مرايا محطمة: رحلة في دهاليز السينما الروسية ما بعد الحداثوية
احمد العتبي: كاتب وناقد سينمائي وروائي من العراق، صدرت له روايتا" وردي" و" يقين".
لطالما عُرفت السينما الروسية بجدّيتها المفرطة، سواء في الحقبة السوفيتية مع "تاركوفسكي"(1) وتأملاته الروحية، أو "أيزنشتاين" (2) ونظريات المونتاج الصارمة. لكن، مع انهيار الاتحاد السوفيتي (3)، ولد تيار سينمائي جديد حاول استيعاب صدمة التحول من اليوتوبيا إلى الاستهلاك المفرط. هنا ولدت ما بعد الحداثة (4) الروسية؛ سينما لا تؤمن بالبطل، ولا بالتاريخ الخطي، بل تعيد تدوير الرموز السوفيتية داخل غلاف من السخرية السوداء.
1. "جيل P": عندما يصبح الواقع هولوغراماً (5) إعلانياً
يعتبر فيلم Generation P (2011) للمخرج فيكتور جينزبرغ (6)، الذروة التجارية والفنية لهذا التيار. الفيلم مقتبس عن رواية فيكتور بيلفين (7)، وهو يتتبع رحلة "بابيلين كيتاروف"، الذي يتحول من بائع في كشك إلى صانع واقع افتراضي للسياسيين.
●التحليل السينمائي: يستخدم الفيلم جماليات الفيديو كليب السريعة ليحاكي تشتت العقل الروسي في التسعينيات. إنه يفكك فكرة الدولة ويحولها إلى مجرد علامة تجارية (Brand).
● أرقام وعوائد: حقق الفيلم نجاحاً محلياً كبيراً، حيث بلغت إيراداته في روسيا ورابطة الدول المستقلة حوالي 4.5 مليون دولار، وهو رقم مرتفع لفيلم تجريبي فلسفي.
● آراء النقاد: وصفه الناقد أندريه بلاشوف بأنه: "الفيلم الذي نجح في تصوير الرأسمالية الروسية ليس كخيار اقتصادي، بل كحالة ذهنية من الهلوسة المستمرة".
● التقييم على imdb يبلغ: (6.7).
● اقتباس محوري: "في بلد لا يوجد فيه واقع، تصبح الدعاية هي الشيء الوحيد الحقيقي".
2. أليكسي بالابانوف (8): تارانتينو الذي لم يبتسم قط..
إذا كان هناك مخرج يجسد ما بعد الحداثة في أبهى صورها الدموية، فهو أليكسي بالابانوف. في فيلمه
Dead Man’s Bluff (2005)
الذي قدم محاكاة ساخرة لسينما العصابات.
● التحليل السينمائي: يعتمد الفيلم على "المعارضة الادبية/الفنية" (Pastiche)، حيث يستعير لغة العنف من السينما الأمريكية ويفرغها من محتواها الأخلاقي، ليقدم كوميديا سوداء عبثية تعكس الفوضى التي تلت سقوط الشيوعية.
● العوائد: الفيلم حقق شعبية "Cult" هائلة، وأصبح مرجعاً للشباب الروسي، محققاً حوالي 4.2 مليون دولار في شباك التذاكر الروسي.
● آراء النقاد: كتبت صحيفة Vedomosti: "بالابانوف لا يصور فيلماً عن القتلة، إنه يصور فيلماً عن موت المعنى في المجتمع الروسي الجديد".
● تقييمه (7.2) على imdb.
3. "الفلك الروسي": تحطيم الزمن السينمائي
في فيلم Russian Ark (2002)، يأخذنا ألكسندر سوكوروف (9) في رحلة بلقطة واحدة مدتها 96 دقيقة عبر متحف الإيرميتاج.
● التحليل السينمائي: هذا الفيلم هو تجسيد لمفهوم ما بعد الحداثة عن الزمن الدائري. لا توجد بداية أو نهاية، بل تداخل بين القرون. الكاميرا هي عينٌ لا تنتمي لزمن محدد، وهي تقنية تكسر كل قواعد السرد الخطّي التقليدي.
● العوائد: حقق الفيلم نجاحاً عالمياً مفاجئاً، بجمع أكثر من 6.7 مليون دولار عالمياً، وهو إنجاز ضخم لفيلم نخبوي.
● آراء النقاد: قال عنه الناقد الشهير روجر إيبرت: "إنه أحد أكثر الأفلام طموحاً في تاريخ السينما، إنه يتحدى فكرة أن الفيلم يجب أن يُقطع ويُوصل".
التقييم (7.2) على imdb.
