توظيف نيجيرفان بارزاني للعلاقات العامة في بناء الصورة الذهنية لكوردستان لدى المتلقي العراقي والعربي والإقليمي والدولي دراسة تحليلية في رئاسته لحكومة الإقليم بوصفها منظومة اتصال سياسي
خاص لموقعhiwar/ا م د .هوشيار مظفر علي امين في عالم يتغيّر بوتيرة متسارعة، لم تعد الدول تُقاس فقط بمواردها أو حدودها، بل بقدرتها على صناعة صورتها وإقناع العالم بها. وفي حالة الكيانات غير المستقلة بالكامل أو التي لم تحظَ باعتراف دولي شامل، تصبح العلاقات العامة أداة سيادية، وجهازاً سياسياً موازياً. إقليم كوردستان العراق مثال دقيق على ذلك. لكن المثال لا يكتمل إلا بفهم الدور الذي لعبه أحد أبرز صانعي الصورة الكوردية الحديثة: نيجيرفان بارزاني. عملي هاهنا سيحلل، من منظور علاقات عامة استراتيجية، كيف وظّف نيجيرفان بارزاني أدوات التواصل السياسي والمؤسسي لتثبيت صورة ذهنية للإقليم لدى جمهور متنوع: الكورد، العراقيين، العرب، الإقليميين، والمجتمع الدولي. فالعلاقات العامة ليست مجرد ترويج، بل فن إدارة الانطباعات الجماهيرية، وصناعة السمعة المؤسسية، وتعزيز شرعية المؤسسات.
في السياقات الانتقالية والكيانات غير المكتملة السيادة، تأخذ العلاقات العامة بعداً سيادياً، حيث تصبح أداة لتثبيت الهوية السياسية، وكسب الدعم، وتوجيه الخطاب العام.
تُبنى الصورة الذهنية بناءً على:
• الرسائل الرسمية وشخصيات القادة
• الظهور الإعلامي
• إدارة الأزمات
• السلوك الاتصالي للمؤسسات
• ردود الأفعال على القضايا الساخنة
واذا كان ذلك كذلك فمنذ بدايات ظهوره السياسي، تبنّى نيجيرفان بارزاني أسلوباً خاصا به باستراتيجية تقديم صورة الكورد للراي العام.
كان أقل خطابية، وأكثر عقلانية.
ابتعد عن اللغة الاندفاعية عندما يكون الموقف يتطلب تهدئة، واستخدمها عندما كان السياق بحاجة لتثبيت الرمزية.
لم يكن ظهوره صدفة، بل محسوباً، متناغماً مع رسائل مؤسسات الإقليم، ومستجيباً للسياق السياسي في بغداد أو العواصم الإقليمية.
وله استنادا لذلك حضور متعدّد الطبقات:
• في الإعلام الكوردي: يُقدّم بوصفه رجل الدولة القريب، المتزن، غير التصادمي
• في الإعلام العراقي: يُظهر كقائد واقعي يوازن بين الدستور والحقوق
• في الإعلام العربي: يُستقبل بوصفه شخصية عراقية/كوردية،معتدلة، حريصة على استقرار العراق وكوردستان والمنطقة
• في الإعلام الدولي: يُعرض كوجه كوردستان الحديث، المتعاون مع القيم الديمقراطية والاقتصاد الحر
ومن ثم يثور السؤال: كيف وظّف نيجيرفان بارزاني العلاقات العامة؟
والجواب انه فعلها باستراتيجيته الخاصة وتوقيعه الاجتهادي ب:كل من الاليات التالية:
ا.تكامل القيادة والشخصية مع جهاز العلاقات العامة
خلال رئاسته لحكومة الإقليم في دوراتها المتعددة، ومناصبه الاخرى وموقعه الحزبي ،أسس نيجيرفان بارزاني شبكة علاقات عامة تمتد من رئاسة الحكومة إلى مكاتب الوزارات إلى التمثيل الخارجي.
ووضع قواعد اتصال مؤسسية تعتمد على:
• توحيد الخطاب الرسمي
• تدريب الناطقين الرسميين
• صياغة الرسائل وفق فئات الجمهور (عراقي – كوردي-عربي – دولي)
• توزيع الأدوار الاتصالية: بعض الوزراء يظهرون تقنياً، والبعض الآخر إعلامياً، وهو يقدّم نفسه بوصفه الجسر
ب.هندسة الصورة الذهنية للقائد في إدارة الأزمات
في كل أزمة، لم يكن الخطاب الكوردي يخرج عشوائياً.
فعند الخلافات مع بغداد، كان نيجيرفان بارزاني يصرّ على الخطاب التشاركي.
حتى بعد ازمات الرواتب القديمة الحديثة وعقب الخلافات على حق كوردستان قي نفطها، كان أول من تبنّى لغة تهدئة، وعاد إلى الحديث عن “الحل ضمن الدستور”، وليس “المواجهة”.
ج.الحضور الإعلامي المبرمج
لم يكن ظهوره الإعلامي مفرطاً ولا غائباً، بل محسوباً.
عند استضافة قادة دول، يُركّز على بثّ الرسائل الإقليمية والدولية.
في المؤتمرات الصحفية الداخلية، يُعطي مساحة للأسئلة، ويشرح السياسات.
في المنتديات الدولية، كميوتخ ودافوس وانطاليا وفي زياراته لبغداد ومؤتمراتها يُحضّر بالرسائل الدقيقة، ويتحدث بلغة المؤسسات الغربية.
