هل هناك فرصة لبناء عالم خال من الولايات المتحدة الأميركية؟
اندبندنت عربية:ينقل الكاتب إدواردو بورتر، في تحليل نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، فكرة ما يُسمّى بـ"المسار الثالث"، أي إقامة نظام متعدد الأطراف يقلل الاعتماد على الولايات المتحدة والصين معاً، ويقوم على قواعد وتحالفات طويلة الأمد بدلاً من الصفقات الموقتة. غير أنه يشير إلى أن تحقيق هذا الهدف يبدو بالغ الصعوبة، نظراً لما يتطلبه من موارد ضخمة وتوافق سياسي بين دول تختلف أولوياتها ومصالحها.
رأى الكاتب إدواردو بورتر، في تحليل نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، أن النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يمر بمرحلة تفكك عميق، في ظل تحولات سياسية تدفع عدداً متزايداً من القادة إلى التفكير في عالم أقل اعتماداً على واشنطن.
وفي هذا السياق، أشار بورتر إلى خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس الاقتصادي، إذ أعلن أن النظام الذي رعته الولايات المتحدة طوال ثمانية عقود "انتهى"، معتبراً أن الفكرة التي قامت عليها مرحلة ما بعد الحرب – أي أن الترابط الاقتصادي يعزز السلام والازدهار – لم تعد فاعلة، بعدما تحوّلت أدوات الاقتصاد العالمي إلى وسائل ضغط وصراع.
وبحسب ما أورده الكاتب في "الغارديان"، فإن هذا التقييم لم يقتصر على كندا. ففي مؤتمر ميونيخ للأمن، حذّر المستشار الألماني فريدريش ميرتس من أن النظام القائم على القواعد "يتعرض للتدمير"، بينما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أن تصبح أوروبا "قوة جيوسياسية"، وشدد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على ضرورة تعزيز "القوة الصلبة" في مواجهة عالم أكثر اضطراباً.
"المسار الثالث" بين الطموح والواقع
ينقل بورتر في تحليله فكرة ما يُسمّى بـ"المسار الثالث"، أي إقامة نظام متعدد الأطراف يقلل الاعتماد على الولايات المتحدة والصين معاً، ويقوم على قواعد وتحالفات طويلة الأمد بدلاً من الصفقات الموقتة. غير أنه يشير إلى أن تحقيق هذا الهدف يبدو بالغ الصعوبة، نظراً لما يتطلبه من موارد ضخمة وتوافق سياسي بين دول تختلف أولوياتها ومصالحها. ويضيف أن التحركات الجارية – من تكثيف الشراكات مع الصين، إلى إحياء اتفاقات تجارية قديمة، وصولاً إلى نقاشات حول تقليل الاعتماد على الدولار – تبدو أقرب إلى محاولات لإدارة الأخطار منها إلى مشروع متكامل لإعادة بناء النظام العالمي.
كلفة تراجع الدور الأميركي
ويؤكد بورتر أن الانتقادات الموجهة إلى السياسات الأميركية لا تلغي حقيقة أن واشنطن وفّرت طوال عقود "سلعاً عامة" أساسية للنظام الدولي، من قواعد التجارة وآليات تسوية النزاعات، إلى الدولار كعملة احتياط رئيسة، وسندات الخزانة كملاذ آمن، فضلاً عن ترتيبات أمن جماعي أسهمت في احتواء أزمات متعددة.
وبحسب التحليل، فإن دولاً كبرى مثل اليابان لا تزال تعتمد على الضمانات الأمنية الأميركية، كذلك الاتحاد الأوروبي، على رغم ثقله الاقتصادي، يواجه صعوبة في الخروج من ظل واشنطن، بخاصة في ظل التحديات الأمنية في جواره.
الصين ليست بديلاً جاهزاً
ويتناول الكاتب أيضاً فرضية صعود الصين كقوة بديلة تقود نظاماً جديداً، لكنه يشير إلى أن بكين لا تبدو راغبة في تبني دور قيادي ليبرالي متعدد الأطراف، كذلك تثير سياساتها التجارية تحفظات لدى شركائها، ما يجعل انتقال القيادة العالمية إليها أمراً غير محسوم.
نحو عالم أكثر سيولة
ويخلص بورتر في مقاله بـ"الغارديان" إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في قيام نظام عالمي جديد متماسك، بل في مرحلة من السيولة الاستراتيجية، حيث تتشكل تحالفات مرنة وموقتة تقوم على حسابات المصالح الضيقة، لا على منظومة قيم وقواعد مشتركة.
وفي مثل هذا العالم، كما يحذر الكاتب، قد تتراجع القدرة على إدارة التجارة والتمويل الدوليين ضمن أطر واضحة، ويزداد منطق القوة على حساب التعاون، ما يجعل النظام الدولي أقل استقراراً وأقل ازدهاراً مقارنةً بالمرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.