عشر آراء تاريخية في سيرة الزعيم مصطفى البارزاني
خاص لموقعhiwar/د هوشيار مظفر علي أمين: الزعيم مصطفى البارزاني ليس مجرد قائد كردي، بل هو رمز لنضال طويل امتد لعقود في سبيل حقوق الكرد في العراق والمنطقة. شق طريقه وسط عواصف التحولات السياسية، من الإمبراطورية العثمانية إلى نشوء الدولة العراقية الحديثة، ومن الحرب العالمية الثانية إلى صراعات الحرب الباردة. كان بارعًا في توجيه دفة النضال، متنقلًا بين ساحات القتال وغرف التفاوض، مدركًا أن الحرية تحتاج إلى سيف وعقل في آنٍ واحد. نستعرض هنا عشر زوايا تحليلية عن شخصيته ومسيرته.
1. قراءة في سيرته: قائد تشكل بين الثورة والمنفى
وُلد مصطفى البارزاني عام 1903 في بارزان، وهي منطقة لم تعرف الهدوء يومًا في تاريخها. نشأ في عائلة مقاومة، حيث أُعدم أخوه على يد العثمانيين بسبب ثورته. لم تكن طفولته كغيره من الأطفال، إذ عاش في قلب الحروب والنفي، متنقلًا بين السجون والمنافي، ما جعله يدرك منذ صغره أن النضال ليس خيارًا بل قدرٌ لا مفر منه.
كان صعوده إلى القيادة نتيجة طبيعية لمسار حياته. عندما قاد انتفاضة 1943 ضد الحكومة الملكية العراقية، لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان يحمل تصورًا واضحًا لمستقبل الكرد. لكن مسيرته لم تكن سهلة، فقد اضطر إلى العيش في المنفى لعقدين بين إيران والاتحاد السوفيتي، حيث تعلم دروسًا في السياسة والجيوسياسة، عاد بها لاحقًا ليقود أعظم ثورات الكرد في العراق.
حتى وفاته رحمه الله برحمته.
2. رأي في ثوراته: مقاتل يدرك أن الثورة لا تكفي
قاد البارزاني ثلاث ثورات رئيسية، لكن أبرزها كانت ثورة 1961 التي استمرت 14 عامًا. كانت هذه الثورة مختلفة عن سابقتها؛ فقد امتلك خلالها قوة منظمة، وسعى لبناء قاعدة سياسية داعمة داخل العراق وخارجه. لم يكن مجرد مقاتل في الجبال، بل كان زعيمًا سياسيًا يفاوض الحكومات ويبحث عن اعتراف دولي.
ما ميّز ثوراته أنه لم يخضها بعقلية المنتصر أو المهزوم فقط، بل كان يعرف متى يحارب ومتى يفاوض، متى يتقدم ومتى ينسحب، وهي مهارة لم يمتلكها كثيرون قبله أو بعده.
3. رأي في مفاوضاته: سياسي يعرف قيمة التوقيت
لم يكن البارزاني من القادة الذين يرفضون الحوار من منطلق التعصب، بل كان يدرك أن كل ثورة يجب أن تفتح بابًا للحل السياسي. في 1970، خاض مفاوضات مع الحكومة العراقية انتهت بمنح الحكم الذاتي لكردستان. لم يكن هذا الاتفاق كاملًا، لكنه كان خطوة نحو الاعتراف بالوجود الكردي رسميًا لأول مرة في تاريخ العراق الحديث.
لكنه لم يكن ساذجًا في التعامل مع الحكومات المركزية، فقد رأى كيف انقلبت بغداد على تعهداتها، وهو ما دفعه دائمًا إلى الإبقاء على الخيار العسكري حاضرًا، حتى لا يكون الكرد في موقف ضعف.
4. رأي في جمهورية مهاباد: تجربة قصيرة بدروس عميقة
كان البارزاني من أبرز المشاركين في تأسيس جمهورية مهاباد عام 1946، حيث تولى قيادة قواتها العسكرية. لكنه سرعان ما اكتشف أن الدول الكبرى لا تسمح بقيام كيان كردي مستقل، إذ سقطت مهاباد بعد عام واحد، وجرى إعدام قادتها.
