"جيل زد" دون سابقيه في اختبارات الذكاء ظاهرة لم يسجل مثيل لها منذ بدء قياس القدرات المعرفية أواخر القرن الـ19

أظهرت البيانات أن "جيل زد" انحرف عن مسار التطور البشري المستمر وعدد منهم فخورون بذكائهم المزعوم تمثل هذه الظاهرة، التي يطلق عليها "التأثير العكسي لـفلين" (Reverse Flynn Effect)، انقلاباً درا ماتيكياً لاتجاه استمر أكثر من قرن من الزمان، إذ تفوق كل جيل على سابقه في اختبارات الذكاء والقدرات المعرفية.

فبراير 17, 2026 - 18:38
"جيل زد" دون سابقيه في اختبارات الذكاء  ظاهرة لم يسجل مثيل لها منذ بدء قياس القدرات المعرفية أواخر القرن الـ19

خلال منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، أدلى عالم الأعصاب والمدير الحالي لمنظمة LME Global جاريد هورفث بشهادته أمام مجلس الشيوخ الأميركي، مقدماً نتائج بحثية مقلقة حول التطور المعرفي للأطفال في العصر الرقمي. ففي سابقة لم تحدث منذ بدء قياس القدرات المعرفية أواخر القرن الـ19، أصبح "جيل زد" أول جيل في التاريخ الحديث يسجل مستويات ذكاء أقل من الجيل الذي سبقه، إذ أظهرت البيانات بوضوح استقرار القدرات المعرفية، بل وتراجعها، بدءاً من عام 2010 والمجالات الأكثر تأثراً، إضافة لمعدل الذكاء العام، هي المهارات الحسابية والرياضية والمهارات المرتبطة بالقراءة والقدرة على حل المشكلات والقيام بالوظائف التنفيذية ومستوى الانتباه والتركيز والذاكرة بصورة عامة.

تمثل هذه الظاهرة، التي يطلق عليها "التأثير العكسي لـفلين" (Reverse Flynn Effect)، انقلاباً دراماتيكياً لاتجاه استمر أكثر من قرن من الزمان، إذ تفوق كل جيل على سابقه في اختبارات الذكاءوالقدرات المعرفية.

ثلاث درجات ذكاء كل عقد

مما أثار الانتباه كان مطالعة ظاهرة مثيرة للاهتمام في علم النفس، تشير إلى زيادة مطردة في درجات الذكاء عبر الأجيال، يطلق عليها اسم "تأثير فلين" (Flynn Effect). إذ لاحظ الباحثون منذ أوائل القرن الـ20 وحتى نهاية التسعينيات تقريباً، أن درجات اختبارات الذكاء ترتفع بمعدل ثابت يراوح ما بين اثنين وثلاث نقاط في مقياس الذكاء كل عقد.

قارنه "فلين" بعوامل عدة منها تحسن التغذية والصحة العامة وزيادة توافر المعلومات وانتشار التعليم وانخفاض مستويات الفقر وتطور الرعاية الصحية. ويقدم تأثير فلين دليلاً قوياً على أن البيئة تلعب دوراً حاسماً في تطوير القدرات المعرفية للإنسان، وأن الذكاء سمة غير ثابتة بل قابلة للتغير عبر الأجيال.

لكن كشفت الدراسات بعد 120 عاماً من بدء هذا التتبع، أي منذ اختراع اختبارات الذكاء الحديثة في بداية القرن الـ20، عن توقف أو انعكاس لهذا الاتجاه في عدد من الدول المتقدمة، إذ رصدت بعض الدراسات وبخاصة داخل الدول الإسكندنافية تباطؤاً مع انخفاض طفيف في درجات اختبارات الذكاء، بدءاً من منتصف التسعينيات.

الجهل المركب

وبينما أظهرت البيانات أن "جيل زد" انحرف عن مسار التطور البشري المستمر، ادعى هورفث أن عدداً من المراهقين والشباب غير مدركين لمعاناتهم، بل إنهم فخورون بذكائهم المزعوم. وصرح لصحيفة "واشنطن بوست" عن ظاهرة مقلقة تتعلق في كون كثير منهم واثقين بصورة مفرطة بمدى ذكائهم، وأنهم كلما ظنوا أنفسهم أذكى كانوا في الواقع أقل ذكاء.

وهذا يقودنا إلى نظرية نفسية شهيرة وضعها عالما النفس الاجتماعي دانينغ وكروجر خلال عام 1999، تشير إلى انحياز سلوكي يظهر عندما يعتقد الفرد أنه أكثر ذكاءً وقدرة مما هو عليه بالفعل، بسبب المبالغة في تقدير مستويات مهاراته، إذ يميل الأفراد ذوي الكفاءات المحدودة في مجال ما، إلى المبالغة في تقدير قدراتهم ومهاراتهم في ذلك المجال. وتؤدي الصعوبات في التعرف على عدم الكفاءة إلى تضخم التقييمات الذاتية، في حين تخفض زيادة خبرة شخص في مجال ما ثقته إلى مستويات أكثر واقعية، لأنه يبدأ في إدراك افتقاره إلى المعرفة والقدرة.

