الإعلام وصناعة القلق في المجتمع
بقلم: د. سيروان عبدالكريم علي
لم يعد الإرهاب في عالم اليوم مقتصرًا على السلاح والمتفجرات والعمليات الانتحارية. فمع تطور التكنولوجيا وانتقال جزء كبير من حياة الناس إلى الفضاء الرقمي، ظهرت أشكال جديدة من التأثير لا تقل خطورة عن الإرهاب التقليدي، يمكن تسميتها اليوم بـالإرهاب الإعلامي. وفي سياق العراق وإقليم كوردستان، تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحًا عند مقارنة المشهد الإعلامي الحالي بما كان عليه قبل عقود. ففي ثمانينيات القرن الماضي، حين لم يكن في العراق سوى قناتين تلفزيونيتين رسميتين، كان البث التلفزيوني منظّمًا وموجّهًا لخدمة المجتمع. فقد كانت هناك ساعات مخصصة للأطفال، وبرامج ثقافية وتعليمية، ونشرات أخبار محددة، إضافة إلى برامج ترفيهية وفنية تحافظ على توازن المحتوى المقدم للمجتمع.
كانت وسائل الإعلام، رغم محدوديتها، تحاول أن تؤدي دورًا تربويًا وثقافيًا، وأن تقدم محتوى يناسب مختلف الفئات العمرية. أما اليوم، فقد تغير المشهد الإعلامي بصورة جذرية. فهناك عشرات القنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية التي تركز في معظمها على الأخبار السياسية فقط، وغالبًا ما تكون هذه الأخبار غير دقيقة أو غير مناسبة لجميع الأعمار. المشكلة لا تكمن فقط في كثرة القنوات، بل في طبيعة الخطاب الإعلامي السائد.أصبح الخوف والتوتر والقلق من الموضوعات اليومية، بما فيها موضوع الرواتب، فأغلبية الوسائل الإعلامية تدور حول موضوع الرواتب وتأخر صرفها، وتقدمه بأسلوب يثير الجدل ويغذي القلق لدى المواطنين. لقد تحولت بعض المنصات الإعلامية إلى أدوات لإنتاج حالة مستمرة من الضغط النفسي والخوف الجماعي، بدلاً من أن تكون وسيلة لنشر المعرفة والوعي. وهذا لا يؤثر فقط في الرأي العام، بل ينعكس أيضًا على سلوك السوق والاقتصاد، حيث يؤدي نشر الأخبار السلبية أو غير الدقيقة إلى خلق حالة من الذعر الاقتصادي أو المضاربات غير المشروعة. وفي هذا السياق، ظهر مصطلح (الذباب الإلكتروني) الذي أصبح شائعًا في السنوات الأخيرة. وقد يبدو المصطلح للوهلة الأولى وصفًا ساخرًا لبعض الحسابات المزعجة، لكنه في الحقيقة يشير إلى شبكات منظمة من الحسابات الرقمية التي تعمل بطريقة مشابهة لأساليب التنظيمات المتطرفة.
فهذه الجيوش الإلكترونية تتحرك بشكل منظم، وتستخدم آلاف الحسابات الوهمية أو الموجهة لنشر الشائعات، وتشويه السمعة، وإثارة الفتن، وبث خطاب الكراهية والعنصرية. وإذا كان الإرهابي في الماضي يحمل سلاحًا أو حزامًا ناسفًا، فإن (الإرهابي الإعلامي) اليوم يحمل هاتفًا أو لوحة مفاتيح يستخدمها لنشر الخوف والتحريض اللفظي ومحاولات إسكات الأصوات المختلفة. لقد أدركت بعض الجهات المتطرفة أن المعركة لم تعد فقط في ميادين القتال، بل انتقلت إلى ساحة الوعي والرأي العام. ولذلك استثمرت في إنشاء جيوش إلكترونية تمارس نوعًا جديدًا من الإرهاب يعتمد على التضليل الإعلامي وتزييف الحقائق وإرباك المجتمعات. ويزداد هذا الوضع تعقيدًا في ظل التوترات الإقليمية الحالية، خصوصًا مع تصاعد الحرب. فهذه الحرب تكاد أن تؤدي إلى انقسام سياسي واجتماعي داخل العراق، حيث تميل بعض القوى في الجنوب العراقي إلى دعم إيران، في حين تحاول حكومة إقليم كوردستان الحفاظ على موقف متوازن ومحايد لتجنب انجرار المنطقة إلى صراع إقليمي واسع.
لكن المشكلة أن الحياد في الشرق الأوسط غالبًا ما يُفسَّر على أنه موقف معادٍ، إذ يُنظر إلى من لا يقف مع طرف معين على أنه يقف ضده. ولهذا فإن الحفاظ على سياسة الحياد في مثل هذه الظروف ليس أمرًا سهلًا، ويتطلب خطابًا إعلاميًا مسؤولًا يساعد على تهدئة المجتمع بدلًا من إشعال المخاوف والانقسامات. إن خطورة الإرهاب الإعلامي تكمن في أنه يتسلل إلى العقول دون ضجيج الانفجارات، لكنه قادر على تفكيك المجتمعات من الداخل عبر نشر الشكوك والكراهية والانقسامات. ومن هنا، فإن مواجهة الإرهاب في عصرنا لم تعد مسؤولية أمنية فقط، بل أصبحت أيضًا مسؤولية إعلامية وفكرية وثقافية. فكما تحارب الدول الإرهاب المسلح لحماية الأرواح، يجب أن تحارب كذلك الإرهاب الإعلامي لحماية الوعي.فالإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو مسؤولية أخلاقية ومهنية تتطلب معايير واضحة تحمي المجتمع من التضليل والخوف المصطنع.فالوعي المستنير هو السلاح الأقوى في مواجهة حملات التضليل، وهو خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمعات وسلامها. فالإرهاب، مهما تغيرت وسائله، يبقى واحدًا في جوهره: محاولة نشر الخوف وتدمير المجتمعات، سواء كان ذلك بالسلاح أو بالكلمات.