فلسفة تاريخية ادريس بارزاني ( 1944_1987)

خاص لموقع hiwar/ د هوشيار مظفر علي امين:تشكل سيرة إدريس بارزاني واحدة من المفاتيح الأساسية لفهم التحول التاريخي في مسار حركة التحرر الكوردية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، إذ لا يمكن قراءة تطور النضال الكوردي بوصفه سلسلة انتفاضات عسكرية متعاقبة من دون التوقف عند اللحظة التي انتقل فيها العمل التحرري من القيادة الكاريزمية التقليدية للبارزاني الاب إلى التفكير السياسي المنظم، وفي تلك اللحظة برز إدريس بارزاني بوصفه عقل المرحلة الانتقالية بين الثورة بوصفها رد فعل وبين التحرر بوصفه مشروعاً تاريخياً طويل الأمد وقد عالجت ملامح ذلك في اطروحتي للدكتوراه عن والده الزعيم مصطفى بارزاني،رحمهما الله تعالى.

فبراير 24, 2026 - 16:29
فبراير 24, 2026 - 16:45
فلسفة  تاريخية ادريس بارزاني (    1944_1987)
فلسفة  تاريخية ادريس بارزاني (    1944_1987)

لقد ولد إدريس داخل فضاء سياسي لم يعرف الاستقرار، فالحياة الكوردية آنذاك كانت محكومة بثنائية الثورة والمنفى، وكانت الأسرة البارزانية تمثل مركز القرار النضالي الموردي منذ قيادة عبد السلام فاحمد فالزعيم مصطفى بارزاني، واولاده ،غير أن إدريس لم يتعامل مع الإرث بوصفه امتيازاً بل مسؤولية تاريخية، فالتجربة المبكرة التي عاشها جعلته يدرك أن الصراع الكوردي ليس صراع حدود بل صراع اعتراف سياسي ووجود قومي، ومن هنا بدأت ملامح فلسفته السياسية بالتشكل، فلسفة تقوم على أن البقاء القومي يحتاج إلى إدارة عقلانية للصراع لا إلى استدامة الحرب فقط.

في سنوات شبابه الأولى تشكل وعيه داخل معسكرات الثورة حيث امتزج التعليم السياسي بالتجربة الميدانية، فتعلم أن القوة العسكرية تمنح القدرة على الصمود لكنها لا تمنح الشرعية الدولية، وأن الحركات التي لا تنتج خطاباً سياسياً موازياً لبندقيتها تبقى محاصرة داخل الجغرافيا، لذلك اتجه مبكراً إلى الجمع بين التنظيم السياسي والعمل الميداني، وهو ما منح حضوره طابعاً مختلفاً داخل القيادة الكوردية، إذ ظهر بوصفه وسيطاً بين جيل الثورة التقليدي ومتطلبات السياسة الحديثة.

خلال مرحلة ثورة أيلول أدرك إدريس الطبيعة المركبة للصراع العراقي الكردي، فالدولة المركزية لم تكن خصماً عسكرياً فقط بل نظاماً أيديولوجياً يسعى إلى إعادة تشكيل الهوية الوطنية على حساب التعدد، طوال عهودها الملكية والقاسمية والعارفية والبكرية والصدامية، كما أن البيئة الإقليمية كانت تتحكم في مسار الصراع عبر توازنات دولية مرتبطة بالحرب الباردة، ومن هنا نشأت لديه قناعة بأن النضال الكردي لا يمكن أن يعتمد على التحالفات المؤقتة وحدها، بل يحتاج إلى استقلال قرار سياسي يحافظ على القضية من التحول إلى ورقة تفاوض إقليمية.

وكان مفاوضا بارعا كما في سيرته السياسية وفق فلسفته التفاوضية.

