نيجيرفان بارزاني في الإمارات مرة أخرى، التوجه نحو الخليج من رجل العراق وكوردستان في السياسة الخارجية العراقية.
د هوشيار مطفر علي امين
حين توجه رئيس الاقليم نيجيرفان بارزاني إلى أبوظبي في زيارة رسمية جديدة اليوم ،فإن الحدث لا يمكن قراءته بوصفه لقاء بروتوكوليا عاديا، ولا باعتباره زيارة تخص إقليم كوردستان وحده، بل هو تطور عراقي عراقي يرتبط بموقع الرجل داخل المعادلة العراقية الأوسع، وبالدور الذي بات يؤديه في ربط العراق بمحيطه الخليجي، وخصوصا مع دولة الإمارات التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة محطة ثابتة في تحركاته السياسية والاقتصادية، ونيجيرفان بارزاني أصبح من أبرز الشخصيات، الممثلة للسياسة الخارجية، لأنه نجح في أن يقدم نفسه شريكا موثوقا للخارج، وصوتا عراقيا عاقلا، وقناة حوار لا تحمل الا الضمانات.
نيجيرفان حين يزور الخليج لا يذهب باعتباره مسؤولا كرديا فقط، بل باعتباره واحدا من أكثر الوجوه العراقية حضورا واحتراما في المنطقة. هذه حقيقة باتت واضحة في العواصم الخليجية، التي تنظر إليه بوصفه سياسيا يفهم توازنات العراق، ويعرف كيف يتحدث باسم المصالح المشتركة، ويملك قدرة نادرة على الجمع بين الانتماء الوطني العراقي والخصوصية الكردية دون تناقض أو توتر ولعل موقفه المدير للازمة اليوم من ازمات الداخل والخارج شاهد من شواهد ذلك.
من هنا تكتسب زيارته الجديدة إلى الإمارات أهمية خاصة. فالعلاقة بين أبوظبي ونيجيرفان بارزاني ليست وليدة اليوم، بل هي علاقة تراكمت عبر سنوات من التواصل المنتظم، واللقاءات المتكررة، والتفاهم المتبادل. الإمارات وجدت فيه شريكا يتحدث بلغة الدولة والاستقرار، وهو وجد فيها دولة تنظر إلى العراق وكوردستان بعين الفرص لا بعين الأزمات فقط.
سبق لبارزاني أن زار الإمارات في أكثر من مناسبة، وفي كل مرة كانت الزيارة تحمل مضامين تتجاوز المجاملة السياسية. كانت هناك دائما ملفات اقتصادية، واستثمارية، وتنموية، إلى جانب القضايا الإقليمية. وهذا يكشف أن العلاقة لم تكن شخصية أو عابرة، بل بنيت على رؤية واضحة لمستقبل التعاون بين الجانبين وعلاقته برئيسها الشيخ محمد بن زايد ونخبها السياسية شاهد على اهميته في الامارات واهمية الامارات فيه.
وفي السنوات الماضية، برز اهتمام إماراتي متزايد بإقليم كوردستان، سواء في مجالات الاستثمار العقاري، أو الطاقة، أو البنية التحتية، أو السياحة، أو الخدمات. ولم يكن ذلك بعيدا عن الدور الذي لعبه نيجيرفان بارزاني في تقديم العراق اولا ثم الإقليم باعتبارهما بلد الاستثمار وباعتبار الاقليم مساحة مستقرة داخل العراق، وقادرة على استقبال المشاريع، وتوفير بيئة أكثر مرونة .
لكن الأهم من ذلك أن بارزاني لم يحصر هذه العلاقة ضمن الإطار الكوردي الضيق، بل عمل دائما على تقديمها باعتبارها جزءا من علاقة أوسع بين الإمارات والعراق. وهذه نقطة جوهرية تفسر حضوره القوي. فهو لا يتحدث بمنطق المنافسة مع الدولة العراقية، بل بمنطق التكامل الوطني، أي أن قوة الإقليم يمكن أن تكون قوة للعراق كله، وأن انفتاح أربيل على الخليج يمكن أن يخدم بغداد أيضا.
هذا الفهم جعل منه شخصية مريحة للعواصم الخليجية. نيجيرفان بارزاني اختار منذ وقت مبكر المسار العراقي اولا فالكردي ثانيا، ولذلك نجح في بناء صورة رجل الدولة العراقي الهادئ، الذي يفضل النتائج على الضجيج، والإنجاز على الاستعراض.
في البيئة العراقية ، هذا النوع من الشخصيات مهم حيث اهمية بناء الثقة مع الخارج. وبارزاني واحد من هذه النخبة. فهو يتحرك بثبات، يتحدث بهدوء، يحافظ على توازناته، ويعرف أن العراق بحاجة إلى أبواب مفتوحة مع الجميع، لا إلى جدران جديدة وسط الحرب الحالية وتداعياتها وبعد تكليف السيد علي الزيدي بتشكيل كابينته الوزارية .
ومن هنا يمكن فهم لماذا ينظر إليه كثيرون بوصفه أحد الوجوه العراقية الأكثر قدرة على إدارة العلاقات مع الخليج. فهو لا يأتي محملا بتاريخ صدامي، ولا بخطاب أيديولوجي، ولا برسائل استفزازية. بل يأتي حاملا لغة الاقتصاد، والاستقرار، والاستثمار، والتعاون الإقليمي. وهذه هي اللغة التي تبحث عنها دول الخليج اليوم في العراق وكردستان.
