الكورد الفيليون في العراق: صفحات من تاريخ الهوية الوطنية المنقسمة

الكورد الفيليون في العراق: صفحات من تاريخ الهوية الوطنية المنقسمة

سيروان عبدالكريم علي

 سياسي أكاديمي

 عندما تتصدع وحدة الوطن وتتشظى هويته تحت وطأة الانقسامات المتعددة، يعاني المواطن تمزقاً في انتمائه ووجوده. قصة الكورد الفيليين في العراق تمثل مرآة صادقة لتحديات بناء الهوية الوطنية الجامعة في مجتمع متعدد الأعراق والمذاهب.

 الأزمة لها جذور والمواطنة للكورد الفيلي معاملة مشروطة في أرض الرافدين، حيث تعانقت الحضارات وتمازجت الثقافات عبر آلاف السنين، كان التنوع يمثل ثراءً إنسانياً استثنائياً. لكن السياسات التي اعتمدت على تصنيف المواطنين وفق انتماءاتهم حولت هذا التنوع إلى مصدر للاستقطاب والاضطهاد.

 الكورد الفيليون، المتواجدون في العراق منذ قرون طويلة، وجدوا أنفسهم محاصرين بهويتهم المزدوجة: الكوردية قومياً والشيعية مذهبياً. هذا الانتماء المركب جعلهم عرضة للتشكيك في وطنيتهم خلال فترات مختلفة من تاريخ العراق الحديث، رغم مساهماتهم الفاعلة في النسيج الاجتماعي والاقتصادي العراقي في بغداد والكوت وديالى وخانقين.

تهجير هذه الفئة لم تكن مجرد إجراءات سياسية أو إدارية، بل كانت جزءاً من منظومة اقتصادية استهدفت ثرواتهم وممتلكاتهم. فقد كان العديد من الكرد الفيليين من التجار والحرفيين والملاك الذين ساهموا في الاقتصاد العراقي.

 إن العامل الاقتصادي، ومصادرة الثروة والممتلكات كانت من ضمن الدوافع ان لم تكن سببا، يقول الباحث الاقتصادي حسن الربيعي: "كانت مصادرة أملاك الفيليين أحد الأهداف غير المعلنة لسياسات التهجير. فقد تمت الاستيلاء على آلاف العقارات والمحال التجارية والأراضي التي كانت بحوزتهم، وأعيد توزيعها على المقربين من السلطة، مما أحدث تغييراً ديموغرافياً واقتصادياً في المناطق التي كانوا يقطنونها."

 تشير التقديرات إلى أن قيمة الممتلكات المصادرة من الكورد الفيليين تجاوزت مليار دولار حينها وهو ما يفسر جزئياً إصرار السلطات آنذاك على عدم التراجع عن قرارات التهجير وسحب الجنسية.

وسط هذه الصورة القاتمة، برزت فترة مضيئة في تاريخ علاقة الدولة العراقية بالكورد الفيليين. ففي عهد الزعيم عبد الكريم قاسم، شهد العراق محاولة جادة لبناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الانتماءات القومية والمذهبية.

 يروي المؤرخ كامل الحيدري: "اعتبر قاسم جميع العراقيين متساوين في الحقوق والواجبات، ورفض التمييز على أساس عرقي أو طائفي. وقد وجد الكورد الفيليون في مشروعه الوطني فرصة للاندماج الكامل في المجتمع العراقي، فكانوا من أكثر المؤيدين لرؤيته."

هذه الفترة، رغم قصرها، أثبتت أن المشروع الوطني الجامع ممكن عندما تتوفر الإرادة السياسية والرؤية الإنسانية.

لكن بعد انقلاب 1963 وما تلاه من تحولات سياسية، بدأت مرحلة جديدة من التمييز المنهجي ضد الكورد الفيليين. أصبحت هويتهم المزدوجة سبباً كافياً لاتهامهم بـ"التبعية الأجنبية"، رغم جذورهم العراقية العميقة.