هل السينما الروسية ما بعد الحداثوية غائبة؟
الحقيقة هي أنها ليست غائبة، بل مستترة. إنها سينما لا تسعى لإرضاء المشاهد بنهايات سعيدة أو رسائل أخلاقية، بل تتركه في مواجهة مع شظايا واقعه. عوائقها ليست فنية، بل تسويقية، فهي سينما ثقيلة ترفض التنميط الهوليودي.. وكأننا بصانعي تيار الواقعية الجديدة الروس يقولون:
"نحن لا نصنع أفلاماً، نحن نصنع مرايا محطَّمة، وعلى المشاهد أن يحاول جمع القطع ليرى وجهه".
إن ما بعد الحداثة الروسية هي صرخة في وجه التاريخ. هي محاولة لقول: إن كل القصص الكبرى قد انتهت، ولم يبقَ لنا سوى اللعب بالصور والذكريات. ربما لا تكتسح هذه الأفلام جوائز الأوسكار، لكنها تظل الأقدر على شرح الروح الروسية في القرن الحادي والعشرين.
------
(1) أندريه تاركوفسكي (Andrei Tarkovsky): مخرج وسينمائي ورؤيوي روسي (1932–1986)، يُعد من أعظم صناع السينما في التاريخ. تميزت أفلامه بالنزعة الفلسفية والشعرية، واللقطات الطويلة، والتركيز على الروحانية والعلاقة بين الإنسان والزمن والطبيعة. من أشهر أعماله "سولاريس"(1972) و"ستالكر"(1979).
(2) سيرجي آيزنشتاين (Sergei Eisenstein): هو مخرج سينمائي ومنظر روسي (سوفيتي) ثوري، يُعتبر واحداً من أهم الشخصيات في تاريخ السينما العالمية، وابو المونتاج السينمائي.. إذا كنت تحب الأفلام، فمن المرجح أنك تشاهد تقنيات اخترعها هو قبل أكثر من 100 عام دون أن تشعر!
(3) الاتحاد السوفييتي: دولة اتحادية شيوعية شملت أجزاء واسعة من أوروبا وآسيا، تأسست في أعقاب الثورة الروسية عام (1917) واستمرت حتى عام (1991). كان يضم 15 جمهورية، أكبرها وأقواها هي روسيا. تفكك الاتحاد رسميًا في ديسمبر 1991 نتيجة أزمات اقتصادية طاحنة، وضغوط سياسية، ومطالبات بالاستقلال من جمهورياته، مما أدى لظهور دول مستقلة أبرزها روسيا، أوكرانيا، بيلاروسيا، وكازاخستان.
(4) ما بعد الحداثة: (Postmodernism): حركة فكرية وفنية نشأت في النصف الثاني من القرن العشرين كتمرد على قيم "الحداثة" والعقلانية المطلقة. تتسم بالتشكيك في السرديات الكبرى، والميل إلى التفكيك، والمحاكاة الساخرة، وخلط الحدود بين الفن الرفيع والثقافة الشعبية، مع التركيز على النسبية وعدم اليقين.
(5) الهولوغرام (Hologram) هو تقنية تصويرية تسمح بإنشاء صور ثلاثية الأبعاد (3D) تبدو ذات عمق بصري، وكأنها مجسمات سابحة في الفضاء، ويمكن رؤيتها من زوايا مختلفة دون الحاجة لنظارات خاصة.
(6) فيكتور جينزبرغ (Victor Ginzburg): مخرج أمريكي من أصل روسي، اشتهر بنقل الروايات الروسية المعاصرة إلى الشاشة الكبيرة. برز اسمه بشكل لافت بعد إخراجه لفيلم "Generation P" المقتبس عن رواية فيكتور بيلفين، والذي يتناول التحولات الرأسمالية في روسيا التسعينيات.
(7) فيكتور بيلفين (Victor Pelevin): روائي روسي معاصر وأحد أبرز كتاب ما بعد الحداثة. تتسم أعماله بالمزج بين الفلسفة البوذية، والرموز الدينية، والواقع الروسي المرير، والخيال العلمي، مع نقد لاذع لثقافة الاستهلاك ووسائل الإعلام.
(8) أليكسي بالابانوف (Aleksei Balabanov): مخرج ومؤلف سينمائي روسي (1959–2013). عُرف بأسلوبه الواقعي القاسي وتصويره للجانب المظلم من المجتمع الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. اشتهر بسلسلة أفلام "Brother" التي تركت أثراً عميقاً في الثقافة الشعبية الروسية.
(9) ألكسندر سوكوروف (Alexander Sokurov): مخرج روسي معاصر يُعتبر الوريث الروحي لتاركوفسكي. يميل في أفلامه إلى التجريب البصري واستكشاف السلطة والتاريخ. من أشهر أعماله "الفلك الروسي" (Russian Ark) المذكور أعلاه، والذي تم تصويره في لقطة واحدة مستمرة داخل متحف الإرميتاج.