آلام المسلمين في ظل الحروب: انتهاك لقدسية الإنسان وشهر رمضان

د. سيروان عبدالكريم علي
تشهد اليوم العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة مشاهد مؤلمة من المعاناة والدمار في مناطق متعددة مثل: سوريا، السودان، فلسطين، لبنان، اليمن، بل وحتى خارج الشرق الأوسط كأوكرانيا وروسيا. ومع تفاقم هذه الصراعات المسلحة، يتعرض الشعوب رجالاً ونساءً وأطفالاً، لأشكال شتى من العنف، القتل، والدمار، وسط غياب الرحمة، في وقت يُفترض أن يكون من أكثر شهور الرحمة والتقوى، شهر رمضان المبارك.
رمضان، هذا الشهر الكريم، هو موسم للطهارة الروحية، للصيام عن الطعام، ولكن أيضًا عن الغضب والعنف. هو شهر السلام، والتقوى، ومغفرة الذنوب. شهر تتنزل فيه الرحمات، وتُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار. وهو كذلك شهر الخيرات والكرم، والزكاة والصدقات، والسنة المالية للمسلم الصالح، حيث يخرج زكاته ويواسي الفقير والمحتاج، ويساهم في إعمار الأرض ونشر البركة بين الناس. إنه شهر المصالحة والتوبة، والتراحم بين الأقارب والجيران، شهر تصفو فيه النفوس وتسمو فيه القلوب نحو الله، لا نحو القتال والدمار. ومع ذلك، في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي، تُنتهك قدسية هذا الشهر، وتُسفك فيه دماء المسلمين على أيدي من يزعمون أنهم يقاتلون من أجل العدالة والحرية!
نرى النساء في مناطق النزاع يعانين من فقدان أزواجهن، أبنائهن، وآبائهن، ولا يُعطين فرصة للحزن أو التأمل، فالحرب لا تمنح وقتًا للدموع. أما الأطفال، فهم يصرخون في الليل خوفًا من الطائرات، ويبكون على آبائهم وإخوانهم الذين قُتلوا أمام أعينهم. هم جيل ينشأ لا يعرف شيئًا عن الأمن أو الطفولة، بل يعرف الحرب كأول درس في الحياة.
كذلك الشباب، الذين يُفترض أن يكونوا أمل الأمة ومستقبلها، يعيشون كل لحظة في توتر وخوف من الموت. لا يحلمون بالتعليم أو العمل، بل يسألون أنفسهم: “هل سأبقى حيًا حتى نهاية اليوم؟” ومع كل ضربة جوية، ومع كل رصاصة، يتلاشى في قلوبهم الرجاء ويكبر الألم.
وليس القتل وحده ما يعانيه الشعوب في هذه الحروب، بل هناك أيضًا أشكال وحشية من العنف مثل الاغتصاب، التعذيب، وتهجير الأسر، ناهيك عن انهيار البيوت، وفقدان الممتلكات، وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. والكل يُدمر، باسم “قضية” أو “حق” أو “ثورة”.
المفارقة المحزنة أن كل طرف في هذه الصراعات يزعم أنه يقاتل في سبيل الله، ويعتبر قتاله شبيها بالجهاد ومقدسًا. ولكن، هل يرضى الله عز وجل أن يسفك الدماء بهذه الهمجية؟ هل يقبل سبحانه أن يُستباح شهر الصيام، وأن تُنتهك حرمات المسلمين في أرضه؟
إن الأمر بالقتال والجهاد في الشريعة الإسلامية والأديان الاخرى له شروط، وأساسه رفع الظلم لا صناعته. وأول من يُسأل أمام الله يوم القيامة هو من سفك دمًا بغير حق، لا من بكى على مظلوم. فـ”من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعًا”، كما جاء في كتاب الله العزيز.
الحرية التي تقوم على أشلاء الأطفال ليست حرية، وحقوق الإنسان لا تُنتزع على جثث النساء، ولا تُبنى على أنقاض البيوت والآلام. إن الله لا يرضى بالظلم، ولو ادّعى مرتكبه أنه يُجاهد في سبيله. والله لا ينصر الظالمين، ولو رفعوا راية الدين.
في خضم هذه الفوضى، وفي غياب السلطات الدولية المسالمة، نحن بحاجة إلى الرجوع إلى جوهر الإسلام: الرحمة، العدل، والسلام. وإلى تذكير أنفسنا أن الله يُراقبنا في كل لحظة، وسيسألنا عن كل روح أُزهقت، وكل دم سال، وكل طفل تيتم. رمضان ليس شهر الحرب، بل شهر الرحمة. ومن يُقاتل فيه، عليه أن يتساءل: هل يقاتل في سبيل الله حقًا، أم في سبيل مصالحه وأوهامه؟