الاتفاق بين قسد والحكومة المؤقتة: كيف شكّلت رئاسة الإقليم والشارع الكوردي محور النجاح السياسي قبل انفجار الإقليم؟

يناير 30, 2026 - 23:07
الاتفاق بين قسد والحكومة المؤقتة: كيف شكّلت رئاسة الإقليم والشارع الكوردي محور النجاح السياسي قبل انفجار الإقليم؟

أ.م.د. سيروان ٲنور مجيد

(1)

في خطوة سياسية مفصلية، وُقّع اتفاق شامل بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية الانتقالية، ليُثبت أن الانتصارات السياسية لا تُقاس بما يُكتب في البيانات، بل بما يُحصن على الأرض. لم يكن جوهر الاتفاق في صيغته الشكلية، بل في نتائجه الملموسة: السلاح بقي في يد القوة نفسها، والقيادة ظلّت بيد قيادتها، والجغرافيا بقيت تحت حماية أهلها، وهو ما يُجسّد تحصينًا وجوديًا حقيقيًا، يتجاوز كونه مجرد تنازل لغوي أو صياغة تقنية.

(2)

نصّ الاتفاق على بقاء قسد ككتلة عسكرية واحدة من خلال تشكيل فرقة تضم ثلاثة ألوية من عناصرها، تتبع شكليًا لوزارة الدفاع السورية، مع تكوين لواء كردي في كوباني لحماية المنطقة هناك. هذه الصيغة تحاكي إلى حد كبير التجربة المعمول بها في جنوب كوردستان، حيث توجد مظاهر سيادية اتحادية، بينما تبقى القوة العسكرية الفعلية متماسكة بقيادتها وانتشارها. الدولة هنا إطار، لا أداة تفكيك.

(3)

ميدانيًا، أُغلق باب الحرب عبر انسحاب قوات وزارة الدفاع من أطراف الحسكة وكوباني، مقابل دخول عدد محدود من عناصر وزارة الداخلية إلى مربعين أمنيين في القامشلي والحسكة. هذا الوجود رمزي ومؤقت، لا يملك صلاحيات فعلية، ووظيفته محصورة بتسهيل عودة مؤسسات سيادية محددة مثل الهجرة والجوازات والأحوال المدنية. المعنى السياسي واضح: منع التمدد، لا فتحه.

(4)

تظل بعض الملفات الحساسة، مثل عائدات النفط وآليات إدارة المعابر، مفتوحة ولم تُحسم بعد، في قرار واعٍ لتأجيل القضايا الثقيلة في مرحلة لا تحتمل أي شرارة قد تُشعل صراعًا داخليًا. جاء الاتفاق في توقيت دقيق وحساس، مع تصاعد احتمالات صراع إقليمي واسع، بما في ذلك الحديث عن ضربات محتملة ضد إيران، ما يجعل أي احتكاك داخلي في شمال شرق سوريا مغامرة محفوفة بالمخاطر، قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة.

(5)

هذا، وإنّ تحييد تركيا كان عنصرًا أساسيًا في التهدئة. الضغوط الدولية التي مورست لوقف التصعيد وعدم الانجرار خلف المطالب التركية ليست تفصيلًا، بل جزء من هندسة التهدئة، لتوجيه رسالة واضحة: أي انزلاق جديد ستكون له كلفة سياسية واقتصادية عالية.

(6)

على صعيد استعادة المناطق المحتلة، مثل عفرين وسري كانيه وكري سبي، أصبح المسار الواقعي يبدأ بإعادة الأهالي، وبناء إدارة محلية من أبناء المنطقة، وتفعيل لجان شعبية وقوى أمن داخلي، لتثبيت حياة يومية مستقرة، مع سحب الذرائع تدريجيًا وتراكم الضغط الدولي.

(7)

كما أنّ دمج مؤسسات الإدارة الذاتية مع الدولة دون حلّها يساوي تثبيت الواقع بدل نسفه. الاعتراف بالمدارس والشهادات والتعليم ليس إجراءً إداريًا عابرًا، بل تثبيت للهوية داخل البنية الرسمية، ما يُحوّل الكيان من وضع مؤقت إلى قابل للاستمرار، حتى مع بقاء الخلافات الكبرى مفتوحة.

(8)

وعلى الصعيد الآخر، يمكن تلخيص إيجابيات الاتفاق للحكومة السورية بجملة مكاسب سياسية وإدارية، ولعل ٲبرزها كالآتي:

حقن الدم ومنع جبهة جديدة في روزآفا-الشمال الشرقي.

استعادة حضور سيادي رمزي دون كلفة عسكرية.

تثبيت وقف إطلاق النار بضمانات دولية.

تحييد التدخل التركي المحتمل.

فتح باب دمج تدريجي للمؤسسات بدل الصدام.

تحسين صورة الحكومة أمام المجتمع الدولي كطرف تفاوضي.

كسب الوقت في مرحلة إقليمية غير مستقرة.

ومع ذلك، بإمكان القول دون مجاملة، فهذا الاتفاق مؤقت. هو هدنة لحماية الكورد قبل العاصفة، لا تسوية نهائية، وظيفته تثبيت وقف إطلاق النار بضمانات دولية إلى أن تتضح ملامح المرحلة الإقليمية القادمة.

(9)

النجاح الكوردي في مواجهة التحديات

الواقع يوضح أن قوات سوريا الديمقراطية لم تُهزم لأنها ضعيفة، بل لأنها صادقة مع نفسها، في حين أن النظام العالمي القائم على الدول والمركزية لم يكن صادقًا معها، فكان ذلك سبب الانكسار.