هذه التجربة غيّرت طريقة تفكيره، إذ أدرك أن الاستقلال يحتاج إلى أكثر من مجرد إعلان جمهورية، بل إلى تحالفات راسخة وتأييد دولي. تعلم أن القومية وحدها لا تكفي لصنع دولة، بل لا بد من استراتيجية سياسية طويلة الأمد.
5. رأي في حراكه التاريخي: عقلية التوازن بين العداء والتحالف
لم يكن البارزاني زعيمًا محليًا يحارب داخل حدود العراق فقط، بل كان يتحرك إقليميًا ودوليًا. سافر إلى الاتحاد السوفيتي، التقى بقادة الشرق الأوسط، وحاول بناء شبكة تحالفات دولية تدعم القضية الكردية. كان يفهم أن العزلة السياسية تقتل أي حركة تحرر، لذلك حرص على إبقاء علاقاته مفتوحة حتى مع خصومه.
لكن تحركاته علمته ادارة الازمة وقيادة الصراع فقد اكتشف في 1975 كيف يمكن للتحالفات أن تنهار في لحظة واحدة عندما تخلى الامريكان والايرانيون عن الدعم السابق بعد اتفاق الجزائر مع العراق.
6. رأي في قيادته للحزب الديمقراطي الكردستاني: بناء حزب من رحم الثورة
أسس الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1946، وجعل منه أكثر من مجرد حزب سياسي، بل مظلة لحركة التحرر الكردية. استطاع أن يجمع تحت رايته مختلف التيارات القومية الكردية، لكنه في الوقت نفسه واجه صراعات داخلية وتحديات فرضتها طبيعة النضال المسلح.
كان الحزب في عهده أداة ثورية أكثر منه حزبًا سياسيًا، لكنه وضع الأسس التي مكنت الحزب لاحقًا من التحول إلى قوة سياسية رئيسية في كردستان العراق.
7. رأي في قيادته لحركة التحرر الكردية: بين السلاح والدبلوماسية
كان البارزاني يدرك أن القضية الكردية ليست معركة سلاح فقط، بل تحتاج إلى اعتراف دولي. لذلك، لم يكن قائدًا عسكريًا تقليديًا، بل عمل على تدويل القضية الكردية عبر طرحها في المحافل الدولية، رغم صعوبة ذلك بسبب توازنات الحرب الباردة.
8. رأي في تعاون الدول ضده لإفشال ثورة 1975
ما حدث في 1975 كان أكبر ضربة لحركته، إذ قررت إيران وأمريكا سحب دعمهما بعد اتفاق الجزائر مع العراق. أدرك حينها أن النضال الكردي ليس فقط مع الحكومات المركزية، بل مع لعبة المصالح الدولية التي تتغير بسرعة.
9. رأي في موقفه من كركوك: المدينة التي لم يتنازل عنها
كان موقفه ثابتًا بأن كركوك مدينة كردية، رغم محاولات الحكومات لتعريبها. ظل متمسكًا بمطالبته بها حتى وفاته، وكان يرى أنها مفتاح أي حل سياسي مستقبلي.
10. رأي في كونه قائدًا تاريخيًا: رجل صنع مرحلة ولم تنتهِ قصته
البارزاني لم يكن قائدًا عابرًا، بل كان صانع تاريخ. رغم كل الهزائم والنكسات، بقيت رؤيته حية، وما نراه اليوم من حكم ذاتي في كردستان العراق هو امتداد لنضاله. لم يحقق الاستقلال، لكنه جعل الكرد قوة سياسية لا يمكن تجاهلها.
مصطفى البارزاني لم يكن مجرد زعيم مقاتل، بل كان رجل دولة حتى في غياب الدولة. كانت حياته سلسلة من المعارك السياسية والعسكرية، لكنه ترك إرثًا جعل منه أحد أعظم قادة القرن العشرين في الشرق الأوسط.