الخطاب الأنيق...نيجيرفان بارزاني يرسم مسار الوحدة والقوة من بغداد
خاص لموقع hiwar/ الدكتور هوشيار مظفر علي أمين:أجد في خطاب نيجيرفان بارزاني، الانيق كصاحبه الانيق وفق وصف رئيس مجلس النواب العراقي للسيد رئيس إقليم كردستان، خلال مؤتمر بغداد السابع، لحظة فارقة تتجاوز حدود المناسبات السياسية العابرة. لم يكن هذا الخطاب مجرد عرض دبلوماسي، بل كان بمثابة خارطة طريق استراتيجية أعادت تعريف العلاقة بين أربيل وبغداد، مؤكدة على دور بارزاني كقائد يمتلك القدرة على إدارة الأزمات والصراعات بمزيج من الحكمة والجرأة. من وجهة نظر كردية، يمثل هذا الحدث شهادة على أن الإقليم ليس مجرد طرف في المعادلة العراقية، بل شريك أساسي في صناعة مصيرها.

جوهر الخطاب: اقتباسات تكشف الرؤية
في إحدى اللحظات الحاسمة والأنيقة لخطابه، قال بارزاني: "إن استقرار العراق يبدأ منتكامل بغداد وأربيل، فلا أمن دون تعاون، ولا تقدم دون شراكة حقيقية." هذه الكلماتليست مجرد دعوة للتهدئة، بل تعكس فهمًا عميقًا للعلاقة المتبادلة بين المركزوالإقليم. ولذلك في اجتهادي السياسي ، أرى في هذا التصريح تأكيدًا على أن أربيلليست مجرد ضحية لسياسات بغداد، بل لاعبًا استراتيجيًا لا غنى عنه. بارزاني لم يتحدثمن موقع ضعف، بل من موقع قوة، مشددًا على أن الشراكة يجب أن تكون متكافئة، لامفروضة.
في فقرة أخرى لافتة، أضاف: "نحن جزء لا يتجزأ من العراق، لكن هذا الانتماء يتطلباحترام التنوع واحترام الحقوق." هنا، يبرز بارزاني كصوت يدافع عن الهوية الكردية دونأن ينسلخ عن الهوية العراقية الأوسع. هذه الجملة تلخص معضلة الكرد التاريخية: كيف نكون جزءًا من دولة مركزية دون أن نفقد خصوصيتنا؟ إجابته كانت واضحة: الاحترام المتبادل هو السبيل.
الدور الاستراتيجي: إدارة الأزمة مع المركز
منذ توليه رئاسة الإقليم ، أثبت بارزاني أنه ليس مجرد وريث لإرث عائلة البارزانيالسياسي، بل قائد يمتلك رؤية خاصة في التعامل مع التوترات المزمنة بين أربيلوبغداد. خطابه في مؤتمر بغداد السابع جاء في لحظة حساسة، حيث تتصاعدالخلافات حول قضايا مثل توزيع العائدات النفطية، وتطبيق المادة 140 من الدستور،وحقوق الموازنة. لكنه، بدلاً من التصعيد، اختار نهجًا يعتمد على الحوار كأداة لإدارةالأزمة.
وهكذا أرى أن هذا النهج ليس تنازلاً، بل استراتيجية ذكية تهدف إلى تحويل الصراع منمواجهة مباشرة إلى تفاوض بناء. عندما قال: "نريد عراقًا قويًا يقوينا، وعراقًا مزدهرًايزدهر معه الإقليم"، كان يضع الكرة في ملعب بغداد، داعيًا إياها للتفكير في المصلحةالمشتركة بدلاً من فرض الهيمنة. هذا الخطاب يعكس قدرته على قيادة الصراع بطريقةتجعل أربيل شريكًا لا خصمًا، وهو ما يمنح الكرد موقعًا أقوى في المشهد السياسيالعراقي.
قيادة الصراع: بين الدبلوماسية والموقف الصلب
ما يميز نيجيرفان بارزاني هو قدرته على الجمع بين الدبلوماسية الناعمة والموقفالثابت. ففي حين دعا إلى الوحدة والتعاون، لم يتنازل عن الدفاع عن حقوق الإقليم. عبارته: "التعاون لا يعني التفريط، والوحدة لا تعني الذوبان"، كانت بمثابة رسالةمزدوجة: إلى بغداد بأن أربيل لن تقبل بالتهميش، وإلى الشعب الكردي بأن قيادته لنتبيع مطالبه التاريخية مقابل التقارب.
أجد في هذا الموقف انعكاسًا لتجربة شعبنا الطويلة مع الصراعات. بارزاني لم يكررأخطاء الماضي بالانجرار إلى مواجهات مباشرة قد تضعف الإقليم، بل اختار أن يقودالصراع من موقع الشراكة الاستراتيجية. هذا التوازن جعله يحظى باحترام القادةالعراقيين في المؤتمر، وحتى الجمهور الأوسع الذي يتابع هذه التطورات.
التأثير على المشهد العراقي والكردي
من منظور كردي، وعراقي معه ونيجيرفان عراقي وكردي كما هو في استراتيجيته الوطنية والقومية، يمثل خطاب بارزاني انتصارًا معنويًا وسياسيًا. فهو لم يكتفِ بإثبات أن الإقليمجزء لا يتجزأ من العراق، بل أظهر أن هذا الجزء يمكنه أن يقود نحو حلول لأزمات البلاد. دعوته للتكامل مع المحيط الإقليمي والدولي – التي جاءت ضمن قوله: "عراق قوييعني منطقة مستقرة" – تؤكد أن رؤيته تتجاوز الحدود المحلية لتصل إلى أفقجيوسياسي أوسع، وهو ما يعزز مكانة الكرد كلاعبين فاعلين في المنطقة.
على المستوى العراقي، يُعد الخطاب دعوة لإعادة التفكير في العلاقة بين المركزوالأطراف. لذلك نجد أن نجاح بارزاني في تقديم هذه الرؤية دون استفزاز أو تهديديعكس مهارة نادرة في إدارة التوترات داخل بلد متعدد الانقسامات. إنه يضع أمامبغداد خيارًا واضحًا: إما الشراكة التي تقوي الجميع، أو الاستمرار في سياسات الاستبعادالتي تضعف الدولة بأكملها.
قائد في زمن الأزمات
نيجيرفان بارزاني، في خطابه بمؤتمر بغداد السابع، لم يقدم مجرد كلمات، بل رسممسارًا للعراق يجمع بين الوحدة والقوة. وسنرى في هذا الخطاب تأكيدًا على دورناكشعب وكإقليم في صناعة مستقبل البلاد. دوره الاستراتيجي في إدارة الأزمة مع المركزوقيادة الصراع بحنكة يجعله ليس فقط صوت الكرد، بل صوت العراق الطامح إلىالاستقرار. إنه خطاب يستحق أن يُحتفى به، لأنه يثبت أن الوحدة ليست تنازلاً، بل قوةتجمعنا جميعًا تحت راية واحدة.
نيجيرفان بارزاني انيق في خطابه كعادته اناقة الجمال الخطابي لخطاب سيذكر مرارا وتكرارا...