(10)

نعم، الكورد وفروا الاستقرار والأمن في منطقة لم تعرف يومًا ذلك، هزموا أخطر تنظيم جهادي في القرن الحادي والعشرين، تولّوا حراسة مئات الآلاف من الجهاديين المعتقلين، وأداروا شؤون ملايين البشر. رغم شح الموارد، كان المشروع الكوردي أكثر نجاحًا من كثير من مناطق الدولة السورية المركزية التي تلقت دعمًا خارجيًا وإقليميًا.

(11)

القاعدة واضحة: الحركات الكوردية تُدعم فقط إذا كانت تُستخدم ضد الخصوم، ولكن طالما طالبت بحقوق سياسية أو تقرير مصير، يُرفع عنها الغطاء. هذا يوضح فشل الغرب الأخلاقي والسياسي، ليس خيانة صريحة، بل جبن استراتيجي يُسوّق تحت مسميات السياسة الحكيمة. ومع ذلك، يبقى الكورد شعبًا بلا دولة يعيش في عالم متمركز حول الدولة، ومع ذلك يستمر رغم هذه الحقيقة القاسية.

(12)

وحدة الصوت… أو ضياع الفرصة لكن، وبكل صراحة سياسية، إذا لم توظف قوات سوريا الديمقراطية خلال هذه المرحلة حنكتها وذكاءها السياسي، وإذا لم تُترجِم هذا الاتفاق على الأرض بما يحفظ جوهره ويحمي مكاسبه، فإن الفرصة قد تُهدر كما هُدرت فرص سابقة.

(13)

فما جرى لم يكن منحة مجانية، بل كان ثمرة وحدة الصوت الكوردي عالميًا. احتجاجات متزامنة، مواقف واضحة، وضغط شعبي وسياسي بلغ ذروته، لا سيما في إقليم كوردستان، قيادةً وشعبًا، حيث تلوّنت الساحات بلون القضية الواحدة، وتحوّل الاختلاف الجغرافي إلى رسالة واحدة:

2 + 2 = 1

أربعة أجزاء، لكن جسد واحد، ووجع واحد، ومصير واحد.

فالرسالة هنا كانت حاسمة: إن تخلّى العالم عن الكورد في روجافا، فلن يتخلّى الكورد عن أي جزء من جسدهم. هذه المعادلة فرضت التوازن، ويجب أن تبقى حاضرة في كل خطوة قادمة، لأن الاتفاقات تُوقّع على الورق، لكن تحميها الإرادة الجمعية وحدها.

(14)

ومعطوفًا على الاتفاق، فإن الانتصارات السياسية والإدارية لقسد تكمن في:

بقاء قسد ككتلة واحدة متماسكة، مع قيادتها وجغرافيا مناطقها محفوظة.

تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية، تتبع شكلًا للجيش السوري، مع حماية المدن الكردية.

تشكيل لواء في كوباني لحماية المنطقة.

انسحاب قوات وزارة الدفاع من أطراف الحسكة وكوباني، مقابل دخول محدود لوزارة الداخلية في مربعين رمزيين.

الإدارة الذاتية تحتفظ بصلاحياتها: تسمية محافظ الحسكة، تنظيم المؤسسات الخدمية والتربوية، وإبقاء اللغة الكوردية رسمية في المناهج الدراسية.

الاعتراف الرسمي بالشهادات الكردية من الرئاسة السورية.

حماية المدنيين ومنع الإبادة، مع خطوط تماس واضحة وضمانات من الدول الوسيطة.

تثبيت الواقع الإداري والعسكري بدل تفكيكه أو ذوبانه في الدولة.

(15)

ويبقى أن نؤكد أن نجاح الاتفاق لم يكن ممكنًا دون الدور البارز للرئيس مسعود البارزاني لتلك المباحثات الماراثونية التي أُجريت داخليًا وخارجيًا؛ فضلًا عن الدور المحوري لرئاسة إقليم كوردستان بتلونها، التي تابعت التفاصيل ووسّطت بين الأطراف لضمان التوازن السياسي والإقليمي. كما دعمت رئاسة الحكومة الاتفاق عبر التنسيق المستمر وتقديم التسهيلات اللازمة لتنفيذه. ساهمت كذلك بقية القيادات الكوردية، بمختلف أحزابهم وتوجهاتهم، في دعم العملية السياسية والاتفاق، من خلال تعزيز الحوار الداخلي والتوافق على المواقف المشتركة، ومن بينهم من زار غرب كوردستان ميدانيًا لمتابعة الوضع على الأرض وضمان تطبيق الاتفاق عمليًا. وقد انعكس هذا التنوع السياسي والزيارات الميدانية على نجاح الاتفاق، إذ أتاح مشاركة أوسع وضمان التمثيل العادل لمكونات المجتمع الكوردي.

(16)

إنّ اليوم، انتقل الصراع من ساحة النار إلى ساحة السياسة. الكورد انتقلوا من منطق الإلغاء إلى منطق الشراكة المشروطة، من الذوبان الفردي إلى الكتلة المنظمة، من التعرض الدائم إلى التحصين المؤقت. الاتفاق، رغم كونه هدنة مؤقتة، يحمل في طياته درسًا سياسيًا واضحًا: النجاح العسكري لا يعني دائمًا النجاح السياسي، لكن الوحدة والتنظيم والحكمة تصنعان الواقع.