كيف يبدو نيجيرفان بارزاني امس واليوم وسط الحرب الحالية ؟

د هوشيار مظفر علي امين :::: :::: "في هذه الأوقات الصعبة، نؤكد على أهمية حماية الأمن والاستقرار والحل السلمي للمشاكل. ولهذا الغرض ندعو المجتمع الدولي إلى أداء واجبه والعمل لإيقاف الحرب والمواجهات وإعادة الاستقرار إلى المنطقة". من رسالة السيد نيجيرفان للحكومة والشعب الايراني معزيا بالمرشد. :::: ::::

مارس 3, 2026 - 11:57
كيف يبدو نيجيرفان بارزاني امس واليوم وسط الحرب الحالية ؟

::::

(1)

يشكل نيجيرفان البارزاني في المشهد السياسي العراقي والكردي حالة خاصة تستحق قراءة تحليلية تتجاوز الانطباعات العامة وتقترب من تفكيك البنية الذهنية والعملية التي تحكم سلوكه السياسي. فمنذ توليه مواقع تنفيذية متقدمة داخل اقليم كردستان ثم انتقاله الى موقع رئاسة الاقليم، بدا واضحا اننا امام نمط قيادي يمزج بين ارث تاريخي ثقيل وبين واقعية سياسية معاصرة، وبين حس قومي راسخ وادراك عميق لتعقيدات الدولة العراقية وتركيبتها بعد2003.

فلديه رافعة سياسية مكنته من التحرك بثقة داخل بيئة حزبية واجتماعية وسياسية تنظر الى العائلة  البارزانية باعتبارها عنوانا للاستمرارية التاريخية. في الوقت نفسه، حرص على ان لا يبقى اسير هذا الارث، فعمل على تطوير اسلوب مختلف في الادارة والتواصل، يميل الى مدرسة الدولة الحديثة عدا كونه لا يشبه  نموذج الزعامة التقليدية.

منذ بداياته في قيادة الحكومات المتعاقبة في اقليم كردستان، اظهر نزوعا واضحا نحو تثبيت الاستقرار الداخلي باعتباره الشرط الاول لاي مشروع سياسي اوسع. هذا الادراك لم يكن نظريا، بل جاء نتيجة خبرة مباشرة في مرحلة اتسمت بازدواجية السلطة بين المركز والاقليم والصراعات الحزبية والتحديات الامنية والاجتماعية والاقتصادية. لذلك ركز على تقليص مساحات التوتر بين القوى الكردية، وفتح قنوات حوار دائمة حتى في لحظات الاحتقان، واضعا نصب عينيه ان الانقسام الداخلي يبدد اي قدرة على التفاوض الخارجي ويضعف الموقع الكردي في المركز وفي العواصم الاقليمية.

فكان دائما ما يقول انه عراقي كردي وليس كورديا عراقيا.

وفي مقاربته للسلطة، تبدو ملامح القيادة التوافقية واضحة. فهو لا يميل الى الحسم الصدامي، بل الى بناء توافقات تدريجية تراكمية، حتى وان بدت بطيئة في ظاهرها. هذه المقاربة منحته قدرة على احتواء ازمات سياسية ومالية معقدة، خصوصا في ملفات الرواتب والنفط والعلاقة مع الحكومة الاتحادية. وفي كل مرة كان يفضل تفادي نقطة اللاعودة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على سقف تفاوضي يضمن عدم التراجع عن المكتسبات الدستورية للاقليم.

لذلك احبه رؤساء الوزارات العراقيون على تعاقبهم.

::::

::::

(2)

وهكذا سعى الى توسيع صورة البارتي وحكومة الاقليم  خارج الاطار الحزبي.

ففي خطاباته ومبادراته، يتعمد استخدام لغة وطنية شاملة، موجهة الى جميع مكونات الاقليم، بل والى العراق . هذا الخطاب لا يلغي التزامه في ادارة الازمات بالحوار والتفاوض، وهو يقدمه ضمن اطار اتحادي، يربط بين حقوق الاقليم واستقرار الدولة العراقية.

في علاقته ببغداد، اعتمد استراتيجية يمكن وصفها بالتهدئة المستمرة. فبدلا من سوء الفهم، اختار العمل عبر قنوات سياسية ودستورية، وحتى اجتماعية واضعا المسؤولية على عاتق الحكومة الاتحادية في احترام النصوص الدستورية المتعلقة بالاقليم ومصادره وموارده ورواتبه وحقوقه الاستثمارية .

هذه المقاربة لم تمنع وقوع توترات طبيعية، خصوصا حول ادارة الثروات الطبيعية  كالتفذ وحصة الاقليم في الموازنة، لكنها حالت دون تحول الخلافات الى قطيعة كاملة او صراع  مفتوح.

