مدير الازمة وقائد الصراع نيجيرفان بارزاني في موتمر ميونخ للامن2026م
خاص لموقع hiwar... د هوشيار مظفر علي امين:الحديث عن نيجيرفان بارزاني في سياق مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026 لا يبدأ من لحظة الدعوة ولا من جدول الأعمال المعلن، يبدأ من تراكم سياسي وأمني طويل، سجل مشاركات متكررة،حضور محسوب، خطاب يتغير مع تغير ميزان القوة، رجل لا يتعامل مع المؤتمر كمنصة علاقات عامة، يتعامل معه كساحة اختبار لموقع إقليم كردستان داخل نظام دولي مضطرب.
مؤتمر ميونخ للأمن في دورته الثانية والستين ينعقد في توقيت حساس، النظام الدولي القائم على القواعد يتعرض لتآكل واضح، التحالفات التقليدية لم تعد مستقرة، الصراعات الإقليمية تتشابك ،والامن الأوروبي يعاد تعريفه، العلاقات عبر الأطلسي تمر بمراجعة، هذا السياق لا يسمح بالحياد السلبي، بل يفرض مواقف ويفرض وضوحا ويفرض قدرة على إدارة الصراع بدل الاكتفاء بوصفه.
نيجيرفان بارزاني يدخل هذا المشهد مرة اخرى بصفة مختلفة عن كثير من المشاركين، يمثل دولة اتحادية، لا يقود جيشا عابرا للقارات، لكنه يقف على تقاطع أزمات:العراق وسوريا وتركيا وإيران.
والطاقة والإرهاب والنزاعات الحدودية، هذا الموقع يمنحه قيمة وظيفية في نقاشات الأمن الدولي، قيمة لا تقوم على القوة الصلبة ،تقوم على الخبرة المتراكمة في احتواء المخاطر.
في مشاركاته السابقة في مؤتمر ميونخ للأمن ممثلا للعراق لم يرفع نيجيرفان بارزاني سقف الخطاب، ركز على رسائل محددة، الاستقرار الإقليمي مصلحة دوليةوإقليم كردستان ليس جزيرة معزولة أي خلل فيه ينعكس على محيطه هذا الطرح تكرر في أكثر من دورة مع اختلاف السياق، مرة في ذروة الحرب على تنظيم الدولة. مرة بعد استفتاء الاستقلال، ومرة خلال أزمة تصدير النفط والثابت كان محاولة إعادة تعريف الإقليم كعنصر توازن وعنصر امن قطري ومحيطي وعالمي لا طرف صدام.
هذا الأسلوب لم يكن خيارا خطابيا فقط. كان نتيجة تجربة. تجربة كلفت الإقليم خسائر سياسية واقتصادية بعد 2017 وهي تجربة فرضت مراجعة قام بها نيجيرفان مرارا وتكرارا ، وفي ميونخ بعد تلك المرحلة ظهر تحول واضح في لغة بارزاني.
وهو مدير ازمة له استراتيجيته الواقعية في ذلك فكان أكثر تركيزا على الشراكة وعلى الحوار مع بغداد وعلى احترام الأطر الدستورية وهذا التحول لم يكن تنازلا مجانيا كان محاولة لتقليل كلفة الصراع.
في مؤتمر 2026 تتغير طبيعة التهديدات المطروحة فالإرهاب لم يختف لكنه لم يعد العنوان الوحيد والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والهجمات الهجينة. وتعرفات ترامب وتهديد سيادة بعض دول اوربا كالدنمارك واهمية حماية البنى التحتية وأمن الطاقة اضافة في محيط نيجيرفان الى صراع دمشق وقوات سوريا الديمقراطية وانعدام امن الاكراد في سوريا، هذه الملفات تحضر بقوة على جدول الأعمال وبارزاني في مشاركات سابقة لفت إلى هشاشة المنطقة أمام هذه التهديدات وأشار إلى أن الدول الضعيفة مؤسساتيا تصبح نقاط اختراق وهذا الطرح يضع الإقليم ضمن نقاش عالمي لا محلي.
رئيس المؤتمر وصف مؤتمر ميونخ بأنه منصة للحوار العالمي هذا الوصف ينسجم مع مقاربة بارزاني باعتبار الحوار اداة لإدارة الخلاف لا كبديل عن المصالح وفي الجلسات المغلقة للمؤتمر في سنوات سابقة ركز نيجيرفان على خطوط حمراء واضحة:،عدم استخدام أراضي الإقليم كساحة صراع بالوكالة وحماية المدنيين واستمرار الشراكة مع التحالف الدولي وهذه رسائل أمنية مباشرة لا تحتمل التأويل.
اليوم حضور قادة أوروبيين بارزين ووفد ألماني رفيع برئاسة المستشار الالماني يرفع منسوب التركيز على الشرق الأوسط وكوردستان وكرد المناطق الاربعة، فأوروبا تبحث عن استقرار يخفف ضغط الهجرة ويحمي سلاسل الطاقة ويقلل مخاطر التطرف وفي هذا الإطار يقدم بارزاني الإقليم كنقطة استقرار نسبية ليس بوصفه حالة مثالية بل بوصفه حالة قابلة للإدارة.
