نيجيرفان بارزاني والازمة السورية
بقلم: اكرم طالب الوشاح:منذ اندلاع الازمة السورية، لم تكن القضية الكردية مجرد ملف جانبي، بل تحولت الى عقدة سياسية وامنية اقليمية. داخل هذه العقدة برز السيد نيجيرفان بارزاني بوصفه مديرا للازمة لا قائدا لها، ومهندسا للتوازن لا طرفا في الصراع. هذا الدور اتخذ بعدا اكثر تعقيدا مع نشوء قوات سوريا الديمقراطية، ثم مع انتقال سوريا الى مرحلة الحكم الجديد برئاسة احمد الشرع، وتصاعد التوتر بين دمشق والقوى الكردية المسلحة في الشمال الشرقي.
منذ السنوات الاولى للحرب، قرأ نيجيرفان بارزاني المشهد السوري بوصفه مسارا طويلا لا انتفاضة عابرة. ادرك ان الاكراد في سوريا سيجدون انفسهم بين فكين. الدولة المركزية من جهة، والمحيط الاقليمي الرافض لاي كيان كردي مسلح مستقل من جهة اخرى. لهذا لم يتعامل مع المسالة بمنطق الدعم المطلق او القطيعة، بل بمنطق الادارة البطيئة للازمة، وتقليل الخسائر، ومنع الانفجار الشامل.
وتلك عادته في ادارة الازمات بحنكته السياسية.
وحين تشكلت قوات سوريا الديمقراطية بدعم دولي واضح، لم يتعامل معها بوصفها نموذجا كواقع ميداني فرضته الحرب على داعش. دعم قتالها للتنظيم. فتح خطوط تنسيق امني . لكنه في الوقت نفسه بقي متحفظا على بنيتها الايديولوجية، وعلى ارتباطها العضوي بحزب العمال الكردستاني، لما يحمله ذلك من مخاطر استراتيجية على الاكراد في عموم المنطقة.
هذه الواقعية عند نيجيرفان لم تكن ترددا، بل خيارا محسوبا. نيجيرفان بارزاني كان يعلم ان اي اندفاع غير محسوب خلف مشروع قسد سيضع اقليم كردستان في مواجهة مباشرة مع تركيا، ويهدد استقراره السياسي والاقتصادي. وكان يعلم ايضا ان ترك الاكراد السوريين وحدهم امام دمشق وانقرة سيقود الى سحقهم. بين هذين الحدين، اختار خطا ثالثا. الدعم السياسي الهادئ. الوساطة. الضغط الناعم. لا اكثر.
وقيادة التفاوض من موقعه.
مع صعود احمد الشرع الى رئاسة الحكومة السورية الجديدة، دخلت القضية الكردية مرحلة مختلفة. لم تعد المواجهة بين قسد ونظام معزول، بل بين قوة كردية مسلحة ودولة تسعى الى اهداف.
هنا بدأت ازمة جديدة. حكومة الشرع طالبت بدمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش، وتسليم المعابر والحقول النفطية، وانهاء الادارة الذاتية بصيغتها الحالية. قسد رأت في ذلك تهديدا مباشرا لمكتسباتها التي تحققت خلال سنوات الحرب.
في هذه اللحظة، اتخذ نيجيرفان بارزاني موقفا اكثر وضوحا. رفض بشكل غير معلن، لكنه حازم، اي هجوم عسكري واسع من قبل الحكومة السورية على المناطق الكردية. لم يعلن ذلك بخطاب صدامي، ولم يصدر بيانات نارية. استخدم قنواته السياسية. نقل رسائل مباشرة. حذر من العواقب. كان منطقه بسيطا. اي حل عسكري سيعيد سوريا الى نقطة الصفر، وسيقوض اي فرصة لحقوق الاكراد ضمن الدولة السورية.
والازمة الاخيرة شاهد على بعد نظره في استراتيجيته الادارية والقيادية للازمات والصراعات.