على المستوى الاقليمي، ادرك مبكرا ان جغرافيا كردستان تفرض معادلة دقيقة بين قوى متنافسة. فالعلاقة مع تركيا بنيت على قاعدة المصالح الاقتصادية المتبادلة، لاسيما في مجال الطاقة والتجارة، مع محاولة تحييد الملفات الامنية قدر الامكان. وفي المقابل، حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع ايران، لغاية قبل هذه الحرب مطلع اذار وما تتعرض له ايران وما يصيب الاقليم من قبل فصائل تحاول الانتقام، مدركا حساسية الحدود المشتركة وتشابك المصالح الامنية والاقتصادية وسط تصميم ترامب ونتنياهو على تغيير النظام بعد قتل المرشد وقادته . وهو ما مهده له من قبل حرب الاثني عشر يوما، وهذه السياسة القائمة على تعدد المسارات وفصل الملفات مكنته من تقليل كلفة الاستقطاب الاقليمي، وان لم تلغه بالكامل رغم قصف الاقليم يوميا.

ودوليا، عمل على تقديم اقليم كردستان كنقطة استقرار نسبي في محيط مضطرب. ففي علاقاته مع الولايات المتحدة والدول الاوروبية، ركز على دور الاقليم في محاربة التنظيمات المتطرفة وعلى اهميته كشريك في امن الطاقة. هذه المقاربة عززت حضور الاقليم في دوائر القرار الامريكية، ووفرت له هامشا من الدعم السياسي والاقتصادي في مراحل الازمة خاصة بعد محاولات ترامب التهديد بمعاقبة العراق اذا اختار الاطار مرشحا بعينه.

ونجيرفان وازن ذلك وطنيا وسياسي ودستوريا وفهما للنفوذ بين واشنطن وبغداد واربيل.

واقتصاديا، تبنى رؤية تقوم على تقليل الاعتماد الاحادي على المركز عبر تطوير قطاع النفط والغاز وتنويع العلاقات التجارية. ورغم ان هذا المسار واجه عقبات قانونية وسياسية، الا انه اسهم في ترسيخ فكرة ان الاقليم قادر على ادارة موارده بشكل مستقل نسبيا ضمن الاطار الاتحادي. في الوقت ذاته، سعى الى تشجيع الاستثمار في قطاعات غير نفطية، ادراكا منه لخطورة الارتهان لمصدر واحد للدخل على ما استبان في هذه الحرب اليوم في ماتعرضت له اقتصادات احادية من ضرر وسط تراشق الصواريخ في المنطقة.

واجتماعيا، يظهر نيجيرفان اهتماما واضحا بقضايا الشباب والمرأة والتعليم، فقد دعم برامج التدريب والتأهيل، وعمل على توسيع مشاركة المرأة في مواقع القرار، انطلاقا من قناعة بان تحديث المجتمع شرط لتحديث السياسة. كما اولى اهتماما لتحسين البنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية، باعتبارها ركائز للاستقرار الاجتماعي الذي يشكل بدوره قاعدة للاستقرار السياسي، وساهم في الحوار الكردي الكردي عراقيا وتركيا وايرانيا وسوريا كما في موقفه من ازمة ما بعد تزع حزب العمال الكوردستاني التركي لسلاحه بامر من اوجلان، وازمة قسد مع نظام سوريا الجديد. وازمة كورد ايران المظلومين وتطلعاتهم.

ولا يمكن فصل ادائه عن تاثير الارث العائلي، لكنه تعامل مع هذا الارث بطريقة انتقائية واعية. من تجربة جده مصطفى البارزاني حيث استلهم مركزية القضية القومية واهمية الصمود، ومن تجربة والده ادريس البارزاني  حيث تعلم العمل الهادئ البعيد عن الضجيج، اذ اكتسب خبرة التعامل مع الملفات الكبرى وبناء العلاقات الاقليمية والدولية، غير ان اسلوبه الشخصي اتسم بقدر اكبر من الانفتاح المؤسسي واستخدام ادوات الدولة الحديثة في الادارة وهو ما نراه في السلوك الاجتماعي والسياسي لابنه الصاعد ادريس اليوم.

في سياق الحديث عن مستقبله السياسي، كثيرا ما طرح اسمه كمرشح محتمل لمنصب رئاسة الجمهورية العراقية، مرشحا توافقيا، خاصة بعد الانتخابات الاخيرة وازمتها التاخيرية، وهذا الطرح يعكس صورة تتجاوز الاطار الكوردي الضيق، وتقدم الرجل باعتباره شخصية قادرة على لعب دور توافقي على مستوى الدولة الاتحادية. فهو يتبنى خطابا يؤكد وحدة العراق ضمن نظام فيدرالي متوازن، ويرى ان نجاح الاقليم يمكن ان يكون نموذجا  ضمن الدستور فيما يسميه:" العراقة العراقية".

