بين مشاركتين: منظومة العلاقات الخارجية للعراق في مؤتمر ميونخ

د زياد حمد الصميدعي في عالم يعاد تشكيله وفق ديناميكيات غير مستقرة، يصبح حضور الدول في المحافل الدولية اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على التأثير، ولمنظومتها في إدارة العلاقات الخارجية. العراق، الذي كان لعقود محورًا للأزمات أكثر من كونه فاعلًا في حلها، بدأ خلال السنوات الأخيرة في إعادة تعريف موقعه ضمن المشهد الدولي.

بين مشاركتين: منظومة العلاقات الخارجية للعراق في مؤتمر ميونخ

ومؤتمر ميونخ للأمن، أحد أبرز الفضاءات العالمية للنقاشات الاستراتيجية، شهد خلال عامين متتاليين مشاركة رفيعة المستوى من العراق: السيد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في 2024، ورئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني في مؤتمر 2025. هذا التمثيل المهم كل الاعمية لم يكن مجرد حضور بروتوكولي، بل كشف عن مدى نجاح العراق في تطوير منظومة علاقاته الخارجية، ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين أولوياته الداخلية وتعقيدات المشهد الدولي. حضور السيد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في مؤتمر ميونخ للأمن بنسخة2024 كان امتدادًا لمسار انتهجته حكومته منذ تسلمها السلطة، يقوم على تقديم العراق كشريك موثوق للمجتمع الدولي، خاصة في قضايا الأمن والطاقة والاقتصاد. لقاءاته مع قادة دوليين عكست رغبة بغداد في ترسيخ نفسها كقوة إقليمية قادرة على تحقيق الاستقرار في منطقة مضطربة، أما مشاركة السيد نيجيرفان بارزاني في 2025، فهي تأتي ضمن إطار مختلف ولكن متداخل. تثبت ان الدولة العراقية، لها منظومة وشبكة علاقات خارجية خاصة ببعد استراتيجي ، والعراق بمركزه واقليمه يسعى من خلالها إلى تعزيز موقعه كشريك دولي في قضايا الأمن والاستثمار والطاقة. ووجود المشاركة في مؤتمر ميونخ يهدف إلى تأكيد دور العراق كجزء فاعل في استقرار العراق، وفي الوقت ذاته، تعزيز هامش المناورة الدبلوماسية للعراق في التعامل مع اللاعبين الدوليين وسط ازمات سوريا وغزة والصراعات العالمية وتذبذب الطاقة. السؤال هنا: هل يعكس هذا الحضور المزدوج تكاملًا في السياسة الخارجية للعراق، أم أنه مؤشر على وحدة الأجندات بين بغداد وأربيل؟ الواقع أن الأمر يعتمد على كيفية إدارة العلاقة بين الطرفين. في الأنظمة الفيدرالية الناجحة، يُنظر إلى تعدد القنوات الدبلوماسية كعنصر قوة، حيث تستفيد الدولة من تنوع ممثليها في الساحة الدولية لتعزيز مصالحها. وفي الحالة العراقية، لا تزال العلاقة بين بغداد وأربيل مستقرة، رغم الازمات التي لا بد ان تقع في الفدراليات، مما قد يجعل هذا التعدد أحيانًا مصدر قوة للعراق أكثر منه عامل تحد. والحمد لله ..فوحدة العراق هي الأساس وهو ما يؤكد عليه السيد رئيس الوزراء ومعه السيدرئيس الاقليم. العراق في ميزان القوى الدولية: هل نجحت الدبلوماسية العراقية؟ إذا أردنا تقييم نجاح منظومة العلاقات الخارجية العراقية، فعلينا النظر إلى كيفية إدارة بغداد وأربيل لهذه المشاركات ضمن سياق أوسع. هناك ثلاثة مؤشرات رئيسية يمكن من خلالها قياس مدى فاعلية هذه السياسة الخارجية: 1. القدرة على تحقيق مكاسب استراتيجية من المحافل الدولية • حضور مؤتمر مثل ميونخ يجب أن يكون وسيلة لترجمة الحوارات الدبلوماسية إلى اتفاقات عملية، سواء على مستوى الدعم الأمني أو التعاون الاقتصادي. • حكومة السوداني ركزت في 2024 على تأمين استمرار الدعم الأمني للعراق، بينما مشاركة السيد نيجيرفان البارزاني في 2025 قد تكون فرصة لتعزيز التعاون في قضايا تخص أمن العراق والإقليم واستثماراتهما الخارجية ومعلوم ان السيد نيجيرفان البارزاني لديه استراتيجية عراقية كردية استشرافية. 2. تعزيز الوحدة الوطنية عبر السياسة الخارجية • في بعض الدول، تشكّل السياسة الخارجية أداة لتعزيز التماسك الداخلي، و في العراق، فهي غالبًا ساحة لبناء الوحدة والتوحد بين بغداد وأربيل. ما بعد ميونخ: أي مستقبل للدبلوماسية العراقية؟ المشاركة في مؤتمر دولي بحجم ميونخ ليست غاية في حد ذاتها، بل اختبار لقدرة العراق على توظيف هذا الحضور لصالحه. وإذا كانت هذه المشاركات قد عكست حضورًا عراقيًا أكثر فاعلية، فإن التحدي الحقيقي يكمن في المرحلة التالية. على العراق أن يعمل على: 1. تعزيز التنسيق الداخلي في السياسة الخارجية • يجب أن لا يكون هناك تضارب بين أجندة بغداد وأربيل في العلاقات الخارجية، بل يجب أن يكون هناك تكامل استراتيجي يحقق مصلحة العراق كدولة واحدة، وليس ككيانات منفصلة. • يمكن تطوير آلية دبلوماسية مشتركة تضمن توحيد الخطاب العراقي في المحافل الدولية، دون أن يُفقد المركز ولا الإقليم خصوصيتهما الدبلوماسية. 2. توسيع نطاق الحضور العراقي في المحافل الدولية • العراق بحاجة إلى أن يكون لاعبًا أكثر فاعلية في المنظمات الدولية، وليس فقط في المؤتمرات الأمنية. 3. تحويل العلاقات الخارجية إلى مكاسب داخلية • النجاح الحقيقي للدبلوماسية العراقية يُقاس بمدى انعكاسه على الداخل ويجب ان تترجم هذه اللقاءات إلى مشاريع استثمارية، واتفاقيات أمنية واضحة، وسياسات تدعم الاستقرار، العراق في مفترق طرق دولي بين مشاركتي 2024 و2025، هناك رسالة واضحة مفادها أن العراق لم يعد دولة منغلقة على نفسها، بل يسعى لإعادة التموقع في المشهد الدولي. لكن هذا التحرك يجب أن يكون مدعومًا برؤية واضحة ومؤسسات قوية قادرة على تحقيق استدامة في العلاقات الخارجية. إذا استطاع العراق إدارة تعددية قنواته الدبلوماسية بذكاء، وبناء سياسة خارجية إشد تماسكا، وتحويلها إلى عنصر قوة عراقية ، فإنه سوف ينجح في ترسيخ دوره الحقيقي كفاعل إقليمي يحظى باحترام دولي. وهو ما يعمل عليه السيدان السوداني والبارزاني...في استراتيجيتهما العراقية العراقية.