أما الإمارات تحديدا، فهي تدرك أهمية وجود شركاء عراقيين يمتلكون رؤية واقعية. العراق بلد كبير وغني، لكنه يحتاج إلى الاستقرار وإلى شركاء قادرين على تسهيل العمل الاقتصادي. ونيجيرفان بارزاني يمثل بالنسبة لها نموذجا عراقيا كرديا يمكن التفاهم معه، لأنه يتحدث بلغة المؤسسات، ويؤمن بأن التنمية جزء من السياسة، وليست ملفا منفصلا عنها.
زيارة اليوم تأتي أيضا في لحظة إقليمية حساسة. المنطقة تمر بتحولات واسعة، من إعادة رسم شبكات الاقتصاد، إلى مراجعة التحالفات، إلى البحث عن تهدئة طويلة المدى. وفي مثل هذه اللحظات ترتفع قيمة الشخصيات القادرة على بناء الجسور. نيجيرفان بارزاني رسخ نفسه ضمن هذا النوع من القادة، فهو ليس رجل نزاعات، بل رجل تسويات.
وعراقيا، فإن حضوره في الخليج يحمل معنى إضافيا. فهو يثبت أن العراق ليس بلدا منغلقا أو أسير أزمات الحرب الامريكية الاسرائلية -الايرانية، بل يمتلك العراق شخصيات قادرة على تمثيله بصورة متزنة ومحترمة. كما يثبت أن التنوع العراقي ليس مصدر ضعف، بل قد يكون مصدر قوة، حين يتحول إلى تعدد في القنوات والقدرات.
إن الدور العراقي لنيجيرفان بارزاني وسط القراءة الدقيقة تكشف أن الرجل تجاوز منذ سنوات حدود السياسة المحلية في الإقليم، وأصبح فاعلا عراقيا على مستوى أوسع. فهو يشارك في تخفيف التوترات، ويشجع الاستثمار، ويدعم انفتاح العراق على محيطه العربي، ويقدم صورة مختلفة ضمن النخبة السياسية العراقية.
وهذا ما يجعل تحركاته في الخليج ذات وزن حقيقي. حين يستقبل في أبوظبي أو في عواصم أخرى، فإن الاستقبال لا يخص منصبه فقط، بل يخص الدور الذي يمثله. فهو بالنسبة لكثير من العواصم عنوان لعراق يمكن التفاهم معه، وعراق يريد التنمية، وعراق لا يتحدث الا بلغتهم.
ومن ثم فإن العلاقة مع الإمارات تمنح العراق نفسه مكاسب مهمة. فكل استثمار يدخل إلى كوردستان أو إلى أي جزء من العراق هو مكسب وطني عام. وكل قناة حوار سياسية مستقرة مع دولة مؤثرة مثل الإمارات هي إضافة للمشهد العراقي. ومن هذه الزاوية، يصبح تحرك بارزاني جزءا من القوة الناعمة العراقية.
الزيارة الحالية مرشحة لأن تركز على ملفات التعاون الاقتصادي، وتوسيع الاستثمارات، والتنسيق السياسي، وقراءة أوضاع المنطقة. لكن أهم ما فيها قد لا يكون ما يعلن رسميا، بل الرسالة الكامنة خلفها، وهي أن العراق بعد بدء تشكيل حكومته اليوم ما زال يمتلك شخصيات عراقبة قادرة على الحركة بثقة في الإقليم، وأن الخليج ما زال يرى في العراق شريكا مهما إذا توفرت له القيادة الواقعية.
كما أن تكرار الزيارات يثبت أن العلاقة بين الجانبين أصبحت مؤسساتية وليست مرتبطة بظرف عابر. وهذا إنجاز سياسي بحد ذاته، لأن بناء الثقة في المنطقة يحتاج إلى وقت طويل، ويحتاج إلى وجوه مستقرة يمكن الاعتماد عليها. ونيجيرفان بارزاني استطاع أن يكون واحدا من هذه الوجوه.
في الداخل العراقي، يحتاج كثيرون إلى فهم هذه الحقيقة. نجاح أي مسؤول عراقي في الخارج ليس خسارة لأحد، بل مكسب للعراق كله. وحين ينجح نيجيرفان بارزاني في فتح أبواب الخليج، أو جذب استثمارات، أو تعزيز صورة العراق، وكوردستان فإن ذلك يجب أن يقرأ باعتباره نجاحا وطنيا، لا نجاحا حزبيا أو مناطقيا.
وفي المحصلة، فإن زيارة نيجيرفان بارزاني إلى الإمارات مرة أخرى تؤكد أنه لم يعد مجرد رئيس لإقليم يتحرك ضمن حدوده الفدرالية الدستورية، بل أصبح أحد أبرز رجال العراق في علاقاته الإقليمية، وخصوصا مع الخليج. حيث جمع بين الهدوء السياسي، والواقعية، والقدرة على بناء الثقة، فصار عنوانا لعراق يريد أن يعود إلى محيطه العربي عبر المصالح والتنمية والاستقرار.
لهذا فإن أبوظبي ليست محطة عابرة في جدول زياراته، بل جزء من مسار أوسع عنوانه أن العراق حين يجد من يحسن تمثيله، يستطيع أن يستعيد مكانته، وأن يحول الجغرافيا إلى فرصة، والتنوع إلى قوة، والعلاقات الخارجية إلى رصيد وطني حقيقي.