طول الحرب... اللاعب الأخطر في أسواق النفط
غالب درويش
في أسواق النفط، لا تكون التوترات الجيوسياسية في حد ذاتها هي العامل الحاسم، بل مداها الزمني، فالحروب القصيرة تُحدث "صدمة سعرية"، أما الحروب الطويلة فتُعيد تشكيل السوق بالكامل.
في المدى القصير، تتفاعل الأسعار فوراً مع الأخطار، خصوصاً إذا ارتبطت بممرات حيوية مثل مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله قرابة ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، إذ تقفز الأسعار بفعل القلق وليس بسبب نقص فعلي في الإمدادات، وهذا النوع من الارتفاع غالباً ما يكون سريعاً وموقتاً، ويقوده عامل نفسي ومضاربات مكثفة.
ولكن مع امتداد أمد الحرب، يبدأ التأثير الحقيقي في الظهور عبر ثلاث محددات رئيسة، أولها الإمدادات إذ إن الحروب الطويلة تزيد احتمالات تعطل الإنتاج أو التصدير، سواء بسبب استهداف البنية التحتية أو صعوبة التشغيل. ومع الوقت، تتحول الأخطار النظرية إلى نقص فعلي، مما يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى وأكثر استقراراً.
أما المحدد الثاني فيتمثل في سلوك المنتجين، لا سيما وأن الدول المنتجة، خصوصاً ضمن "أوبك"، تعيد ضبط سياساتها الإنتاجية، ففي الأزمات الممتدة، قد تتجه إلى إدارة المعروض بحذر للحفاظ على استقرار السوق أو تعظيم العوائد، مما يضيف بعداً استراتيجياً للأسعار يتجاوز الحدث العسكري نفسه.
من حيث الطلب العالمي كمحدد ثالث، فعلى عكس الصدمات القصيرة، تؤثر الحروب الطويلة على النمو الاقتصادي، مما قد يضعف الطلب تدريجاً، وهنا يظهر التناقض بين نقص الإمدادات الذي يدفع الأسعار صعوداً وتباطؤ الاقتصاد الذي يضغط عليها هبوطاً، والنتيجة تكون سوقاً أكثر تعقيداً وتقلباً.
بجانب أن طول أمد الحرب يعيد تشكيل خريطة التدفقات النفطية، عبر البحث عن مسارات بديلة، وزيادة الاعتماد على مخزونات استراتيجية، وتسارع الاستثمارات في البنية التحتية، وهو مما يخلق تأثيرات تمتد لأعوام وليس أشهر.
من تقلبات موقتة إلى تحولات هيكلية عميقة
كلما طالت الحرب، انتقلت السوق من "تسعير الخطر"، إلى "تسعير الواقع"، ومن تقلبات موقتة إلى تحولات هيكلية عميقة في العرض والطلب والتسعير.
هذه التحولات تنعكس بوضوح في حركة الأسعار، إذ تجاوز خام "برنت" مستويات 100 دولار للبرميل، مدفوعاً بتراجع آمال التهدئة، قبل أن تظهر مؤشرات إلى إرهاق اقتصادي في عدد من الأسواق، خصوصاً الناشئة، مما انعكس في تراجع الطلب.
وتدعم بيانات وكالة الطاقة الدولية هذا الاتجاه، مع انخفاض الاستهلاك بنحو 800 ألف برميل يومياً، بالتزامن مع إعادة توجيه التدفقات النفطية نحو حوض الأطلسي، إذ ارتفعت حصة الإمدادات من الولايات المتحدة والبرازيل لتغطية احتياجات أوروبا.
وفي المقابل، تراجعت المخزونات الاستراتيجية إلى مستويات متدنية، مما يعكس اعتماداً متزايداً على حلول قصيرة الأجل، وخلق ما يمكن وصفه بـ"توازن قلق"، إذ تتراجع الأسعار على رغم استمرار التوترات، نتيجة تكيف تدريجي مع واقع لوجيستي أكثر تعقيداً وكلفة.
عامل حاسم
يرى متخصصون في أسواق النفط الغاز، في حديثهم إلى "اندبندنت عربية"، أن العامل الحاسم لم يعد الحدث الجيوسياسي نفسه، بل امتداده الزمني، إذ تتحول الصدمات الموقتة إلى تحولات عميقة كلما طال أمد التوتر، خصوصاً في مناطق العبور الحيوية، مؤكدين أن السوق باتت تسعّر احتمالات التعطل بقدر تسعيره للواقع.
حرب نفطية اقتصادية
قال المدير العام لتسويق النفط بوزارة الطاقة في سلطنة عمان علي الريامي، إن ما يحدث يتجاوز كونه أزمة تقليدية، واصفاً المشهد بـ"حرب نفطية اقتصادية" تدور في الممرات الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، مؤكداً أن طول أمد الحرب هو العامل الأكثر تأثيراً في السوق، في ظل محدودية البدائل وصعوبة إعادة رسم خرائط التدفقات سريعاً.
ترجيح بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة
وفي السياق ذاته، أشار المتخصص في شؤون الطاقة عامر الشوبكي، إلى أن مسار الحرب وطبيعة استهداف البنية التحتية سيحددان شكل السوق في المرحلة المقبلة، مع ترجيح بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة لفترة ممتدة، نتيجة تعطل الإمدادات وتأخر إصلاح المنشآت، لافتاً إلى أن "علاوة المخاطر" لم تعد موقتة، بل تتجه لتصبح جزءاً شبه دائم من معادلة التسعير، مع أخطار دفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي.
اضطراب هيكلي في تدفقات الخام العالمية
وفي امتداد لهذه القراءة، أكد المتخصص في الشأن الاقتصادي الدولي محمد كرم أن تأثير الحرب تجاوز التذبذبات السعرية ليصل إلى اضطراب هيكلي في تدفقات النفط العالمية، موضحاً أن طول أمد الصراع يدفع الفاعلين الدوليين إلى الانتقال من الحلول الموقتة إلى استراتيجيات تحوط طويلة الأجل لضمان استمرارية الإمدادات.
وأشار كرم إلى أن غياب الأفق السياسي الواضح منح شركات الطاقة والمؤسسات التجارية مبرراً لفرض علاوات تأمين وقيود سعرية إضافية، مما جعل استقرار الأسعار أكثر ارتباطاً بأمن مسارات الإمداد منه بحجم الإنتاج.
وأضاف أن هذه التطورات تعيد رسم "جغرافيا الطاقة" عالمياً، في وقت تستحضر فيه الأسواق دروس أزمات السبعينيات، مما يدفع الدول إلى تسريع الاستثمار في مسارات تصدير بديلة وبنية لوجيستية أقل عرضة للأخطار، مؤكداً أن أمن الطاقة في المرحلة المقبلة سيتحدد بقدرة الدول على تنويع ممرات التصدير وتقليل الاعتماد على الممرات المهددة.
رسم خرائط التدفقات
وفي المحصلة، لم يعد النفط يتحرك وفق صدمات موقتة، بل دخل مرحلة يعاد فيها تشكيل النظام الطاقي العالمي، إذ تتحول الحروب الطويلة من عامل داعم للأسعار إلى قوة تعيد رسم خرائط التدفقات وتعيد تعريف العلاقة بين العرض والطلب، في سوق باتت يقودها الزمن أكثر من الحدث.