رؤى نيجيرفان بارزاني في أنطاليا 2026م وتوجهاته.
د .هوشيار مظفر علي امين ود .زياد حمد الصميدعي وا.. اكرم طالب الوشاح و ا. طالب كاظم سعداوي
" نتذكر جميعنا اضطهاد وظلم الأمس، ونذكر جميعنا الاعتقالات والقتل والتهجيروالحرق والتدمير والقصف الكيمياوي والأنفال والإبادة العرقية، ولن ننساها. لكن كلذلك لم يتمكن من تحطيم إرادة الكورد وشعب كوردستان في الحياة والحرية والكرامة،لأن الكورد، ومع الشعلة الأولى لكل نوروز، ينهضون من جديد ويبدأون ثانية وبحماسةأعظم."
نيجيرفان بارزاني 21 اذار2012
::::
::::
في لحظة دولية مثقلة بالتحولات العميقة والتوترات المتشابكة، تتجه الأنظار إلى مدينة أنطاليا التركية حيث تنعقد النسخة الخامسة من منتدى أنطاليا الدبلوماسي، ذلك الفضاء الذي بات خلال سنوات قليلة منصة اختبار حقيقية لموازين القوى، ومختبرا مفتوحا لإعادة تعريف أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين، وفي هذا السياق تكتسب مشاركة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني أهمية استثنائية، ليس فقط بوصفه ممثلا لكيان سياسي داخل العراق، بل باعتباره صوتا سياسيا يسعى إلى صياغة رؤية تتجاوز الإقليم نحو مقاربة أوسع لأزمات الشرق الأوسط وتقاطعاتها الدولية.
يأتي انعقاد المنتدى برعاية الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وتحت شعار رسم ملامح المستقبل، وهو شعار لا يحمل بعدا رمزيا فحسب، بل يعكس إدراكا تركيا متزايدا بأن النظام الدولي يمر بمرحلة إعادة تشكل، وأن الفراغات الناشئة عن تراجع أدوار قوى تقليدية تفتح المجال أمام قوى إقليمية لصياغة أدوار جديدة، ومن هنا فإن تركيا عبر هذا المنتدى تحاول أن تطرح نفسها بوصفها قوة دبلوماسية وسطية، قادرة على الجمع بين التناقضات، وإدارة التوازنات، وفتح قنوات الحوار في أكثر الملفات تعقيدا.
ضمن هذا الإطار، لا يمكن قراءة حضور نيجيرفان بارزاني بوصفه مشاركة بروتوكولية، بل هو امتداد لمسار سياسي يتبناه منذ سنوات، يقوم على مبدأ الانفتاح، والتوازن، وتغليب لغة الحوار على الصراع، وهو نهج ينسجم مع طبيعة المنتدى ذاته، الذي تأسس عام 2021 بمبادرة من وزارة الخارجية التركية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث كانت المنطقة على أعتاب تحولات كبرى، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وصولا إلى الأزمات المزمنة في ليبيا وناغورني قره باغ.
لقد شكّل المنتدى منذ انطلاقه منصة سنوية تجمع نخبة من القادة وصناع القرار والمفكرين، ليس فقط لتبادل الآراء، بل لمحاولة إنتاج مقاربات عملية للتعامل مع الأزمات، وهو ما يمنح المشاركين فيه فرصة نادرة لتقديم رؤاهم ضمن سياق دولي واسع، وهنا تبرز أهمية مشاركة بارزاني، الذي سبق له أن حضر نسخة 2025، حيث قدم آنذاك رؤى لافتة حول مستقبل العراق، ودور إقليم كوردستان في تحقيق الاستقرار، ولقائه باحمد الشرع للدفاع عن كورد سوريا، إضافة إلى مقارباته بشأن العلاقات الإقليمية، وهي مداخلات تركت صدى واضحا في أروقة المنتدى يومذاك.
في نسخة 2026، تبدو التحديات أكثر تعقيدا، فالتوترات العالمية لم تعد محصورة في صراع تقليدي بين قوى كبرى، بل باتت تتخذ أشكالا متعددة، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية مع الاقتصادية والتكنولوجية، وفي قلب هذه المعادلة يقف الشرق الأوسط كأحد أكثر الأقاليم تأثرا، وهنا يسعى بارزاني إلى تقديم رؤية تقوم على أن استقرار العراق وإقليم كوردستان لا يمكن فصله عن استقرار الإقليم ككل، وأن أي مقاربة للأزمات يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الترابط العميق بين الملفات.
من أبرز القضايا التي يُتوقع أن يطرحها بارزاني في مشاركته، مسألة موقع العراق في التوازنات الإقليمية، فالعراق منذ سنوات يعيش حالة من التداخل بين صراعات الجانب الدولي والإقليمي، وهو ما يفرض على قياداته تبني سياسات دقيقة تقوم على تحقيق التوازن بين هذه القوى، دون الانزلاق إلى محاور صراعية، وفي هذا السياق، يمثل إقليم كوردستان نموذجا نسبيا لسياسة الانفتاح، حيث حافظ على علاقات متوازنة مع أطراف متعددة، وهو ما يسعى بارزاني إلى تعزيزه وتقديمه كنموذج يمكن البناء عليه.