هذا الموقف لم يكن انحيازا لقسد ضد دمشق، بل انحيازا لفكرة الحل السياسي. بارزاني دعم الاتفاقات الاولية التي جرت بين قسد والحكومة السورية حول الدمج التدريجي، مع ضمانات سياسية وادارية. لكنه في الوقت نفسه حذر قسد من المبالغة في الرهان على الدعم الدولي، وذكرها بان التحالفات الخارجية متغيرة، وان ما يبقى هو الجغرافيا والدولة.
وحذر من ظلم الاكراد من قبل الكل.
عندما تفجرت الاشتباكات المحدودة في مناطق الكورد، نتيجة الخلاف على تنفيذ الاتفاق، تحرك نيجيرفان بارزاني بسرعة. استقبل وفودا كردية سورية. التقى مظلوم عبدي. ناقش المخاوف. دفع باتجاه توحيد الموقف الكردي قبل اي تفاوض مع دمشق. كان يرى ان الانقسام الكردي هو السلاح الاقوى بيد اي حكومة مركزية تريد فرض شروطها.
في الوقت نفسه، مارس دورا موازيا مع دمشق. رسالته كانت واضحة. الاكراد ليسوا انفصاليين بالضرورة. الحل لا يكون بالدبابات. الدمج القسري سيولد مقاومة طويلة. اما الدمج التفاوضي فسيخلق شراكة هشة لكنها قابلة للبناء. هذا الخطاب لم يكن عاطفيا، بل مبنيا على تجارب سابقة في العراق، وعلى دروس ما بعد 2003.
اقليميا، واصل نيجيرفان بارزاني لعب دور الموازن. طمأن تركيا بان اي حل في سوريا لن ينتج كيانا معاديا لها. شدد على ان الاستقرار في الشمال السوري يخدم امن الحدود. في الوقت ذاته، لم يقبل باستخدام المخاوف التركية ذريعة لتجريد الاكراد السوريين من اي حقوق سياسية. هذه المعادلة الصعبة جعلته صاحب موقع الوسيط المقبول في ادارة الازمة وقيادة الصراع.
اللافت في ادارة بارزاني لهذه المرحلة انه لم يسع الى تحويل ازمة قسد الى ورقة نفوذ لاقليم كردستان. لم يطرح نفسه قائدا للاكراد السوريين. لم يسوق نموذجه السياسي كبديل. اكتفى بدور الضامن غير الرسمي لمسار التهدئة. هذا السلوك يعكس فهما عميقا لطبيعة اللحظة. فالتضخم في الادوار غالبا ما ينتهي بالانفجار.
حتى اليوم، لا يمكن القول ان ازمة قوات سوريا الديمقراطية مع حكومة الشرع قد حلت. ما زالت الملفات مفتوحة. مستقبل الادارة الذاتية غير محسوم. شكل دمج القوات غير واضح. الضمانات الدستورية غائبة. لكن ما يمكن قوله بثقة ان ادارة نيجيرفان بارزاني منعت انزلاق الوضع الى حرب شاملة في الشمال الشرقي. منعت استخدام القوة كخيار اول. ابقت السياسة حاضرة، ولو بحدها الادنى.
هذا الدور لا يرضي من يبحث عن مواقف حادة. لا يرضي من يريد اصطفافات واضحة. لكنه ينسجم مع مدرسة سياسية واقعية اختطها نيجيرفان بارزاني، ترى ان الشرق الاوسط وكرده لا يحتمل المغامرات. ولا هم، وان المكسب الحقيقي هو ما يبقى لا ما يلمع. وان حماية الكورد اهم من تسجيل المواقف.
ازمة الاكراد في سوريا اليوم تقف عند مفترق طرق. اما مسار تفاوضي طويل ومؤلم، او عودة الى منطق السلاح. ادارة نيجيرفان بارزاني لهذه الازمة، منذ بدايتها وحتى اليوم، تشير الى خيار واحد. ابقاء الباب مفتوحا. منع الكسر النهائي. انتظار لحظة اقل عنفا. في منطقة اعتادت على الانفجارات، قد يكون هذا هو الانجاز الاكبر.
وذلك هو نيجيرفان.