مثالية نيجيرفان بارزاني وواقعيته السياسية.
خاص لموقع hiwar/قاسم محسن شفيق الخزعلي:شهد إقليم كردستان خلال السنوات الأخيرة تحولا واضحا في طبيعة سلوكه السياسي داخل العراق وخارجه، هذا التحول لم يكن نتيجة ظرف عابر بل نتاج مقاربة سياسية اعتمدت الجمع بين الطموح القومي الممكن وبين ضرورات الجغرافيا السياسية المعقدة التي تحيط بالإقليم، إذ لم يعد الخطاب السياسي الكردي قائما على الشعارات الكبرى وحدها بل انتقل نحو إدارة المصالح ضمن ميزان قوى إقليمي شديد الحساسية، هنا برز دور الرئيس نيجيرفان بارزاني بوصفه مهندسا لمرحلة سياسية أعادت تعريف العلاقة بين المثال السياسي الكردي والواقع العراقي والإقليمي، فالمعادلة التي عمل عليها قامت على تثبيت الحقوق دون الدخول في صدامات مفتوحة، وعلى توسيع الحضور الدولي دون استفزاز التوازنات القائمة، وعلى تحويل الإقليم من قضية نزاع إلى عنصر استقرار داخل معادلة الشرق الأوسط، وهي مقاربة تطلبت قدرة تفاوضية عالية وقراءة دقيقة لتحولات المنطقة وفيها ما فيها من تبعات ومن تغيرات أمنية واقتصادية عميقة خاصة بعد حرب الاثني عشر يوما مع ايران ووسط تهديدات ترامب لايران بحرب اخرى وسط المفاوضات.
ولقد أدركت قيادة الإقليم أن مرحلة ما بعد ولاية ترامب الثانية فرضت واقعا جديدا، واقع يقوم على إعادة بناء الثقة مع بغداد ومع المجتمع الدولي في آن واحد، وسط رؤية ما جرى لقسد في سوريا، لذلك اتجهت السياسة الكردستانية نحو تهدئة المسارات المتوترة وإعادة فتح قنوات الحوار السياسي والمؤسساتي، وقد لعب نيجيرفان بارزاني دور الوسيط العراقي الداخلي قبل أن يكون ممثلا للإقليم، إذ ركز على إعادة صياغة العلاقة مع الحكومة الاتحادية على أساس الدستور لا على أساس موازين الضغط، وهو تحول مهم نقل العلاقة من منطق الأزمة الدائمة إلى منطق التفاوض المستمر، فالحوار حول النفط والموازنة والسلطات الاتحادية لم يعد مواجهة سياسية بل أصبح عملية تفاوض طويلة تهدف إلى تثبيت الاستقرار المالي والسياسي للعراق ككل، لأن استقرار بغداد يعني بالضرورة استقرار أربيل ضمن بنية الدولة الواحدة مثلما ركز في واقعيته على تقديم الرؤى لقسد ومظلوم عبدي والحكومة السورية وسط صراعهما وتفاوضهما مع رفضه التعرض لكرد سوريا من قبل الجميع.
والسياسة الواقعية التي انتهجها بارزاني عراقيا قامت على فهم عميق لطبيعة الدولة العراقية بعد عام 2003، فالعراق فيه شبكة توازنات داخلية وخارجية، لذلك لم يسع الإقليم إلى فرض رؤيته بل إلى إدماج عراقته العراقية وفق رؤية نيجيرفان داخل هذه الشبكة، وهو ما انعكس في لغة سياسية أكثر ميلا إلى الحلول المرحلية، إذ أصبح الهدف تحقيق مكاسب تراكمية بدل البحث عن حسم نهائي للصراعات، وهذه المقاربة التي اسميها:" استراتيجيات نيجيرفان العراقية الكردية"، ساعدت على تقليل الاحتكاك السياسي وفتحت المجال أمام تعاون أمني واقتصادي أوسع، بل تشارمي، خاصة في ملفات الطاقة ومكافحة الإرهاب وإدارة المناطق المتنازع عليها.
