الذكاء الاصطناعي.. حقيقة أقل ووهم أكثر.

عواد الجعفري:هل تعرفون ما هو أكثر سؤال يطرحه مستخدمو منصة "إكس"، هل هذا حقيقي أم لا؟ هذا السؤال على بساطته، يظهر لك مدى التوظيف الواسع للذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى، وخاصة في الصور والفيديوهات، وبالتالي صارت الحقيقة أبعد والوهم أقرب. من يطرح السؤال المذكور يفكّر قليلاً، أما الذين يقبلون كل ما يعرض عليهم كمسلمات، فإنهم طبقة جديدة من الوهم في ذواتهم، والأمر بالمناسبة ينطبق على بقية المنصات.

فبراير 23, 2026 - 12:27
الذكاء الاصطناعي.. حقيقة أقل ووهم أكثر.

بعض وسائل الإعلام تقوم بالإشارة إلى أن هذا الفيديو أو الصورة التي نشرتها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، لكن البعض الآخر لا يلتزم، أما غالبية رواد مواقع التواصل لا يلتزمون بحسب مشاهداتي اليومية، والأهم أن منصات التواصل لا تفعل الكثير في هذا الميدان، وكمثال بسيط، خلصت دراسة في أواخر 2025 إلى أن خمس الفيديوهات في "يوتيوب" مولّدة بالذكاء الاصطناعي.

لم يكن العالم مدينة فاضلة قبل الذكاء الاصطناعي، فالتزييف والتلفيق والفبركة موجودون منذ الأزل، ولكي نحصر حديثنا في عالمنا المعاصر، فقد كانت أدوات "الدبلجة" كما يحلو للبعض وصف التلاعب بالمحتوى، صعبة المنال وتحتاج مهارة كبيرة وخبرة أكبر، فتعديل الصور عبر "فوتوشوب" يحتاج اشتراكاً في البرنامج وبعضاً من الخبرة ووقتاً حتى تنتج صورة، وكذلك برامج الفيديوهات والمؤثرات البصرية مثل "بريمير" و "آفتر إفيكت"، وبعد هذا كله يمكن للمرء العادي بقليل من التمحيص اكتشاف التلاعب.

كتبت في كتابي "صحافة الأون لاين.. فن معالجة المعلومات أكثر من جمعها"، والذي نشرته قبل سنوات، فصلاً كاملاً عن التحقق في المعلومات في فضاء الإنترنت، وركزت فيه على حيلة استخدام فيديو حقيقي، لكنه يستخدم خارج سياقه، كأن يوثّق مشاهد في ليبيا ويعيد البعض نشرها مع الزعم بأنها حدثت في سوريا وهكذا.

ماذا فعل الذكاء الاصطناعي؟ جعل الأمر أسهل وأسرع، عبر تقنيات عديدة مثل "التزييف العميق"، التي تعتمد على خوارزميات التعلم العميق، بحيث تنتج محتوى مرئياً قريباً، أو لنقل مطابقاً بدرجة كبيرة للواقع، بحيث يصعب التمييز بينه وبين الحقائق.

إن هذه التقنية تتيح للمستخدمين تبديل الوجوه أو استحداث وجوه غير موجودة، والتلاعب بتعبيرات الوجه، كما تمكنهم من التزييف الصوتي، وذلك بإنتاج تسجيل كلام مسموع لأشخاص لم يتحدثوا به أصلاً.

تعتمد هذه التقنية على ثلاثة مصادر هي: طرق تدريب نماذج التعلم العميق، البيانات على الإنترنت (يعني صور وفيديوهات شخصيات ما)، والخوارزميات، وبشيء من التفصيل، هناك الشبكات التنافسية التوليدية التي تعمل على إنتاج نموذجين، الأول ينتج محتوى جديداً، بينما يعمل الثاني على تقييمه، مما يعني تحسيناً متتالياً في المحتوى، فضلاً عن تقنية تبديل الوجوه، تحلل ملامح الوجوه في مقاطع الفيديو ثم تطبقها على وجه آخر.

لا شك أن المخاطر التي تنطوي عليها هذه التقنية هائلة، فمجرد فيديو واحد مفبرك قد يشوه سمعة شخصية ما، على الأقل بالنسبة إلى فئة معينة لا تدقق في المحتوى الذي يصلها، والأمر يمتد إلى افتعال الأزمات والفتن وحتى انتحال الشخصيات وارتكاب الجرائم

إذا كان البعض يعتقد أن الأمر بسيط، فإن المنتدى الاقتصادي العالمي يقول غير ذلك، إذ إنه ذكر في تقريره لعامي 2024 و2025، أن المحتوى المزيف عالي الجودة والمنخفض التكلفة والمدعوم بالذكاء الاصطناعي، يجتاح الإنترنت ويهدد الثقة في شبكات التواصل ووسائل الإعلام، ويحدث فوضى في الأسواق المالية مع خسائر كبيرة

من ملاحظاتي اليومية في متابعة الفيديوهات المولّدة بالذكاء الاصطناعي، أقول إنها تتطور بسرعة رهيبة، بحيث بات الفرق بين الحقيقي والوهمي أرفع مما كان عليه الوضع منذ عام أو عامين على الأقل، وللتذكير، فإن تقنية التزييف العميق ليست جديدة فعمرها أكثر من ربع قرن، لكن الجديد الآن هو ثورتها واتساع نطاق استخدامها وسهولة تطبيقها.

إن ما تراه على شبكات التواصل، وهي مصدر كثيرين للأخبار بات بعيداً عن الواقع، باختصار، خلق الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة بينك وبين الحقيقة، لذلك يقع على منصات التواصل أن تجتهد في إيجاد وسيلة تشير هي بنفسها إلى أن هذا المحتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي أم لا، وكذلك تقتضي المهنية من صنّاع المحتوى فعل الأمر نفسه.