والتفسير هنا واضح وبسيط، فالاعتماد على التكنولوجيا يقلل من القدرات، كالنقد الذاتي والربط والتحليل، التي تسمح للمرء بالتقييم الصحيح.

تصميم الدماغ البشري

وحدد هورفث ما سماه بـ"التكنولوجيا التعليمية" (EdTech) كسبب رئيس للانخفاض المعرفي، متبنياً فكرة أن الدماغ البشري غير مصمم للتعلم من خلال مقاطع فيديو قصيرة عبر الإنترنت وقراءة جمل موجزة تلخص كتباً أكبر بكثير وأفكاراً معقدة. وأشار إلى أن "جيل زد" أصبح مرتاحاً جداً لخيار استهلاك المعلومات خارج الفصل الدراسي من خلال جمل قصيرة ومقاطع فيديو سريعة الانتشار، على منصات مثل "تيك توك"، لدرجة أن عدداً من المدارس استسلمت وبدأت التدريس بالطريقة ذاتها. وبذلك هم يكتفون بالقراءة السطحية، لكن الحقيقة أن البشر مبرمجون بيولوجياً ليتعلموا من خلال التفاعل البشري الحقيقي وجهاً لوجه ومن الدراسة العميقة، وليس من خلال تصفح الملخصات عبر الشاشات.

وأن الأمر لا يتعلق بسوء التطبيق أو الحاجة إلى تطبيقات أفضل في المدارس، بل إن التكنولوجيا نفسها لا تتوافق مع طريقة عمل أدمغتنا ونموها واحتفاظها بالمعلومات بصورة طبيعية. وأضاف هورفث أن الحل يكمن في الأدوات التي نستخدمها داخل المدارس لتعزيز التعلم، وأن الشاشات تعطل العمليات البيولوجية الطبيعية التي تبني فهماً عميقاً وذاكرة وتركيزاً.

والحقيقة إن الدراسات والإحصاءات تحيط بنا من كل الاتجاهات، عندما نشرع في إثبات تأثير وقت المكوث أمام الشاشات على الذاكرة ومدى الانتباه وتطور اللغة وجودة النوم وغيرها.

وبناء على ذلك، أوصى خبراء التعليم في جلسة الاستماع بتأجيل منح الأطفال الهواتف الذكية، وإعادة الهواتف التقليدية للأطفال عند الحاجة، واتخاذ إجراءات على مستوى البلاد لتطبيع وضع قيود على استخدام التكنولوجيا في المدارس. وحثت المشرعين الفيدراليين على النظر في نماذج مثل حظر التكنولوجيا التعليمية في الدول الإسكندنافية.

تجربة رائدة

اتخذت دول عدة خطوات استباقية منها فرنسا والنرويج وأستراليا وهولندا واليونان، لكن تعد تجربة الدنمارك من التجارب الرائدة، إذ وافق البرلمان الدنماركي خلال سبتمبر (أيلول) 2025 على خطة لحظر الهواتف المحمولة في المدارس الابتدائية والثانوية، بدءاً من العام الدراسي 2026/2027.

ويشمل الحظر الهواتف الذكية وجميع الأجهزة الإلكترونية الخاصة التي تعمل بالإنترنت، ويستثني الأجهزة اللوحية والحواسيب المستخدمة في التدريس، كذلك يقدم استثناءات أخرى للأطفال الذين يعانون مرض السكري والطلاب ذوي الحاجات التعليمية الخاصة.

إضافة إلى إجراءات أخرى منها حجب المواقع غير التعليمية (وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الألعاب والتسوق ومنصات البث)، وتشجيع التعليم التقليدي بالعودة إلى الكتب الورقية وتقليل استخدام الحواسيب والتركيز على التعليم التفاعلي المباشر. وأكد وزير التعليم الدنماركي أن الهواتف المحمولة في المدارس ونوادي ما بعد المدرسة تخلق قلقاً وتعطيلاً في الحياة اليومية للأطفال والشباب، وأن مواجهة هذه التحديات الآن يسمح بالتركيز على الجوانب الأهم، كالهدوء والسكينة والترابط المجتمعي.

واللافت ظهور نتائج مبكرة بعد شهر واحد من تطبيق الاتفاق، إذ لاحظ المدرسون تغير حال التلاميذ، مُعربين عن سعادتهم وهم يرونهم مبتسمين مرة أخرى ويتحدثون ويلعبون مع بعضهم ويمارسون الرياضة مرة أخرى.

التجربة الدنماركية الجريئة، إلى جانب الدراسات والإحصاءات والبيانات العلمية المتراكمة، تستدعي اهتماماً عاجلاً أقله من الآباء ومقدمي الرعاية، لضمان تحقيق توازن مدروس بين الرقمي والتقليدي، مع إعطاء الأولوية للتفاعل الإنساني العميق والتعلم النشط.

نرمين علي/ اندلندنت عربية