استراتيجيات نيجيرفان البارزاني
قاسم شفيق الخزرجي على مدار العقدين الماضيين، لعب نيجيرفان بارزاني دورًا محوريًا في صياغة استراتيجيات كردستان السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. واعتمد نهجًا براغماتيًا، يجمع بين الواقعية السياسية والمناورة الدبلوماسية، في مواجهة التحديات الداخلية والإقليمية. لفهم مستقبل كردستان، لا بد من تحليل ثلاث مراحل أساسية في استراتيجيته: النهج القديم، الأساليب الحالية، والرؤية المستقبلية.

1. الاستراتيجية القديمة: بناء الدولة تحت مظلة التحالفات الدولية مع توليه رئاسة حكومة إقليم كردستان في أوائل الألفينات، ركّز نيجيرفان بارزاني على وضع أسس استقرار كردستان في بيئة ما بعد سقوط نظام صدام حسين. تضمنت استراتيجيته ثلاث ركائز أساسية: • التحالف مع الولايات المتحدة: وذلك لضمان حماية الإقليم من التهديدات الإقليمية. • علاقات اقتصادية مستقلة: تعزيز قطاع النفط عبر اتفاقيات مع شركات دولية، مما منح كردستان استقلالًا ماليًا نسبيًا عن بغداد. • سياسة متوازنة مع الجوار: الحفاظ على علاقات ودية مع تركيا وإيران، مع تجنب الدخول في صراعات إقليمية مباشرة. نجحت هذه الاستراتيجية في تثبيت كردستان كيانا شبه مستقل، لكنها واجهت تحديات كبرى مع تصاعد الخلافات مع بغداد حول النفط، وظهور داعش عام 2014، والثورات في الذي سمي بالربيع العربي خاصة في ازمة سوريا قبل سقوط بشار الاسد. 2. الاستراتيجية الحالية: إدارة الأزمات وتحديث السياسات الداخلية في السنوات الأخيرة، تبنّى نيجيرفان بارزاني نهجًا أكثر واقعية وديناميكية لمواكبة التحولات الإقليمية والدولية. هذه الاستراتيجية ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: • إعادة ضبط العلاقة مع بغداد: اذ طالما اكد أن المواجهة مع بغداد ليست خيارًا مستدامًا. فقاد نيجيرفان البارزاني مفاوضات مع الحكومة العراقية لتحقيق توافقات اقتصادية وسياسية، مع التركيز على ملفي النفط والموازنة. • الإصلاح الداخلي: رغم مقاومة بعض القوى التقليدية، دفع باتجاه إصلاحات في مؤسسات الحكومة والبيشمركة، مدعومة بجهود استراتيجية محوكمة لتحديث البنية الأمنية للإقليم. • تعزيز الدور الدبلوماسي: بتكثيف التواصل مع القوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك تركيا، إيران، الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، لضمان دور نشط لكردستان في معادلات المنطقة. ورغم هذه الجهود، لا تزال تحديات كبيرة تهدد هذه الاستراتيجية، أبرزها الأزمة الاقتصادية، والانقسامات الداخلية، وضغوط القوى الإقليمية المتنافسة على النفوذ في العراق. 3. الاستراتيجية المستقبلية: رؤية متكاملة لكردستان ما بعد الأزمات مع استمرار التحولات السياسية في العراق والمنطقة، يبدو أن نيجيرفان بارزاني يعمل على بناء استراتيجية طويلة الأمد، تعتمد على خمسة محاور: أ. التحول الاقتصادي: تقليل الاعتماد على النفط يدرك نيجيرفان بارزاني أن الاعتماد الكلي على النفط يشكل خطرًا على استقرار كردستان. لذلك، يعمل على: • جذب الاستثمارات الأجنبية والخليجية في قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة. • تطوير البنية التحتية لتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة. • تحسين السياسات الضريبية والمالية لتعزيز الاقتصاد المحلي. ب. توحيد مؤسسات الحكم والأمن نجاح كردستان يعتمد على تقوية المؤسسات الحكومية وتقليل تأثير الولاءات الحزبية داخلها. لتحقيق ذلك، يسعى نيجيرفان في استراتيجياته إلى: • دمج قوات البيشمركة في مؤسسة أمنية موحدة تحت إدارة الدولة. • تطوير المؤسسات التشريعية والقضائية لتكون أكثر استقلالية وفاعلية. • إعادة هيكلة وحوكمة الأحزاب السياسية لخلق بيئة تنافسية أكثر استقرارًا. ج. تعزيز الشراكة مع بغداد دون التفريط بالاستقلال الذاتي بدلًا من الصراع على الموارد، يتبنى نيجيرفان بارزاني نهج “التكامل الاقتصادي” مع العراق، عبر: • اتفاقيات طويلة الأمد بشأن النفط والغاز، تمنح الإقليم نسبة ثابتة من الإيرادات مع ضمان استقلالية التصدير جزئيًا. • تطوير مشاريع مشتركة في مجالات البنية التحتية والطاقة. • تعزيز الحضور الكردي في المؤسسات الفيدرالية العراقية لضمان تمثيل أوسع لمصالح الإقليم. •المطالبة بكافة حقوق كردستان الدستورية د. الانفتاح الإقليمي والدولي: بسياسة خارجية متوازنة وفي ظل التنافس الإقليمي الحاد، يعمل نيجيرفان بارزاني على تحقيق توازن دقيق بين: • الحفاظ على علاقات قوية مع تركيا. • تقليل التوترات مع إيران، وتجنب استخدام أراضي كردستان كمنصة لصراع إيراني-أمريكي. • تعزيز العلاقات مع واشنطن والاتحاد الأوروبي للحصول على دعم اقتصادي وأمني مستمر. هـ. الاستعداد للمتغيرات الجيوسياسية في سوريا وإيران مع تغير النظام في سوريا، وتأثير ذلك على أكراد الشمال السوري، يقوم نيجيرفان بارزاني بالتعامل الواقعي مع السيناريوهات المستقبلية عبر: • دعم حل سياسي يحافظ على حقوق الأكراد دون استفزاز تركيا. • بناء تفاهمات مع دمشق والمعارضة الكردية لكرد سوريا الذين يشعرون بالتهميش بعد سقوط بشار، لخلق شراكات استراتيجية مستقبلية. • الاستعداد لموجات ازمات وصراعات وتأثيراتها على أمن الإقليم. النتيجة: هل تنجح هذه الاستراتيجية؟ نيجيرفان بارزاني لا يزال أمام اختبار صعب: هل يستطيع تنفيذ هذه الرؤية وسط التحديات الداخلية والخارجية؟ ونجاحه يعتمد على قدرته على تحقيق ثلاثة شروط أساسية: 1. تحقيق توافق داخلي بين القوى الكردية: فبدون توافق سياسي، ستظل الإصلاحات معطلة. 2. الحفاظ على توازن دقيق بين بغداد وأنقرة وطهران وواشنطن: فأي انحياز غير محسوب قد يعرض الإقليم لأزمات جديدة. 3. تحقيق قفزة اقتصادية تقلل من حاجات الإقليم أمام الأزمات النفطية: فمستقبل كردستان لا يمكن أن يبقى مرتبطًا بأسعار النفط فقط. إذا نجحت هذه الاستراتيجية، فقد يصبح نيجيرفان بارزاني الرجل الذي وضع أسس كردستان الحديثة. بما يعيد صياغة معادلات القوة الكردية من جديد.