وهو جهد رجل علاقات عامة محترف.
وينبثق السؤال الثاني: كيف انعكس الخطاب الخاص بنيجيرفان على مختلف المتلقين؟
1. الجمهور الكوردي الداخلي
• وجد في نيجيرفان نموذجاً عقلانياً واقعيا يمتد فيه ارث البارزانيين
• ربط صورته بالكفاءة الإدارية لا بالشعارات
• الخطاب المتزن جذب الطبقات الوسطى، والنخب، والمثقفين
2. الجمهور العراقي
• تعامل مع الخطاب الكوردي لنجيرفان بوصفه تصالحيًا وهومقبول عراقيا قبولا عاما بل ويرشحه كثيرون لرئاسة العراق.
• رسائل نيجيرفان أضعفت اتهام الكرد ب:خطاب “التقسيم والانفصال”
• أظهر التزاماً واضحاً بالدستور، ما عزز قبوله في بغداد
3. الجمهور العربي والإقليمي
• في الخليج، استُقبل باعتباره “الواجهة الاقتصادية المعتدلة” لكردستان
• في تركيا، لم يُنظر له كخصم بل كشريك تفاهم اقتصادي ومفاوض عراقي وكوردي
• في إيران، حافظ على لهجة تواصل متوازنة لم تُدخل الإقليم في محور مضاد وسط ماقبل واثناء وبعد حرب الاثني عشر يوما.
4. الجمهور الدولي
• مراكز الأبحاث الغربية بدأت التعامل معه كصوت يمكن الوثوق به
• المقابلات الصحفية التي أجراها أبرزت إقليم كردستان كمنطقة استقرار
• استثمار العلاقة مع المؤسسات الفكرية (مثل المجلس الأطلسي، وChatham House) عزز صورة كردستان كمشروع سياسي مدني مع حضوره المنتديات والمؤتمرات الدولية الامنية والسياسية والاقتصادية وغيرها بصفته العراقية والكوردية.
وهذه بعض الأمثلة تطبيقية على بناء الصورة الاتصالية
أ. المنتدى الاقتصادي العالمي – في دافوس في سنواته:
• قدم نيجيرفان بارزاني صورة القائد العراقي الموردي الإقليمي الذي يفكر بعقلية اقتصادية
• تحدث عن العراق يم كوردستان بوصفهما ضمن حملة علاقاته العامة الذاتية: منطقة استثمار وشراكة، لا أزمة
ب. إدارة أزمة كورونا
• ظهوره الإعلامي المنتظم أعطى ثقة للرأي العام
• قدّم معلومات واضحة، بلغة عقلانية، وتعاون مع الجهات الصحية
• دعم خطاب “الشراكة مع بغداد” في مواجهة الوباء
ج. العلاقات مع الفاتيكان والأمم المتحدة
• وظّف هذه العلاقات لصناعة صورة كوردستان كمنطقة للتسامح وحماية الأقليات واخر ذلك كلمته عن وفاة البابا فرنسيس
• صُوّرت أربيل كمركز إنساني في مشاركة مع بغداد وعموم العراق .
ولعل ابرز شهادات نجاحاته في حملاته المنظمة للعلاقات العامة العراقية والكوردية:
ان معهد الشرق الأوسط MEI وصف نيجيرفان بأنه “القائد الذي يعرف كيف يصنع التوازن بين الداخل والخارج”
ان تحليلا في مجلة Foreign Affairs: جعل:"إقليم كوردستان لا يملك اعترافاً دولياً، لكنه يملك ناطقاً مقنعاً اسمه نيجيرفان بارزاني”
ان هناك رأي في الدوائر الأوروبية: غالباً ما يُعتبر نيجيرفان بارزاني بأنه: “الرجل الذي يمكن التحدث معه عندما تُذكر كوردستان"
وارى في احتهادي في تحليل عمل نيجيرفان بارزاني في استراتيجياته للعلاقات العامة للعراق ولكوردستان ان ما فعله نيجيرفان بارزاني ليس عملاً علاقاتياً فردياً فقط، بل تأسيساً لنموذج اتصال سياسي حكومي عراقي عام وكوردي خاص ،فيه انسجام بين الشخصية والخطاب وفيه استراتيجية طويلة الأمد وفيه مراعاة للخصوصيات الثقافية لكل جمهور، ولقد نجح في تحويل موقعه العراقي والرئاسة في الاقليم إلى جهاز علاقات عامة يخاطب المتلقي الدولي والاقليمي والعرببي والعراقي بنفس الاحترافية التي يخاطب بها المواطن في اربيل وحلبجة ودهوك أو السليمانية.
واقترح ضمن توصياتي التحليلية:
• تحويل ممارسات نيجيرفان بارزاني إلى نموذج تدريبي للمؤسسات الأخرى
• توثيق خطاباته وتفاعلاته إعلامياً وأكاديمياً
• تأسيس مركز دراسات للاتصال السياسي والعلاقات العامة الاتصالية السياسية في أربيل
• تأهيل ناطقين كورد رسميين بروح النموذج ذاته: عقلانية، وضوح، انضباط ليجسدوا عمل نيجيرفان العراقي والكوردي.
نيجيرفان بارزاني رجل العلاقات العامة العراقي الكوردي الكجيد لوظيفته الاتصالية بصناعة رأي عام للعراق وكوردستان وهو ما نجح فيه أي نجاح.