رحلة طاقة نظيفة تمر بـ"حقائق قذرة"

احمد شافعي:ما من فائز في ما يتعلق بالكونغو وسلسة التوريد القذرة التي تمثل حلقة فيها إلا الصين "التي قضت العقود الثلاثة الأخيرة وهي تتوغل في الكونغو لضمان السيطرة الفعلية على احتياطاتها من الرواسب المعدنية متفوقة بذلك على أميركا التي تحاول الآن فقط اللحاق بها. وفي أحد مشاريع حقبة بايدن القليلة التي بقيت في ولاية دونالد ترمب الثانية، تخطط الولايات المتحدة لإعادة تشغيل خط سكة حديد يرجع إلى العصر الاستعماري ليربط بين أغنى مناطق التعدين الكونغولية والمحيط الأطلسي غرباً.

فبراير 19, 2026 - 17:44
رحلة طاقة نظيفة تمر بـ"حقائق قذرة"

مضى الزمن الذي كان يمكن أن يستهل فيه كاتب مقالته بقوله مثلاً إنه لا يخطر لأحد منا وهو يستمتع بسلعة معينة، أن آخرين من البشر يعانون من أجل أن ينال متعته هذه، بل إن بعض إخوته في الإنسانية يدفعون حيواتهم ثمناً لهذه المتعة. مضى زمن تلك البراءة، أو ذلك الجهل البريء، فلا أحسب أحداً يغفل عن حقيقة أننا نأكل فلا نأكل إلا لحوم بعضنا بعضاً، ولا ننعم برفاهية أو خدمة إلا على جثث آخرين منا تبلى أجسامهم وأرواحهم وهم ينتجون السلع التي بتنا لا نتخيل حياتنا إلا بها. ومن على ظهر الأرض الآن لا يحمل على مدى يومه هاتفاً محمولاً يرتبط إحساسه بالأمن، والانتماء إلى العالم، بما في بطاريته من طاقة؟

فقد ينفعنا ونحن نتابع نفاد طاقة هواتفنا، ونشحنها، ونستهلكها، أن ننظر في كتاب للصحافي الأميركي نيكولاس نياركوس صدر حديثاً بعنوان "عناصر القوة: قصة الحرب والتكنولوجيا وأقذر سلسلة توريد على وجه الأرض".

يستهل الصحافي المتخصص في شؤون البيئة جيفان فاساغار استعراضه هذا الكتاب (ذي أوبزرفر-4 فبراير "شباط" 2026) بقوله إن التعدين عمل قذر، بما فيه من كحت للجبال، وبقر لأحشائها، وتلويث للتربة والأنهار، وأثر بيئي أشبه بالوبال إذ يعقبه حلول الموت على الرجال والنساء والأطفال ممن يهبطون إلى المناجم، لكنه لا يخلو من جانب رومانتيكي، "فالعالم الحديث مصنوع، كأنما بفعل السحر، من خامات دفينة في جوف الأرض، فالصلب في البنايات، والنحاس في الكوابل، والكوارتز في أشباه الموصلات، والكوبلت والنيكل في البطاريات. وكل عصر من عصور التقدم البشري يسمه استخراج عنصر ما: من قبيل البرونز والحديد والفحم والنفط، وعناصر عصر الطاقة المتجددة الذي نعيشه الآن. لقد ظل النفط على مدى عقود هو السلعة الوحيدة التي تجتذب انتباه العوام بصورة لافتة، إذ كان في آن واحد مصدر الطاقة الأساس في مجتمعاتنا، ومصدر انبعاثات الكربون التي تزيد من حرارة الكوكب"، ويضيف "لكن في الأعوام الأخيرة، توالت الكتب لإلقاء الضوء على خامات أخرى تقيم مجتمعاتنا، وتبدلت المواقف من التجارة وتدفق السلع في العلم. ومن يرجع النظر عقداً أو عقدين يجد استيراد الغاز من روسيا والمعادن الأرضية النادرة من الصين وتجارة النفط في الأسواق العالمية ممارسة مقبولة تماماً، لكن الآن تهدد الصين بإيقاف إمدادات العناصر الأرضية النادرة -المستعملة في كل شيء من توربينات الرياح إلى السيارات الكهربائية - وتستولي الولايات المتحدة على صادرات فنزويلا النفطية، حتى بات العالم رقعة شطرنج تتنافس فيها القوى العظمى للسيطرة على المربعات".