وقد برز دوره بوضوح في مرحلة المفاوضات مع بغداد بداية السبعينيات  قبل وبعد بيان اذار والاتفاقيات التي نقضها البعث، حيث أظهر قدرة تحليلية عالية في قراءة حدود الممكن السياسي، فلم يتعامل مع المفاوضات بوصفها نهاية للصراع بل مرحلة من مراحله، وكان يميل إلى تثبيت المكاسب الواقعية بدلاً من رفع سقف المطالب بصورة تؤدي إلى انهيار العملية السياسية، وقد عكست هذه المقاربة انتقال الفكر الكوردي من منطق الثورة الدائمة إلى منطق التراكم السياسي، وهي نقطة مفصلية في تاريخ الحركة التحررية الكوردي نجح فيها قادة البارتي في تحقيق مكاسب السلم والحرب.

جاءت صدمة عام 1975 بعد اتفاق الجزائر لتشكل اختباراً وجودياً للحركة الكوردية، فقد انهارت الجبهات العسكرية وتفككت البنية التنظيمية وتعرض المجتمع الكوردي لحالة نزوح واسعة، وايذاء وتشتيت ، وفي تلك اللحظة ظهر الدور التاريخي لإدريس بارزاني، إذ رفض تفسير ما جرى  باعتبارها نهاية المشروع، وتعامل معها بوصفها لحظة مراجعة تاريخية، فبدأ عملية إعادة بناء الحزب الديمقراطي الكوردستاتي( البارتي) على أسس تنظيمية جديدة تقوم على المؤسسة لا الشخص، وعلى العمل المجتمعي لا العسكري وحده.

تحولت رؤيته بعد 1975 نحو بناء مجتمع سياسي كوردي قادر على الاستمرار حتى في غياب الثورة المسلحة، فركز على إدخال الكوادر الشابة في العمل الحزبي، وشجع التعليم السياسي والتنظيم الإداري، وربط الحزب بالحياة اليومية للمجتمع الكوردي في المدن والمخيمات، وبذلك انتقل الحزب من حركة ثورية مرتبطة بالجبل إلى بنية سياسية اجتماعية تمتلك امتداداً شعبياً واسعاً، وهو تحول أساسي ضمن فلسفة التحرر الحديثة التي ترى أن المجتمع هو أساس الاستمرار التاريخي لأي حركة تحررية، وهو ما وجدناه لدى اخيه الزعيم مسعود بارزاني معه.

اعتمد إدريس بارزاني واقعية سياسية مختلفة عن البراغماتية التقليدية، إذ لم تكن الواقعية عنده تنازلاً بل وسيلة لحماية الهدف البعيد، فكان يقرأ التحولات الإقليمية بدقة ويتجنب الانخراط في صراعات تفوق قدرة الحركة الكوردية، وكان يؤمن بأن الحفاظ على القوة أهم من استنزافها في مواجهات غير محسوبة، ولذلك اتسمت قراراته بالحذر الاستراتيجي الذي حافظ على استمرارية الحركة في ظروف إقليمية شديدة التعقيد.

في علاقاته الإقليمية تبنى مبدأ تحييد الخصوم بدلاً من صناعة عداوات دائمة، فالتاريخ الكوردي علمه أن التحالفات في الشرق الأوسط متغيرة، وأن الاعتماد المطلق على أي طرف يؤدي إلى فقدان الاستقلال السياسي، لذلك سعى إلى بناء شبكة علاقات متعددة تحافظ على هامش الحركة الكوردية دون أن تجعلها تابعة لأي قوة، وقد أسهم هذا النهج في نقل القضية الكوردية من العزلة الجغرافية إلى الحضور السياسي الإقليمي.

أما في تعامله مع نظام البعث فقد أدرك مبكراً طبيعة الدولة  الشوفينية البوليسية الأمنية، وكان يرى فيها وهي كذلك نسخة من دولة جورج اورويل في رواية 1984،فلم يراهن على تسوية نهائية مع سلطة تقوم على الإقصاء، بل عمل على إدارة الصراع بأدوات متعددة شملت العمل السياسي والإعلامي والتوثيقي، مع التفاوض مهما كان والقتال مهما كان بوجه من يغزون كوردستان ويغيبون الكورد في ابادة كانت تستبق الانفال التي تلت وفاته.