وفي البعد الإقليمي اتسمت تحركات نيجيرفان بارزاني بدرجة عالية من التوازن، فالمنطقة المحيطة بكردستان تضم قوى متنافسة لكل منها حساسياتها تجاه المسألة الكردية، لذلك اعتمد سياسة تقوم على بناء علاقات متوازنة مع تركيا وإيران والدول العربية مثل ادارته لازمة كرد سوريا، دون الانخراط في محاور صراع، هذا النهج منح الإقليم هامش حركة دبلوماسيا واسعا، إذ تمكن من الحفاظ على شراكات اقتصادية وأمنية متزامنة رغم التناقضات بين تلك القوى، وهو أمر نادر في بيئة سياسية تقوم غالبا على الاصطفاف الحاد، وقد ساعد ذلك على تثبيت صورة الإقليم كمنطقة تواصل لا منطقة صراع.
وصورة نيجيرفان مفاوضا ومدير ازمة وقائد صراع.
أما على المستوى الدولي فقد سعى بارزاني إلى إعادة تقديم كردستان بوصفها شريكا موثوقا للمجتمع الدولي، فالعلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لم تبق ضمن الإطار العسكري المرتبط بالحرب على تنظيم داعش بل توسعت نحو ملفات الاقتصاد والطاقة والإصلاح المؤسسي، وقد عززت اللقاءات الدبلوماسية المستمرة وزياراته العربية والدولية، حضور العراق والإقليم في المحافل الدولية باعتباره نموذجا للاستقرار النسبي داخل منطقة مضطربة، هذا الحضور لم يكن شكليا بل ارتبط بدور فعلي في ملفات الأمن الإقليمي والهجرة والطاقة، وهي قضايا تشكل أولوية في السياسات الدولية المعاصرة.
وخطاباته في نسخ ميونخ للامن بعض نماذج واقعيته ومثاليته سويا.
واقتصاديا واجه الإقليم تحديات قاسية تمثلت في انخفاض أسعار النفط والأزمات المالية والخلافات السياسية والازمة المالية الحالية في المركز، إلا أن السياسة الاقتصادية التي دعمتها رئاسة الإقليم ركزت على تقليل الاعتماد الأحادي على النفط، فتم تشجيع الاستثمار في قطاعات الزراعة والسياحة والطاقة البديلة والبنية التحتية، كما جرى العمل على إصلاح الإدارة المالية وتعزيز الشفافية لجذب المستثمرين، برؤية نيجيرفان، وقد أدى ذلك تدريجيا إلى استعادة ثقة الأسواق والشركات الدولية، لأن الاستقرار السياسي وحده لا يكفي دون بيئة اقتصادية قابلة للنمو.
لقد تميزت قيادة نيجيرفان بارزاني كما يرى الكاتب بقدرتها على إدارة الأزمات واقعيا بدل تجنبها بمثالية، إذ تعامل مع الأزمات بوصفها فرصا لإعادة التموضع السياسي، ففي كل مرحلة توتر كان الاتجاه نحو تخفيض الخسائر وبناء أرضية تفاهم جديدة، وهو أسلوب اختص به وهو قريب من الدبلوماسية الهادئة التي تعتمد التفاوض غير المعلن أكثر من الخطابات العلنية، وقد ساعد هذا الأسلوب على منع انزلاق الإقليم إلى صراعات مفتوحة وسط الضغوط الداخلية والإقليمية المتكررة.
المرونة السياسية شكلت أحد أهم عناصر هذه التجربة لديه، فالسياسة لم تعد ثابتة بل قابلة للتعديل وفق تغير الظروف، وهذا ما ظهر في التعامل مع التحولات الإقليمية بعد تصاعد التنافس الدولي في الشرق الأوسط، حيث حافظ الإقليم بدستورية عراقية طبقها نيجيرفان، على علاقاته مع القوى الغربية والعربية وفي الوقت نفسه طور علاقاته الاقتصادية مع قوى آسيوية وإقليمية، وهو توازن يعكس إدراكا بأن العالم يتجه نحو تعددية قطبية تتطلب تنويع الشراكات وعدم الارتهان لطرف واحد.
على المستوى الداخلي ركزت رئاسة الإقليم على تعزيز الاستقرار المجتمعي، إذ جرى دعم التعايش بين المكونات القومية والدينية داخل كردستان، وتم تقديم الإقليم كنموذج للتعددية العراقية العراقية مقارنة بمناطق أخرى خارج العراق شهدت صراعات طائفية، وقد ساهم هذا الاستقرار في جذب الاستثمارات والتنمية، ما عزز مكانة الإقليم كمركز اقتصادي وإنساني داخل العراق، فالاستقرار الاجتماعي أصبح جزءا من القوة السياسية وليس مجرد نتيجة لها.