ويتابع فاساغار "ينصب تركيز كتاب نيكولاس نياركوس على ما يقيم الحياة الحديثة، أي البطاريات والخامات التي تدخل في صناعتها، وما فيها من مقايضات: فالطاقة النظيفة في البلاد المتقدمة في مقابل (التلوث والمعاناة في ما عداها). يحكي نياركوس - وهو حفيد عملاق الشحن اليوناني ستافروس نياركوس والصحافي في مجلة "ذي نيويوركر" - قصة التطورات العلمية التي صنعت بطاريات الليثيوم-أيون والعواقب الإنسانية لاستخراج مكوناتها. فيجوب الكتاب العالم كما لو كان فيلم جاسوسية: من الصحراء الكبرى إلى إندونيسيا إلى طوكيو إلى أوغندا، لكن محوره هو جمهورية الكونغو الديمقراطية، إذ هي المسرح الذي تتقاطع فيه قصتا نياركوس المتلازمتان: قصة التقدم التكنولوجي وقصة المعاناة الإنسانية".

يكتب تيم بوتشر (ديلي تلغراف-27 يناير " كانون الثاني" 2026) أن هنري مورون ستانلي مراسل صحيفة "ذي ديلي تلغراف" عندما نشر تقاريره عن الكونغو عام 1877، لم يغير تاريخ ذلك البلد وحده وإنما تاريخ قارة بأكملها، "ففي أهم تقرير نشره، كشف أن نهر الكونغو طريق حيوي يغري بتحقيق ثروة هائلة لأي قوة استعمارية تستغله. وحينما قرأ ليوبولد الثاني ملك بلجيكا التقرير سارع بالاستيلاء على مليون ميل مربع من حوض ذلك النهر، فأطلق حمى ما عرف بعصر (التكالب على أفريقيا)".

يمضي بوتشر فيقول إن كل شيء تاق إليه العالم كان يظهر بوفرة في الكونغو، ففي ثمانينيات القرن الـ19 تاق العالم إلى العاج، ثم إلى المطاط في تسعينيات القرن نفسه، ثم النحاس، فالذهب، فالألماس، وحينما أطلقت ماري كوري عصر الذرة باكتشافها اليورانيوم، كانت الكونغو مهد موارد الراديوم الغنية، وحينما صنعت الولايات المتحدة قنبلتي هيروشيما ونغازاكي الذريتين كان ذلك بخام اليورانيوم الكونغولي.

يضيف بوتشر "يتتبع نيكولاس نياركوس هذه الدورة بإخلاص في كتاب هو على أحد مستوياته قصة البطاريات، اختراعها وتطورها ومركزيتها في حياتنا المثقلة بالآلات ودورها في ثورة الطاقة التي يراهن العالم على أن تقلل التغير المناخي، وهو كذلك قصة سلسلة توريد البطاريات... لكن فيما يفكك نياركوس تركيبة البطارية المعقدة المؤلفة من معادن وأملاح، تتحول القصة فجأة إلى قصة الكونغو".

ويوضح "في الكونغو أضخم احتياطي معروف للكوبالت - وهو مكون أساس في البطاريات - إذ يبلغ 6 ملايين طن تمثل حالياً قرابة 75 في المئة من الإنتاج العالمي، ويكتب نياركوس أن هذا هو السبب في أن الساسة الكونغوليين يتباهون حسبما قال له حاكم إحدى ولايات التعدين بأن الكونغو هي السعودية بالنسبة إلى الكوبلت، ويعجب علماء الجيولوجيا من احتياطات الكونغو من المنجنيز والقصدير والزنك والبلاتين والعناصر الأرضية النادرة والكولتان الذي يجعل هواتفنا الذكية ذكية، وقد سعى بيل غيتس وجيف بيزوس أخيراً إلى الاستثمار في الليثيوم الكونغولي، ويكتب المؤلف أن الأرض شديدة الثراء بمركبات النحاس لدرجة أن البرك التي تتكون بعد المطر، تسطع أحياناً بالأخضر نتيجة لتأكسد النحاس".

يقول بوتشر "سبق لنياركوس أن عمل مدقق معلومات في مجلة 'ذي نيويوركر'، وهو يستحق الثناء على جهده الميداني المبذول في هذا الكتاب، فالعمل الصحافي من الكونغو - من واقع تجربتي الشخصية - ليس باليسير على الإطلاق، لكن نياركوس يقوم بكثير من الرحلات إلى مركز التعدين هناك. وفي عام 2022 تعرض للاعتقال أياماً عدة إذ استجوبته السلطات ثم طردته من البلد. لكن ليس قبل أن يرى ما يكفي لهذا الكتاب الذي يوشك أن يكون نسخة مأسوية من حمى البحث عن الذهب في بلدات الغرب الأميركي، لكن النسخة الجديدة تغص بعمالة للأطفال (361 ألف طفل في الجنوب وفقاً لمصدر نياركوس) الذين يشكلون شبكة تعيسة من عمال المناجم الحفارين وعمال التنظيف والناقلين وجامعي الخام، وأصغرهم يقضي يومه في البحث بين مخلفات المناجم عن حبيبات الخام. وبسبب التعرض المستمر للغبار المتسبب في الأمراض سجلت النساء الحوامل في منطقة التعدين في الكونغو أعلى مستويات تلوث بالمعادن على الإطلاق بما ترتب على ذلك من نتائج مفجعة".

