حفلة القتلة.. مرآة عراقية مشروخة لوجهِ العالم القبيح.

احمد العتبي*

أبريل 4, 2026 - 11:52
حفلة القتلة.. مرآة عراقية مشروخة لوجهِ العالم القبيح.

تعد  المجموعة القصصية "حفلة القتلة" للروائي والمفكر العراقي علي بدر (الصادرة عن دار ألكا، 2018) واحدةً من أكثر النصوص السردية العربية المعاصرة جرأة في تشريح مفهوم الشر وتحولاته السيكولوجية في بيئات المأزق التاريخي. تتألف المجموعة من 12 قصة قصيرة، من أبرزها "حفلة القتلة" و"كاتب الروايات البوليسية"، وهي نصوص تتجاوز حدود الحكاية لتقدم رؤية أنطولوجية للعالم كفضاء محكوم بالجريمة والعبث.

صناعة الأبطال: من الضحية الهامشية إلى المجرم الوجودي

يُعيد علي بدر في هذه المجموعة صياغة بطل الرواية التقليدي، فالبطل هنا ليس مركزياً ولا مثالياً، بل هو كائن مكسورٌ تقذفه الظروف إلى حافة العدم.
يبرز البطل "سليم ناجي" في قصة "كاتب الروايات البوليسية" كنموذج لهذا البطل، فهو جندي سابق نجا بمعجزة من "طريق الموت" عندما قصفت قوات التحالف الدولي الطريق الدولي السريع رقم (80) الرابط بين الكويت والبصرة، إبان الانسحاب من الكويت، ثم تقلّب في مهنٍ هامشيةٍ كبائع عملة ومساعد حداد في ظل الحصار الاقتصادي المذل في العراق.
وقد اكتُسِب هذا الاسم المروع، طريق الموت، نتيجة لواحدة من أكثر العمليات العسكرية إثارة للجدل في نهاية حرب الخليج الثانية عام 1991.
وكانت الصور المنشورة للإعلام العالمي، الخاصة بذلك الانسحاب الدموي، تعبر عن ذروة الرعب.. في النهاية أصبح الطريق عبارة عن مقبرة جماعية من الحديد المتفحم والجثث المتناثرة على امتداد كيلومترات.

الصفات النفسية للابطال: 

يتسم أبطال علي بدر بالانتقال من حالة الوداعة والبراءة إلى حالة الرؤية المعكوسة.. حيث يرى سليم ناجي العالم بعينَي جرادة تُكبّر القبح وترى خلف الأقنعة.. وهذا بطلٌ آخر يقول: "رايتُ جنودَ الحرسِ وهم يصرخون، يصيحون، يؤشرون بايديهم، رايتُ فجأة بنادق، حرباً، خوذاً حديدية، وجوهاً غاضبة، متعرّقة، ساخطة. شيء من الغضب، شيء من الارتباك، شيء من القسوة، شيء غير مفهوم بالنسبة لنا..... يا لبساطة الجملة: أبيدوا تماماً في المعركة!" فيتحول البطل من متلقٍ للأذى (سجين سابق تعرض للتعذيب والإذلال) إلى صانع للعنف عبر الكتابة أو التخيل، بعد أن يدرك أن "الحياة هي رواية رعب كبيرة".. والحال ذاته يسري على غالبية أبطال القصص في المجموعة.

الجوانب النفسية والوجودية

- تشريح الوحشية البدائية..
تتمحور القيمة الوجودية للمجموعة حول فكرة أن الأخلاق والحضارة ليست سوى قشور رقيقة تخفي تحتها وحشية بشرية متأصلة. يقدم علي بدر رؤية قاتمة للنفس البشرية عبر شخصية "الأستاذ نديم" الذي يلقن أحد الأبطال دروساً في العدمية الأخلاقية.. والاقتباس التالي يعكس ذلك بشكل واضح: "وأنّ في النفس البشرية نقطةً سوداءً تتلذذ بالجريمة وتتشوّق للخوف والرعب. أما الجمال، والبراءة، فكلاهما مُلهِمان للقسوة، والتصرفات الشيطانية. بعد هذا اللقاء الغريب شعر سليم بأنه تحرر من سليم القديم الخائف والمهان، والبريء الذي ينظر للناس بعين وادعة". 

