد، كما كان منزله في موسكو مقصداً للكورد الباحثين عن العزاء والدعم المعنوي.

وجّه بارزاني عدة رسائل إلى الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين يطلب فيها تحسين أوضاعه وأوضاع أتباعه. وقد أُجري تحقيق رسمي عام 1951 خلص إلى أنهم تعرضوا لظلم، فأُعيد لمّ شملهم ومنحوا السكن والعمل والتعليم والخدمات الاجتماعية أسوة بالمواطنين السوفييت.

لقاءاته في موسكو والعودة إلى الوطن

بعد وفاة ستالين، التقى بارزاني قيادات سوفيتية بارزة، بينهم نيكيتا خروتشوف، وسعى لضمان استمرار الدعم لقضيته. وتم نقله إلى موسكو وإلحاقه بالمدرسة الحزبية العليا.

وخلال فترة إقامته، زار التجمعات الكوردية في أرمينيا، والتقى شخصيات ثقافية وعسكرية كوردية بارزة، مؤكداً أهمية الحفاظ على الهوية القومية رغم التحديات.

وظل الأمل بالعودة إلى الوطن حاضراً لدى الملا مصطفى بارزاني ورفاقه. وبعد ثورة 14 تموز 1958 وسقوط النظام الملكي في العراق، عاد القائد مصطفى بارزاني إلى بغداد في 6 تشرين الأول 1958، حيث استُقبل استقبال الأبطال، حاملاً معه خبرة اثني عشر عاماً في الاتحاد السوفيتي، وضعها في خدمة قضيته وشعبه.