رحيل الأب: الألم الذي لا يشيخ
بقلم: ديمن هورامي
هناك أنواع من الفقد تمرّ على الإنسان كعاصفة، تهدم شيئًا ثم ترحل، وهناك فقدٌ آخر لا يرحل أبدًا… بل يبقى ساكنًا في الروح، يتنفس معنا بصمت، ويكبر كلما كبرنا. وفقدان الأب من ذلك النوع الذي لا يُشفى منه الإنسان مهما مرّ الزمن، لأنه لا يفقد شخصًا فقط، بل يفقد شعورًا كاملًا بالأمان.
الأب ليس مجرد فرد في العائلة، بل هو الجدار الذي نتكئ عليه دون أن نشعر، والصوت الذي يمنحنا الطمأنينة حتى في أصعب الأيام. وجوده وحده كان كافيًا ليجعل الحياة أقل قسوة، وأكثر احتمالًا. وحين يرحل، لا يترك فراغًا في البيت فقط، بل يترك فراغًا هائلًا داخل القلب، فراغًا لا يراه الناس… لكنه ينهك صاحبه كل يوم.
المؤلم في فقدان الأب أن الحياة لا تتوقف بعده احترامًا للحزن. العالم يستمر بصورة طبيعية، بينما الشخص الذي فقد والده يشعر وكأن الزمن انكسر داخله. يضحك أحيانًا، يتحدث، يخرج، وربما يبدو بخير أمام الجميع، لكنه في داخله يحمل حربًا صامتة لا يسمع صوتها أحد. حرب تبدأ كلما احتاج كلمة “لا تخف، أنا معك” ولم يجدها.
بعد رحيل الأب، يكبر الإنسان بطريقة مختلفة؛ يصبح أكثر صمتًا، أكثر خوفًا من الفقد، وأكثر إدراكًا لقسوة الحياة. يفقد جزءًا من طفولته مهما كان عمره، لأن الأب ليس عمرًا نعيشه، بل شعور نحتمي به. ولذلك، حتى الرجال الأقوياء ينكسرون سرًا حين يرحل آباؤهم، وحتى النساء اللواتي اعتدن الصبر يشعرن أن شيئًا من أرواحهن قد انطفأ إلى الأبد.
أصعب ما في الأمر أن الحنين لا يهدأ. يبقى الإنسان مشتاقًا لصوت أبيه، لنصائحه العادية، لتفاصيله الصغيرة التي لم يكن يظن يومًا أنها ستصبح أثمن الذكريات. يشتاق لطريقته في النداء، لملامحه حين يغضب، وحتى لصمته. فالموت لا يأخذ الأشخاص فقط، بل يأخذ معهم نسخة مختلفة منا… نسخة كانت أكثر أمانًا وطمأنينة.
ومع مرور السنوات، لا يختفي الوجع كما يعتقد الناس، بل يتغير شكله فقط. يصبح أكثر هدوءًا، لكنه أعمق. قد يختبئ خلف الابتسامات، لكنه يظهر فجأة في موقف بسيط، أو في نجاح كان الإنسان يتمنى أن يراه والده، أو في ليلة ثقيلة يشعر فيها أن العالم كله لا يشبه حضن أبيه.
رحيل الأب ليس حدثًا عابرًا في حياة الأبناء، بل زلزال داخلي يعيد تشكيل أرواحهم بالكامل. وبعض الآلام لا تُنسى، لأنها لم تكن مجرد حزن… بل كانت اقتلاعًا لجزء من القلب لن يعود أبدًا.