الملف السوري يشكل جزءا محوريا من هذا النقاش بارزاني حذر في مشاركات سابقة من تجاهل شمال شرق سوريا ومن فراغ أمني طويل الأمد ومن عودة التنظيمات المتطرفة وبعد الذي جرى لقوات سوريا الديمقراطية، هذا التحذير لم يكن نظريا ، بل جاء من تجربة حدود مفتوحة ونزوح وتهديدات مباشرة وفي 2026 يعود هذا الملف إلى الواجهة مع تراجع الاهتمام الدولي وتعدد الفاعلين فالإقليم يجد نفسه مرة أخرى خط تماس.
العلاقة مع تركيا حاضرة كذلك في ازمة حزب العمال الكردستاني وحساسيات سيادية معروفة في ايران مابعد الاحتجاجات وسوريا بعد الاتفاق مع قسد، وفي ميونخ تحدث بارزاني سابقا وسيتحدث لاحقا عن ضرورة معالجة هذا الملف عبر الحوار الأمني وعبر الفصل بين المدني والمسلح وهذا الطرح هو سبيل ادارة الازمة وقد أبقى قنوات الاتصال مفتوحة في سياق أمني متوتر وهذا بحد ذاته إنجاز تكتيكي لنيجيرفان.
إدارة الصراع تظهر أيضا في ملف الطاقة فالنزاع بين أربيل وبغداد حول تصدير النفط لم يغلق مع تاخر تشكيل حكومة المركز، والتهديدات الجديدة للعملية السياسية، وفي ميونخ سيطرح بارزاني هذا الملف ضمن إطار أوسع يشمل: أمن الطاقة الأوروبي. وتنويع المصادر و الاستقرار القانوني وهذا الربط يحول نزاعا محليا إلى قضية ذات بعد دولي ويخلق حافزا للأطراف الخارجية للوساطة.
المؤتمر يناقش مستقبل التعددية وبارزاني استخدم هذا المفهوم للحديث عن العراق الاتحادي وعن توزيع الصلاحيات وعن الشراكة بين المركز والإقليم وهذا الطرح يصطدم بواقع سياسي داخلي معقد، لكنه يظل جزءا من خطاب كوردي لبارزاني وحكومته وحزبه موجه للمجتمع الدولي بخطاب يقول إن البديل عن التعددية هو الصراع الدائم.
في 2026 ينعقد المؤتمر اليوم في ظل تصاعد النزاعات العالمية ازمة أوكرانيا مستمرة وازمة غزة ولبنان مستمرة ىالوضع مع ايران متوتر. وهذا يضع الشرق الأوسط في هامش اهتمام متغير في هذا السياق يحاول بارزاني إبقاء الإقليم ضمن دائرة الاهتمام ليس عبر المبالغة في التهديد بل عبر ربط الاستقرار المحلي بالأمن الدولي ىقيادة الصراع في هذا السياق لا تعني السعي إلى المواجهة بل تعني إدارة المخاطر واختيار التوقيت وفهم حدود القوة وبارزاني يقدم نفسه في ميونخ ضمن هذا الإطار قائدا يعرف أن الصراع قائم يعرف أن تجاهله مكلف ويختار تقليل الخسائر بدل البحث عن انتصارات سريعة ومدير ازمة له استراتيجياته العراقية عموما والكوردية خصوصا.
مؤتمر ميونخ للأمن كعادته لا يصدر قرارات ملزمة لكنه يؤثر في صياغة السياسات وما يقال في جلساته ينتقل إلى العواصم وإلى مراكز القرار وإلى غرف التخطيط ونيجيرفان بارزاني يدرك هذه الديناميكية لذلك يحرص على تقديم الإقليم كجزء من الحل لا جزءا من المشكلة.
في مشاركات سابقة تحدث عن الشباب وعن البطالة وعن التطرف. وهو من ربط هذه القضايا بالأمن وهذا الربط مهم في نقاش أوروبي يبحث عن حلول بعيدة المدى: الأمن الاجتماعي كخط دفاع أول هذا الطرح يعكس فهما أوسع لمفهوم الأمن.
ونعرف جميعا انه لا يغير مؤتمر واحد مسار الصراعات، لكنه يكشف أساليب القادة في التعامل معها، أسلوب نيجيرفان بارزاني يقوم على إدارة الازمات ، بواقعية سياسية وعلى إبقاء القنوات مفتوحة وعلى الموازنة بين الضغوط المتعارضة وفي عالم يميل نحو الاستقطاب الحاد يصبح هذا الأسلوب خيارا ناجحا لنيجيرفان .
وتبقى ادارته وقيادته تجربة مدير ازمة وقائد صراع....
::::
::::