في ظل نظام البعث، تصاعدت وتيرة الاضطهاد لتشمل سحب الجنسية وترحيل عشرات الآلاف إلى الحدود الإيرانية، ثم مصادرة الممتلكات والأموال وتوزيعها على المقربين من النظام، حملات اعتقال وإعدام العشرات من الشباب الفيلي بتهم مختلفة. واخيرا حرمان من بقي منهم من حقوق المواطنة الأساسية. كتب المفكر العراقي عبد الله سلوم: "ما تعرض له الكورد الفيليون كان جزءاً من سياسة أوسع لإعادة تشكيل المجتمع العراقي وفق رؤية أيديولوجية ضيقة. لقد حولت هذه السياسة الهوية من رافد للثراء الثقافي إلى أداة للفرز والإقصاء."

 ظهرت أصوات مقاومة الطغيان خصوصا المثقفين منهم في مواجهة سياسات التهميش، برز دور المثقفين الفيليين الذين رفعوا صوتهم ضد الظلم. حيث كان زهدي الداوودي وعزيز شريف ومحمد باقر الفيلي وعلي الفيلي نماذج لمثقفين عراقيين آمنوا بوطن متعدد ومتسامح.

هؤلاء المثقفون قدموا رؤية بديلة للهوية العراقية، قائمة على الانتماء الإنساني والوطني قبل الانتماءات الفرعية. كتاباتهم وأشعارهم ونضالاتهم كانت شهادة حية على إمكانية تجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية.

 رغم سقوط النظام السابق عام 2003، لم تتحقق العدالة الاجتماعية للكورد الفيليين. فالكثير من العائلات ما زالت تبحث عن مصير أبنائها المفقودين، والعديد من الممتلكات المصادرة لم تُسترجع بعد.

الأخطر من ذلك أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي ساد بعد 2003 كرّس الانقسامات بدل معالجتها. فبدلاً من بناء هوية وطنية جامعة، أصبح التصنيف الطائفي والعرقي أساساً لتوزيع المناصب والموارد.

 يحذر الباحث السياسي نزار حميد: "الانقسام الطائفي والمذهبي والعرقي في العراق لا يبشر بالخير. فهو يقوض أسس المواطنة المتساوية ويعزز الولاءات الفرعية على حساب الولاء للوطن. هذا النموذج من الحكم يعيد إنتاج المظلومية بأشكال جديدة، ويمنع تحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية."

تخيل انطلاق مشروع نحو مصالحة وطنية حقيقية اصبحت من ضمن احلام تجربة الكورد الفيليين لتقدم دروساً مهمة للعراق المعاصر. فهي تؤكد أن بناء وطن مستقر يتطلب الاعتراف بالتنوع وحمايته، وتجاوز سياسات التصنيف والإقصاء.

 إن الطريق نحو هوية وطنية جامعة يمر عبر الاعتراف بالمظالم التاريخية وتقديم تعويض عادل للضحايا، كذلك استعادة الحقوق المسلوبة، بما فيها الممتلكات والأموال المصادرة، ثم بناء نظام سياسي يقوم على المواطنة المتساوية لا على المحاصصة، ثم تطوير خطاب وطني يحتفي بالتنوع ويعتبره مصدراً للثراء لا للانقسام، كذلك ترسيخ ثقافة التسامح والتعايش في المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي.

 العراق قادر على تجاوز جراحه عندما يتبنى مشروعاً وطنياً جامعاً، يستلهم روح مفكريه الكبار مثل عبد الكريم قاسم ومحمد مهدي الجواهري وناجي الإمام وسعدي يوسف، الذين آمنوا بعراق واحد متنوع ومتسامح.

 إن إنصاف الكورد الفيليين ليس قضية تخصهم وحدهم، بل هي خطوة ضرورية نحو بناء عراق موحد يتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية، ويؤسس لمستقبل تسوده العدالة والمساواة لجميع أبنائه.