ونموذجه موقف كوردستان برئاسة نيجيرفان من الحرب الحالية وحرب الاثني عشر يوما السابقة وتعرض الاقليم القصف وتوازنه رغم الخسائر.
أما فيما يتعلق بأزمات الشرق الأوسط، فإن رؤية بارزاني تنطلق من أن جذور هذه الأزمات ليست فقط سياسية، بل تمتد إلى عوامل اقتصادية واجتماعية، وأن الحلول العسكرية وحدها لا يمكن أن تنتج استقرارا دائما، ومن هنا فإن مشاركته في المنتدى تمثل فرصة لطرح مقاربة شاملة تقوم على تعزيز الحوار الإقليمي، وإعادة بناء الثقة بين الدول، وتفعيل الأطر الدبلوماسية متعددة الأطراف.
في سياق أكثر حساسية، تبرز مسألة التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وحديث السلام اليوم بعد غلق وحصار هرمز، وهي واحدة من أخطر التحديات التي تواجه المنطقة حاليا، إذ أن أي انزلاق نحو مواجهة مفتوحة سيؤدي إلى تداعيات كارثية على دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق، وهنا يُتوقع أن يطرح بارزاني موقفا يقوم على الدعوة إلى التهدئة، ورفض تحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح، مع التأكيد على أهمية الحلول الدبلوماسية.
غير أن هذه القضية لا تنفصل عن واقع إقليم كوردستان، الذي تعرض في فترات متكررة لقصف بالمسيرات ، بحجة استهداف جماعات معارضة، او استهداف عدو ما، وهو ما يضع الإقليم في قلب التوترات الإقليمية، ويجعل من أمنه جزءا من معادلة أوسع، وفي هذا السياق، يسعى بارزاني إلى إيصال رسالة واضحة مفادها أن استقرار الإقليم يجب أن يكون أولوية، وأن استخدام القوة عبر الحدود لا يمكن أن يكون حلا، بل يزيد من تعقيد المشهد.
إن هذه الرؤية تعكس محاولة لإعادة تعريف دور إقليم كوردستان، فهو عراق مصغر في قلب العراق، لا بل كفاعل إقليمي يسعى إلى لعب دور إيجابي في تخفيف التوترات، وهو توجه لا يتقاطع مع الرؤية التركية التي يسعى المنتدى إلى ترسيخها، والمتمثلة في بناء نظام إقليمي قائم على الحوار والتوازن، بدلا من الصراع والاستقطاب.
من جهة أخرى، فإن مشاركة بارزاني تأتي في سياق سعي تركيا إلى توسيع شبكة علاقاتها الدولية، وتعزيز موقعها كوسيط محتمل في الأزمات، وهو ما يجعل من المنتدى أداة دبلوماسية مهمة في هذا الاتجاه، حيث يتم من خلاله جمع أطراف متباينة في مكان واحد، وفتح قنوات تواصل غير رسمية قد تسهم في تخفيف التوترات.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة حضور بارزاني أيضا كجزء من تفاعل أوسع بين بغداد وأربيل وأنقرة، حيث تشهد العلاقات بينهما تطورا ملحوظا، يقوم على المصالح المشتركة، سواء في المجال الاقتصادي أو الأمني، وهو ما ينعكس بدوره على طبيعة الدور الذي يمكن أن يلعبه العراق الإقليم في المعادلات الإقليمية بعد نهاية هذه الحرب وسط مفاوضات باكستان.
إن ما يميز رؤية بارزاني هو أنها لا تقتصر على تشخيص الأزمات، بل تحاول تقديم مقاربات عملية، تقوم على تعزيز الشراكات، وتوسيع آفاق التعاون، وهو ما يتماشى مع أهداف المنتدى، الذي يسعى إلى تجاوز الخطاب السياسي التقليدي، والانتقال إلى مرحلة أكثر واقعية في التعامل مع التحديات.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن مشاركة بارزاني في منتدى أنطاليا 2026 تمثل فرصة لإعادة طرح رؤية العراق وإقليم كوردستان في سياق دولي، وإبراز دورهما كفاعل واحد يسعى إلى تحقيق الاستقرار، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على مستوى المنطقة بأكملها، وهو ما يعكس تحولا في طبيعة الدور الذي يلعبه العراق والإقليم.
كما اكد نيجيرفان مرارا .
كما أن هذه المشاركة تعكس إدراكا متزايدا لدى القيادة الكوردستانية بأن التحديات التي تواجهها لم تعد محلية، بل هي جزء من شبكة معقدة من التفاعلات الدولية، وهو ما يفرض عليها الانخراط بشكل أكبر في المنصات الدولية، وتقديم رؤى تتناسب مع هذا الواقع.
في النهاية، فإن دور نيجيرفان في أنطاليا لا يمثل مجرد حدث دبلوماسي، بل هو محطة مهمة في مسار إعادة تشكيل الأدوار الإقليمية، وفي هذا السياق، فإن حضور نيجيرفان بارزاني يحمل دلالات تتجاوز اللحظة، ليعكس توجها استراتيجيا نحو الانفتاح، والتوازن، والسعي إلى لعب دور فاعل في رسم ملامح مستقبل المنطقة، في زمن لم يعد فيه الحياد خيارا، بل أصبح التوازن هو المعادلة الأكثر واقعية.
وهو بعض استراتيجيات نيجيرفان العراقية العراقية من قبل ومن بعد.