يوضح نياركوس آيات تعرض الكونغو للاستغلال بسبب الجشع والفساد حتى "باتت تعتمد على غيرها في توفير وظائفها الأساسية، إذ يمضي بنا الكتاب على طريق سريع لا تقوم فقط شركة تعدين خاصة بصيانته لكنها تتولى السيطرة عليه وحمايته أيضاً، بما يعني الانهيار التام لقدرة الحكومة على القيام بالخدمات العامة، أما بلدة فونغوروم، وهي من أغنى البلدات الكونغولية بالتعدين، فالطريق الأساس إليها خاضع لسيطرة حرس مسلحين تابعين لشركة تعدين تشينا مولي الصينية وذلك ما يصفه الكاتب بـ(أحد أبشع الأمثلة لاستيلاء الشركات على البنية الأساسية العامة)".

ما من فائز في ما يتعلق بالكونغو وسلسة التوريد القذرة التي تمثل حلقة فيها إلا الصين "التي قضت العقود الثلاثة الأخيرة وهي تتوغل في الكونغو لضمان السيطرة الفعلية على احتياطاتها من الرواسب المعدنية متفوقة بذلك على أميركا التي تحاول الآن فقط اللحاق بها. وفي أحد مشاريع حقبة بايدن القليلة التي بقيت في ولاية دونالد ترمب الثانية، تخطط الولايات المتحدة لإعادة تشغيل خط سكة حديد يرجع إلى العصر الاستعماري ليربط بين أغنى مناطق التعدين الكونغولية والمحيط الأطلسي غرباً، في حين أعلنت الصين أنها ستعيد تأهيل خط سكة الحديد الذي يتجه شرقاً إلى المحيط الهندي، ويخطئ كل من يراهن على خسارة الصين في هذا السباق".

يكتب مراسل "نيويورك تايمز" لشؤون الاقتصاد العالمي بيتر إس غودمان مستعرضاً الكتاب (ذي نيويورك تايمز-16 يناير 2026) فيقول إن "سرد نياركوس يبدأ منذ التاريخ الاستعماري ويمتد منه إلى الحاضر، مصوِّراً الشركات الصينية والعمال المهاجرين بوصفهم النسخ المعاصرة من البلجيكيين الذين مزقوا أوصال الكونغو والهولنديين الذين احتلوا الأرخبيل المعروف حالياً بإندونيسيا، ومغامراتهم العنيفة التي قاموا بها طلباً للكنز الدفين. وبصفة أعم، يتوسع الكاتب في تحميل المسؤولية لتشمل علامات تجارية أميركية مهمة من قبيل 'أبل وتيسلا'".

يشهد غودمان  لنياركوس بأنه "صحافي جريء عظيم الفضول"، ويشهد لكتابه بأنه "يقدم لنا عمال المناجم المهرة في الكونغو إذ يخاطرون بأنفسهم في جهد مضن من أجل جمع الصخور القيمة من الأرض. ويمضي بنا إلى جزيرة سولاويزي الإندونيسية التي أحالتها الشركات الصينية والعمال المهاجرون من شريط ساحلي معزول إلى خلية نحل تغص بالمصانع العاملة في معالجة النيكل المستخرج بكميات هائلة بينما يستنكر المزارعون حرمانهم من أراضيهم... ويدرس الكتاب أيضاً تطور صناعة بطاريات الليثيوم-أيون في اليابان. ويروي قصة تحول الصين من بلد فقير مليء بالدراجات إلى المصدر العالمي الرائد للسيارات الكهربائية".

ويمضي الكاتب في تتبع سلسلة توريد البطاريات في كل مكان، وسلاسل التوريد كما يكتب غودمان "معقدة وشاسعة، تربط بين بشر وشركات تفصل بينها حدود ومحيطات" ولذلك فإن دراستها تستوجب "استراتيجية صحافية حذرة لإشراك القارئ، فلا بد من منتج معين نتتبعه في طريقه حتى يصل إلى السوق، أو شخصيات نستقي من خلالها الرؤى... ويلزمنا أيضاً سؤال أساس نتريث أمامه، أو مهمة تتعلق بها رحلتنا. وفي الحد الأدنى يلزمنا راوٍ يقول لنا لماذا نمضي إلى حيث نحن ماضون، وما نرجو فهمه حينما نبلغ وجهتنا، لكن نياركوس ينصرف عن هذا الواجب الأساس، ويسوقنا ويرجع بنا من هنا إلى هناك، في غياب أي مبدأ تنظيمي حاكم له، ممتنعاً عن إصدار الأحكام، تاركاً لنا أن نفرز التداعيات المبهمة ونحن نحاول تجميع خلاصة متماسكة من فيض جارف من المعلومات".

