نيجيرفان بارزاني… مهندس السلام: استحقاق محتمل لجائزة نوبل في شرق أوسط مُجزّأ

فبراير 22, 2026 - 17:26
فبراير 22, 2026 - 17:27
نيجيرفان بارزاني… مهندس السلام: استحقاق محتمل لجائزة نوبل في شرق أوسط مُجزّأ

بقلم: بختيار سجادي

ناقد ثقافي وأستاذ جامعي

إن السلام لا يعني مجرد غياب النزاع، بل يشكّل الركيزة الأساسية لصون الكرامة الإنسانية وتحقيق رفاه المجتمع والتنمية. وفي وقتٍ تتعمّق فيه الانقسامات الطائفية وتستمر آثار الأنظمة السلطوية، لا يواجه الشرق الأوسط أزمة بقدر ما يعاني من نقص في رجال الدولة القادرين على الجمع بين البراغماتية والرؤية النموذجية لتحويل الدبلوماسية إلى أداة للتغيير.

يبرز السيد نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان العراق، بوصفه شخصية سياسية مؤثرة في الشرق الأوسط، إذ تطوّر خلال العقود الماضية ليصبح واحداً من القلائل الذين يجسّدون مفهوم «التوافق الحقيقي» في منطقة غالباً ما تُعرَّف بصراعات «المحصلة الصفرية». وقد أكد سيادته في إحدى خطاباته: «إن السلام هو أعظم قوتنا والطريق الأكثر فاعلية لتقدّم الكورد.» وتستند مسيرته وجهوده المتواصلة إلى ركيزتين أساسيتين: التنمية الداخلية والوساطة الخارجية.

وقد حظيت هذه الجهود باهتمام المجتمع الدولي. إذ صرّح وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو بصراحة خلال مناقشات أمنية رفيعة المستوى: «أنتم جديرون بجائزة نوبل للسلام.» ولم يكن هذا التصريح مجرّد مجاملة دبلوماسية، بل تأكيداً على قدرة نيجيرفان بارزاني في تحويل بؤر التوتر إلى فرص للتفاهم المشترك وترسيخ السلام. فمن تسهيل عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكوردستاني، إلى المساهمة في تحرير الإيزيديين من قبضة تنظيم داعش الإرهابي عام 2014، مروراً بوساطاته في الأزمة السورية مؤخراً، ومشاركته الفاعلة في مؤتمر ميونخ للأمن 2026، رسّخ إطاراً للسلام يتجاوز الحدود القومية والإثنية.

رؤية «مهندس الإعمار»

عندما تسلّم نيجيرفان بارزاني رئاسة إقليم كوردستان عام 2019، شكّل ذلك ذروة مسيرته السياسية الدولية المكرّسة للخدمة والتجديد. وكان قد شغل سابقاً منصب رئيس وزراء حكومة إقليم كوردستان لثلاث دورات (2006–2009 و2012–2018)، ونال من أبناء شعبه لقب «مهندس الإعمار». فقد ورث إقليماً مثقلاً بتداعيات الحروب والعقوبات الدولية والصراعات الداخلية، يعاني من ضعف البنية التحتية والفقر والعزلة.

غير أن هذه الصورة تغيّرت تحت قيادته. فقد تحوّل الإقليم الذي دمّرته حملات الأنفال التي نفذها نظام صدام حسين إلى مركز مزدهر للبنية التحتية والتعليم والتجارة. ويُعد مطار أربيل الدولي، وشبكات الطرق التي تربط المناطق النائية، والجامعات الجديدة، والمعارض الدولية، والاقتصاد المتنوع القائم على الطاقة والتجارة، شواهد حيّة على رؤيته. وقد شدّد سيادته باستمرار على أن الاستقرار الداخلي الحقيقي هو الأساس لأي دور خارجي فاعل. ومن موقعه كرئيس، وجّه الروح نفسها نحو الإسهام في تهدئة منطقة لا تزال تعاني من النزاعات.

تنظيم البيت السياسي الكوردستاني

على الرغم من الجهود الدولية المتكررة للوساطة، فإن من أبرز إسهامات نيجيرفان بارزاني تحققت داخل إقليم كوردستان نفسه. فبصفته نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، أعرق وأكبر الكيانات السياسية في الإقليم، تجاوز باستمرار المصالح الحزبية الضيقة ليضطلع بدور الوسيط الحقيقي لتعزيز الوحدة الكوردية. وقد شكّل الخلاف التاريخي بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني تحدياً سياسياً كبيراً، إلا أن نيجيرفان بارزاني برز حلقة وصل أساسية لضمان توافق الاتفاقات الداخلية مع تطلعات شعب كوردستان.