ولعل مشاركة نيجيرفان بارزاني في مؤتمر ميونخ للأمن في نسخة عام 2026 قبل ايام، عكست مستوى الحضور الذي وصل إليه الإقليم في النقاشات الدولية المتعلقة بالأمن العالمي، إذ لم يعد الإقليم موضوعا للنقاش بل طرفا مشاركا في صياغة الرؤى المتعلقة بالاستقرار الإقليمي، فاللقاءات التي عقدها مع قادة دول ورؤساء ومسؤولين أكدت أن العراق وكردستان باتا يمثلان منصة حوار بين الشرق والغرب، خاصة في ظل موقع العراق الجغرافي ودوره في توفير بيئة آمنة نسبيا للاستثمار والتعاون الدولي في وسطه واقليمه.
هذا الحضور الدولي لم يتحقق عبر المثالية فحسب بل عبر بناء الثقة في خضم تطبيق الواقعية السياسية، وهي نقطة مركزية في فهم واقعية نيجيرفانبارزاني السياسية، إذ اعتمد على تقديم العراق مع الإقليم سويا كشريك يعتمد الحوار ويبحث عن الاستقرار طويل الأمد، وهو ما جعل القوى الدولية تنظر إلى العراق وكردستان باعتبارهمت منطقة يمكن الاعتماد عليها في مشاريع الطاقة والأمن، خصوصا مع تزايد أهمية مصادر الطاقة البديلة وخطوط النقل الإقليمية.
اما المثالية في تجربة نيجيرفان بارزاني فلم تكن انفصالا عن الواقع بل رؤية بعيدة المدى تسعى إلى تثبيت الحقوق عبر العمل المؤسساتي والدبلوماسي، فالمثال السياسي الجامع بالوصف العراقي الكردي ظل حاضرا بوصفه هدفا تاريخيا، ومن ثم جرى جرى توظيفه ضمن أدوات قانونية ودستورية، ما سمح بالحفاظ على الهوية السياسية العراقية والكردية ، دون الدخول في مغامرات غير محسوبة، وهذا التوازن بين الحلم والإمكان هو ما منح التجربة العراقية والكردستانية قدرة على الاستمرار رغم الأزمات.
فالسياسة هنا تحولت إلى إدارة احتمالات لا إلى فرض نتائج، فكل خطوة جرى قياسها ضمن تأثيرها على الداخل العراقي والكردي وعلى العلاقات الإقليمية، وهو ما يفسر انخفاض مستوى التوتر مقارنة بمراحل سابقة، إذ أصبح العراق وبضمنه الإقليم جزءا من معادلة الاستقرار بدل أن يكون نقطة توتر، وهذه النتيجة لم تأت عبر تنازلات بل عبر إعادة تعريف الأولويات السياسية عراقيا وكرديا بما يخدم المصلحة العراقية والكردية طويلة الأمد.
إن قراءة تجربة نيجيرفان بارزاني تكشف أن الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن الأهداف بل اختيار توقيت تحقيقها، وأن المثالية لا تعني القطيعة مع الواقع بل توجيهه تدريجيا نحو مسار أكثر استقرارا، لذلك يمكن فهم سياسة نيجيرفان خلال هذه المرحلة بوصفها محاولة لبناء نموذج حكم عراقي كردي قادر على التعايش مع بيئة إقليمية مضطربة دون فقدان هويته السياسية، وهو نموذج يعتمد التفاوض والتوازن والشراكة بدل الصدام، الأمر الذي جعل العراق اليوم واقليمه يحتفظان بدورهما السياسي والاقتصادي وسط المنطقة والعالم رغم تعقيدات المرحلة الدولية الراهنة.
وهكذا تشكلت تجربة سياسية تقوم على الجمع بين الطموح الواقعي والانفتاح المثالي، وبين الدفاع عن الحقوق والعمل ضمن النظام الدولي، بين المثال السياسي والواقع الجيوسياسي، وهي معادلة ناجحة أسست لمرحلة جديدة في تاريخ العراق والإقليم، مرحلة تسعى إلى تحويل الاستقرار إلى قوة سياسية دائمة، وإلى جعل العراق بكردستانه فاعلا إقليميا يعتمد الحوار والتكامل الاقتصادي بوصفهما الطريق الأكثر أمنا لتحقيق المصالح العراقية الوطنية في بيئة شرق أوسطية لا تزال تعيد تشكيل توازناتها باستمرار متأرجحة بين الواقعية والمثالية مما تجاوزه السيد نيجيرفان بواقعيته ومثاليته لليوم والغد عراقيا وكرديا.