ولا يوجز غودمان مآخذه على الكتاب والكاتب بل يترك لها قرابة نصف مقالته فـ"هذا الفيض من المواد معروض دونما اهتمام يذكر بالسردية نفسها، ولذلك يكون الكتاب مرهقاً في كثير من الأحيان ومشتتاً لقارئه، إذ نجد أنفسنا في كل مكان، ولا نجد أنفسنا في أي مكان، مفتقرين إلى حجة شاملة تفسر لنا لماذا ينبغي أن نفهم الأزمة النفطية في سبعينيات القرن الماضي وإصلاحات السوق التي قام بها رئيس الوزراء الصيني دينغ شياوبنغ وكيمياء الكاثود، فقراءة الكتاب تجربة مشابهة لبذل جهد مضنٍ في تجميع صورة الأحجية من قطعها دونما نظر إلى الصورة الموضوعة على العلبة".

ويضيف غودمان "يحفل الكتاب بملاحظات واضحة أصلاً، من قبيل اكتشاف نياركوس أن الاستعمار الأوروبي كان أقل من نبيل. ففيما يحكي قصة استكشاف الملك البلجيكي ليوبولد الثاني في أواخر القرن الـ19 يستخلص الكاتب أن هذه الحملة (تشير إلى أن التنقيب بهدف الربح، وليس لأي هدف إنساني، هو الكامن في صلب نوايا ليوبولد منذ أول أيام الاستعمار)".

ومن مآخذ غودمان أيضاً على الكتاب أنه في تأمله لتحول الصين إلى رائدة في السيارات الكهربائية ينصب تركيزه على أمور من قبيل السياسة الصناعية ودعم الدولة لتنشيط السوق وإنفاق الصين موارد بشرية ورؤوس أموال هائلة على تجميع سلسلة التوريد لهذه الصناعة الكثيفة الإنتاج في مجال المركبات الكهربائية، كذلك يركز على الفوضى الناجمة عن ذلك كله، لكنه لا يطرح السؤال الأهم، وهو: "هل هذه الصناعة جزء من الحل لمشكلة تغير المناخ أم أنها أحدث طواعينه؟".

يقول غودمان "لا يتناول نياركوس ما إذا كانت معايير العمل والبيئة في الصين قد تحسنت، ولا ما إذا كان يحق لنا - مثلما يلمح - أن نتخوف من توسع نفوذ الصين، لكنه يقدم خدمة جليلة بتفنيده فكرة مغرية مفادها أن علينا أن نتوقف عن التنقيب عن المعادن بسبب أضراره، إذ يخلص إلى أنه (من أجل تحقيق الأهداف المناخية بما يحقق فارقاً ملموساً في الاحترار العالمي، علينا أن نستثمر بكثافة في تنقيب ذي مسؤولية بيئية)".

ويتساءل غودمان "ما شكل هذا التنقيب المسئول بيئياً؟ تمتلئ سلسلة التوريد التي يدرسها نياركوس بأخطار وآلام تستحق كتاباً، لكننا ننتهي من هذا الكتاب ونحن لا نعرف هل ثورة البطاريات الحالية هي بداية لشيء نافع أم أنها محض مسيرة خاطئة أخرى".

ولا يبدو أن غودمان يتجنى على الكتاب فحتى تيم بوتشر الذي يبرز أهميته ويرى أنه "كتاب شجاع لكاتب شجاع" لا يسكت عن "كم الأخطاء المعلوماتية المدهش من كاتب سبق له التخصص في تدقيق المعلومات" وإذا كان يرى أنه من الممكن "تصحيح الهفوات في طبعات لاحقة" فإنه يستدرك بقوله إن "تصحيح الأخطاء وحده لن يحيي كتاباً يبدو في كثير من الأحيان أشبه بالتقارير الصحافية المطولة"، وأن "الكتاب... شأن خام الحديد الذي يستخرج من أرض الكونغو، كان بحاجة إلى شيء من الصقل كي يظهر بريقه".

العنوان: THE ELEMENTS OF POWER: A Story of War, Technology, and the Dirtiest Supply Chain on Earth 

تأليف: Nicolas Niarchos 

الناشر: Penguin Press