ويتجلّى التزامه بالحكم الشامل في جهوده المتواصلة لتوحيد قوات البيشمركة. فسنوات طويلة من الانقسام الحزبي أعاقت بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحّدة. ومن خلال قيادة حثيثة وإشراف مباشر، تحقّقت خطوات تاريخية في عام 2025 وبداية 2026 لدمج الوحدات ضمن جيش وطني مهني تحت مظلة وزارة شؤون البيشمركة.

كما لعب دوره كصانع سلام داخلي أهمية حاسمة خلال الأزمات الدستورية والانتخابية. سواء في الوساطة لتشكيل الحكومة في أربيل أو معالجة قضايا المناصب الاتحادية في بغداد، وضع مصالح كوردستان فوق الأجندات الحزبية، مؤكداً أن السلام الدائم يبدأ من الداخل عبر ترسيخ ثقافة التوافق ورفض سياسات التهميش.

الوساطة في النزاع الممتد بين تركيا وحزب العمال الكوردستاني

على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّل النزاع بين تركيا وحزب العمال الكوردستاني أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في المنطقة، مخلّفاً عشرات الآلاف من الضحايا ومفاقماً التوتر داخل المجتمع الكوردي. وقد تعامل نيجيرفان بارزاني مع هذا الملف بأسلوبه الخاص، مستفيداً من علاقاته المؤسسية العميقة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان، ليضع إقليم كوردستان في موقع الشريك الموثوق.

وقد أشار مراقبون مخضرمون إلى هذه الجهود مراراً. إذ وصف محمد أمين بنجويني دور نيجيرفان بارزاني بأنه مساهمة «إنسانية وفعّالة» ربطت بين الهواجس الأمنية لأنقرة والتطلعات السياسية الكوردية. وعندما أعلن حزب العمال الكوردستاني انسحابه من الأراضي التركية ونزع سلاحه عام 2025، اعتبر سيادته ذلك «منعطفاً جديداً للمنطقة بأسرها». ومن خلال إرساء أرضية صلبة للتفاوض، أثبت أن أكثر النزاعات تعقيداً يمكن معالجتها بروح هادئة ورؤية رجل دولة مسؤول.

التوازن في صميم السيادة: أربيل وبغداد وطهران

ضمن النظام الاتحادي المعقّد في العراق، دافع نيجيرفان بارزاني باستمرار عن مفهوم «الفيدرالية الناضجة». فعلى الرغم من التحديات المتكررة بشأن الإيرادات النفطية والموازنة والمناطق المتنازع عليها، عمل على معالجة الخلافات بين أربيل وبغداد عبر الأطر الدستورية والحوار، لا المواجهة. ويحظى باحترام واسع في بغداد تقديراً لدوره في تعزيز السلام والاستقرار والتنمية في عموم العراق.

ويمتد هذا النهج البراغماتي إلى دول الجوار المؤثرة. فقد أمضى سنوات من شبابه في إيران، ما منحه القدرة اللغوية والثقافية للتواصل مع طهران. وأجرى لقاءات عدة مع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي، وأسهم عبر الحوار بشأن القضايا الحدودية في تعزيز الاستقرار على حدود طالما شهدت توترات. إن قدرته على الحفاظ على علاقات بنّاءة مع بغداد وطهران، مع صون سيادة إقليم كوردستان، تعكس فهماً عميقاً لتوازنات القوة في المنطقة.

الإيزيديون… واجب أخلاقي

يتجلى التزام نيجيرفان بارزاني بالسلام أيضاً في جهوده الإنسانية المباشرة. ففي عام 2014، عندما ارتكب تنظيم داعش الإرهابي جريمة الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين في سنجار، تحرّك رئيس الوزراء آنذاك نيجيرفان بارزاني بسرعة في وقتٍ التزم فيه جزء كبير من المجتمع الدولي الصمت. وقد انطلقت عملية تحرير سنجار عام 2015 بإشراف مباشر من الرئيس مسعود بارزاني.