- النزوع الفطريّ للشر: 
تنطلق المجموعة من فرضية أن "في النفس البشرية نقطة سوداء تتلذذ بالجريمة وتتشوق للخوف".

- العدمية الوجودية: تتبنى النصوص فلسفة مفادها أننا نعيش في عالم "ليس فيه إله، ولا جحيم، ولا حق"، مما يحرر الفرد من أي مسؤولية أخلاقية ويجعل من "الأنانية والقسوة المسار الصحيح".

- الجريمة كمرآة: لا تُطلب الجريمة في القصص لذاتها، بل بوصفها الفعل الوحيد القادر على كشف "حقيقة الناس" خلف وداعتهم المصطنعة، حيث يرى البطل الجميلات "غيلان بسواطير" والأطفال "يتحينون الفرصة لشنق والديهم".

السمات الأسلوبية.. النوار العراقي

يستثمر علي بدر تقنيات "روايات النوار" (Noir) والجريمة ليخلقَ مناخاً من التوتر الدائم. من خلال:

- المزج بين الواقع والمتخيل: 
في قصة "كاتب الروايات البوليسية"، تقع الجرائم التي يكتبها البطل في الواقع حرفياً، مما يلغي الحدود بين الفعل الورقي والفعل الجنائي.

- لغة التهكم والسخرية السوداء: 
يبرز ذلك في تصنيف "أنواع الروايات" (روايات للسياسيين، للفلاسفة المزريين، وللرجال المرعبين)، كما يمكن أن نشاهده في عدّة اماكن أخرى كقصة "موت الجندي الخيالي" وبطلها الجندي "سبهان" الذي تكلّم عن نفسه قائلاً: "لم امُت في كل المعارك السابقة، ولكنّ رصاصة اصابت طرف اذني اثناء الواجب في معركة شرق البصرة فسقطت في جيبي. ومن حسن حظي كان الجندي الايراني خائباً في التصويب لأنه سدّد على جبيني في واقع الأمر فأخطأه وبدلاً من هذا اصاب أذني وأطاح بها". وايضاً قوله: "شظية اخترقت كتفي، وأخرى مؤخرتي، وثالثة استقرّت في ذراعي، ومع ذلك يمكنني أن أغرقَ في الضحك،وأتقلّب على بطني لأقلّ نكتة تحكى في الموضع أو أثناء الهجوم".

- جماليات القبح (Aesthetics of the Ugly): يشيرُ الكاتب إلى تأثر أبطاله بالصور الملونة للروايات المترجمة المزوّرة، مما يعكس ذائقة مشوهة ولدت من رحم الحرمان. فوصف شخصية ترى الناس كـ"حشرات" أو "غيلان"؛ بحد ذاته هو قبح بصري ونفسي، لكنه جميل من الناحية الفنية لأنه يعبر بدقة عن حالة الفصام والقطيعة مع الواقع التي يعاني منها بطل القصة.

وبذلك فإن الجماليات القبيحة في رواية حفلة القتلة تعني إيجاد قيمة فنية في "الرذيلة، والدمار، والتشوه". هي الفن الذي يرفض أن يغمض عينيه عن قذارة العالم، ويختار أن يرسم "الجرح" بدلاً من "الوردة"، لأن الجرح في تلك اللحظة التاريخية كان هو الحقيقة الوحيدة الصادقة.

وفق كلّ ما تقدّم، يقدم علي بدر وثيقة إبداعية ترصد تحول الإنسان الضحية إلى كائنٍ مرعب عندما يدرك أن العالم نفسه ليس سوى حفلة كبرى للقتلة.

* احمد العتبي: كاتب وروائي عراقي وناقد سينمائي له روايتا:" وردي" و" يقين"