ووسط ذلك، تواجه استراتيجيته تحديات مستمرة. فالساحة الكردية لا تخلو من تنافسات حادة، والساحة العراقية تعيش حالات من عدم الاستقرار خاصة بعد انتخابات2025، فيما يبقى الاقليم محاطا ببيئة اقليمية شديدة التقلب. كما ان الاعتماد النسبي على الدعم الدولي يجعله عرضة لتغيرات السياسة العالمية، خاصة في ظل تحولات مواقف القوى الكبرى تجاه الشرق الاوسط وسط هذه الحرب على ايران ، وهي اقسى على ايران من الحرب السابقة، وتشظت جمراتها لاربيل ودول الخليج .

ورغم هذه التحديات، يمكن القول ان نيجيرفان البارزاني نجح في ترسيخ نمط من القيادة يقوم على التوازن بين الثابت والمتغير. فهو ثابت في التزامه بحقوق الاقليم الدستورية، لكنه مرن في ادوات تحقيقها. وهو متمسك بالهوية الكوردية، لكنه لا يطرحها في مواجهة مع الهوية العراقية، بل ضمن علاقة تكامل مشروطة باحترام الدستور، وهو رغم القصف الجنوني على اربيل وكوردستان من قبل جهات تريد الثأر من امريكا هاهنا ، وهو قصف له سوابق وسوابق، يمارس انضباط الحكمة العراقية الكردية.

هذا النمط من التفكير ظهر بوضوح في تعاطي اقليم كردستان مع التوترات الاقليمية المتصاعدة في حرب مطلع اذار 2026، على خلفية المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى ومقتل المرشد، ففي تلك اللحظة الحساسة، كان الاقليم امام اختبار دقيق، فالجغرافيا تضعه على تماس مباشر مع ايران، والعلاقات الاستراتيجية تربطه بالولايات المتحدة، حيث يمثل توازن المركز ملفا بالغ الحساسية في السياقين العراقي والاقليمي  ، وهكذا اختار نيجيرفان بارزاني  نهجا يقوم على الحياد الايجابي، مع التشديد على عدم تحويل اراضي الاقليم الى ساحة صراع بالوكالة وهذا الموقف لم يكن مجرد بيان دبلوماسي، بل تعبيرا عن فلسفة سياسية تراكمت عبر سنوات، قوامها ان بقاء الاقليم خارج الاستقطابات الحادة شرط لبقائه مستقرا مهما قصفه من يقصفه ، ولقد حرص على ارسال رسائل متوازنة الى جميع الاطراف، تؤكد احترامه لسيادة الدول ورفضه لتوسيع رقعة الحرب، وفي الوقت ذاته حماية المصالح الاستراتيجية للاقليم بموازاة امن اهله وامانهم.

بهذا المعنى، يمكن قراءة موقف حكومة اقليم كردستان من تلك الحرب بوصفه امتدادا طبيعيا لاستراتيجية نيجيرفان البارزاني في ادارة التوازنات، فهو يدرك ان الانخراط في محاور صلبة قد يوفر مكاسب آنية، لكنه يهدد الاستقرار طويل الامد. ولذلك فضل التموضع في مساحة وسطى، وسط القصف وتهديد من يهدد الاقليم، فكانت حكومة الاقليم ورئاسته تحافظ على قنوات الاتصال مع واشنطن، وتتجنب استفزاز طهران، ورجالاتها، وتمنع جر الاقليم الى مواجهة لا يملك ادوات التحكم بمساراتها.

وبذلك  يقدم نيجيرفان بارزاني  نموذجا لقيادة عراقية اقليمية دولية ، برزت في ميونخ 2026،تحاول التحرك بعقل دولة داخل بيئة ما زالت تحكمها ازمات  المحاور والصراعات المفتوحة. واستراتيجيته  تكمن في قدرته على قراءة موازين القوى، وفي استعداده لتقديم واقعية تكتيكية من اجل الحفاظ على اهداف استراتيجية للعراق والاقليم، وبينما تبقى نتائج هذه المقاربة رهنا بتطورات الداخل العراقي والاقليم المحيط، والحرب الحالية التي لا تبدو نهاياتها  للناظر، فان الثابت حتى الان هو ان الرجل اختار طريق التوازن الدقيق، معتبرا ان حماية استقرار العراق وكوردستان هي البوصلة التي يجب ان توجه كل قرار، خاصة في زمن الحروب المتداخلة والتحولات الكبرى في الشرق الاوسط.

ولعلنا نفهمه من رسالته لاهل روجآفا"هناك دعم سياسي، ولا أحد يفكر بالدعم العسكري، نحن نؤيد رؤية سياسية لحل المشاكل".