إذ دعم جهود كشف الانتهاكات بحق الكرد أمام الرأي العام الدولي، وساهم في تحويل معاناة المجتمع الكوردي إلى قضية حقوق إنسان تتجاوز حدود العراق، وبذلك بدأ تدويل القضية الكوردية بصورة تدريجية وقد تعرض الى عدة محاولات اغتيال.

آمن إدريس بأن المعركة الحقيقية تدور أيضاً في المجال الثقافي، فالدولة التي تفقد لغتها وذاكرتها تفقد قدرتها على الاستمرار، لذلك دعم التعليم الكوردي واهتم بتشجيع الكتابة والتوثيق التاريخي، وسعى إلى ترسيخ هوية ثقافية جامعة تتجاوز الانقسامات المناطقية والعشائرية، وكان يرى أن بناء الوعي القومي يمثل شرطاً أساسياً لأي مشروع تحرري ناجح.

واهتم بالبارتي ايما اهتمام واهتم بالحوار مع المخالفين.

لقد تميزت فلسفته التاريخية بفهم عميق لمعنى الزمن السياسي، إذ لم يبحث عن انتصار سريع بل عن تراكم طويل يضمن بقاء القضية عبر الأجيال، ولذلك ركز على إعداد جيل جديد من القيادات  في البارتي والبيشمركة وحتى من هم على الحياد  من الكورد، فكان يمتلك أدوات الإدارة  السياسية الناجحة، وهو ما جعل تأثيره يتجاوز حياته القصيرة زمنياً ليصبح جزءاً من البنية الفكرية للحركة التحررية الكوردية الحديثة والمعاصرة.

ومن هنا يظهر الأثر الأعمق لإدريس بارزاني في شخصية ابنه نيجيرفان بارزاني، فالأخير نشأ داخل مدرسة سياسية ترى التفاوض امتداداً للنضال لا بديلاً عنه، وتعتبر الاعتدال قوة سياسية لا ضعفاً، وقد انعكست مبادئ إدريس في أسلوب نيجيرفان القائم على بناء العلاقات الدولية وتقديم نموذج للحكم يعتمد الاستقرار والتنمية والانفتاح، وهو امتداد واضح للفلسفة التي أسسها والده في الجمع بين الواقعية السياسية والحفاظ على الثوابت القومية.

لقد ورث نيجيرفان من إدريس فكرة أن الشرعية السياسية تُبنى عبر خدمة المجتمع قبل إدارة السلطة، وأن القيادة ليست خطاباً جماهيرياً بل قدرة على إدارة التوازنات المعقدة، لذلك يمكن قراءة تجربة إقليم كوردستان في مراحلها اللاحقة باعتبارها استمراراً عملياً للمدرسة الإدريسية التي أعادت تعريف القيادة الكوردية بوصفها عملاً مؤسسياً طويل الأمد.

إن دراسة تاريخ إدريس بارزاني تكشف أن حركة التحرر الكوردية لم تتطور بفعل السلاح وحده بل بفعل التحول الفكري داخل قيادتها، فقد نقل النضال من مرحلة الثورة الدفاعية إلى مشروع سياسي يسعى للاعتراف الدولي والشرعية القانونية، وأسهم في تثبيت مفهوم أن الهوية القومية للكورد وكوردستان تحتاج إلى إدارة عقلانية للصراع تحافظ على الإنسان قبل الأرض.

لم يسع إدريس إلى صناعة صورة بطولية شخصية بل إلى بناء بنية قادرة على الاستمرار بعد غياب القادة، وهذه الرؤية تمثل جوهر فلسفته التاريخية، إذ اعتبر أن القائد الحقيقي هو من يجعل وجوده غير ضروري لاستمرار المشروع، وقد أثبتت تطورات الحركة الكوردية اللاحقة صحة هذا التصور حين استمرت المؤسسات التي شارك في بنائها للبارتي والبيشمركة وكوردستان رغم التحولات الإقليمية العنيفة.

تكمن أهمية إدريس بارزاني وفلسفته السياسية  في أنه أعاد تعريف معنى الهزيمة داخل الفكر التحرري الكوردب، فالهزيمة عنده لم تكن نهاية بل لحظة تعلم تاريخي، ومن خلال هذا الفهم استطاعت الحركة الكوردية إعادة تنظيم نفسها والدخول في مراحل جديدة من العمل السياسي انتهت لاحقاً إلى بناء كيان إداري وسياسي مستقر وفدرالي داخل العراق، وهو تطور يصعب فهمه دون العودة إلى مرحلة إعادة البناء التي قادها ادريس والزعيم مسعود ومن معهما بعد عام 1975.

إن فلسفة تاريخ إدريس تقوم على ثلاث ركائز مترابطة، اولهن : ان المجتمع أساس الشرعية، وثانيهن: ان الواقعية أداة البقاء، وثالثتهن ان المؤسسة ضمان الاستمرار، وقد انتقلت هذه الركائز إلى الجيل اللاحق، وفي مقدمته نيجيرفان بارزاني الذي جسد انتقال القيادة الكردية من زمن الثورة المسلحة إلى زمن الإدارة السياسية والانفتاح الدولي، الأمر الذي جعل تأثير إدريس ممتداً في بنية فلسفة ابنه السياسية.

بهذا المعنى لا يظهر إدريس بارزاني كشخصية عابرة في تاريخ حركة التحرر الكوردية بل كمرحلة فكرية كاملة أعادت صياغة العلاقة بين النضال والسياسة، وبين الهوية والدولة، وبين القيادة والمجتمع، وهو أثر تاريخي يتجاوز حدود حياته الزمنية ليصبح جزءاً من الذاكرة السياسية الكوردية الحديثة، إذ إن كثيراً من ملامح الاستقرار السياسي الذي عرفته كوردستان لاحقاً يمكن رد جذوره إلى تلك الرؤية التي جمعت بين الصمود والمرونة وبين الحلم القومي وإدارة الواقع والتفاوض مع المخالفين وهو ما وجدناه لدى الاب والابن على حد سواء.

إن قراءة مسار حركة التحرر الكوردية من منظور تاريخي مقارن تقود إلى نتيجة واضحة مفادها أن إدريس بارزاني كان  حلقة التحول من القيادة الثورية التقليدية إلى القيادة السياسية المؤسسية، وأن أثره لم يتوقف عند إعادة بناء الباتي  أو تنظيم المجتمع بل امتد إلى تشكيل مدرسة سياسية استمرت عبر ابنه نيجيرفان الذي حمل جوهر تلك الفلسفة إلى مرحلة جديدة من العمل الكوردي المعاصر، وبذلك أصبح إدريس أحد العقول المؤسسة للمرحلة الحديثة من التاريخ السياسي الكوردي، مرحلة انتقلت فيها القضية من حدود الصراع إلى أفق الاعتراف السياسي الدولي.

وهكذا يتضح أن فلسفة تاريخ إدريس بارزاني لا تُفهم من خلال الأحداث المنفصلة بل من خلال أثرها التراكمي في مسار التحرر الكوردي، إذ أسس لنمط قيادة يرى المستقبل امتداداً للماضي دون أن يبقى أسيراً له، ويجعل من الواقعية السياسية وسيلة لحماية الهوية لا للتخلي عنها، وهو الإرث الذي استمر حاضراً في تجربة نيجيرفان بارزاني وفي تطور المشروع السياسي الكوردي حتى اليوم.

::::