نوروز ونيجيرفان بارزاني.. من أفق التهنئة...
خاص لموقع hiwar/ د هوشيار مظفر علي أمين:يحلّ عيد نوروز كل عام حاملاً معه رمزية عميقة تتجاوز مجرد كونه رأس السنة الكردية. إنه احتفال بالحياة والتجدد والانبعاث من جديد، وهوية متجذرة في الوجدان الكردي عبر التاريخ. لكن هذا العيد ليس مجرد ذكرى ثقافية، بل هو مناسبة سياسية بامتياز، يتجلى فيها واقع الكرد وتطلعاتهم، وهو ما يتضح في رسالة رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، الذي استغل المناسبة ليؤكد رؤيته حول حاضر ومستقبل شعبه.

نوروز.. رمز الحرية والانبعاث الكردي
يصف نيجيرفان بارزاني عيد نوروز بأنه “رمز للحرية والتجدد والانبعاث، هو عيد الأمل والإرادة والنهوض والصمود والتطلع إلى مستقبل أفضل”. في هذا التعريف، هناك أبعاد تتجاوز الطابع الاحتفالي، فهو يرى في نوروز رسالة سياسية وثقافية للكرد، ودعوة دائمة إلى النضال والمقاومة من أجل الحقوق.
نوروز في وجدان الكرد ليس مجرد عيد، بل هو تأكيد على الوجود السياسي والقومي. الشعلة التي تضيء الجبال ليست مجرد نار، بل هي إشارة واضحة إلى الكفاح الذي خاضه الكرد عبر التاريخ للحفاظ على هويتهم. يكرس بارزاني هذه الرمزية في خطابه عندما يربط نوروز بالدعوة إلى “توحيد الصفوف والتفاهم والتعاون في سبيل حماية الحقوق والمكاسب الدستورية والفيدرالية والكيان السياسي لإقليم كوردستان”. هنا، يظهر بعد جديد لعيد نوروز، فبدلاً من أن يكون مجرد احتفال، يصبح أداة سياسية لحماية المكتسبات الكردية.
إقليم كوردستان.. بين الواقع والطموح
يحل نوروز هذه السنة في وقت يمر فيه إقليم كوردستان والمنطقة عموماً بظروف حساسة، وهو ما أشار إليه نيجيرفان بارزاني بقوله “يحل علينا عيد نوروز في وقت تمر فيه المنطقة والعالم بظروف حساسة، وأن تجاوز التحديات التي تواجهنا بنجاح، بحاجة إلى العمل المشترك والحوار البناء بين الأطراف السياسية والمكونات داخل إقليم كوردستان ومع بغداد”.
هذه الجملة تختصر الكثير من التحديات التي يواجهها الإقليم، فالعلاقة مع بغداد كانت ولا تزال محوراً معقداً يحدد مصير الاستقرار السياسي والاقتصادي في كوردستان. بارزاني يعيد التأكيد على “الالتزام بالدستور كأساس لحل جميع الخلافات من خلال الحوار والتفاهم المشترك”، في رسالة واضحة إلى بغداد بأن الحل يكمن في تطبيق الدستور العراقي واحترام النظام الفيدرالي.
لكن، هل تنجح هذه الاستراتيجية؟
النهج السلمي الذي يتبناه نيجيرفان بارزاني هو انعكاس لرؤية سياسية بعيدة المدى تسعى لتجنيب كوردستان صراعات جديدة، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالمنطقة. فعوضاً عن التصعيد، يدعو بارزاني إلى الحوار والعمل المشترك، وهو نهج أثبت نجاحه إلى حد ما في الحفاظ على استقرار كوردستان رغم الأزمات المتكررة.
السلام كقوة استراتيجية للكرد
واحدة من أهم المحاور التي ركز عليها نيجيرفان بارزاني في خطابه هو السلام كخيار استراتيجي للكرد. يقول: “السلام والنهج السلمي هما أعظم قوة وأفضل طريق أمام الكرد وشعب كوردستان”، مضيفاً أن “مطالب شعب كوردستان عادلة للغاية، والسلام يوفر أرضية ملائمة لتوضيح هذه المطالب”.
هذه الجملة تحمل في طياتها تحذيراً ذكياً، فبارزاني يدرك أن العالم اليوم يسير نحو نهج التسويات السياسية، لا الصراعات المسلحة، وهو ما يحاول ترسيخه في السياسة الكردية. على المستوى الدولي، يحظى الكرد بتعاطف كبير، ولكن لكي يتحول هذا التعاطف إلى مكاسب سياسية حقيقية، يجب أن يتم التعبير عنه بأسلوب دبلوماسي وسلمي، وليس بأساليب المواجهة العنيفة.
كما يؤكد بارزاني أن “النهج السلمي يدفع بالقضية الكردية إلى الأمام على مستوى العالم”، وهذا يعكس تفكيراً استراتيجياً يدرك أن الشرعية الدولية لم تعد تُبنى بالقوة فقط، بل بقدرة الشعوب على تقديم نفسها كشريك مستقر وموثوق به في المعادلات السياسية الإقليمية والعالمية.
كوردستان.. نموذج التعايش والانفتاح
في سياق رؤيته لمستقبل كوردستان، يشدد نيجيرفان بارزاني على دور الإقليم كواحة للتعايش السلمي وقبول الآخر، قائلاً: “نحن في إقليم كوردستان مؤمنون بثقافة وقيم التعايش السلمي والتسامح وقبول الآخر”، مضيفاً أن كوردستان “عامل أمان واستقرار في المنطقة، وهو يمد يد الصداقة والتعاون لجميع مكونات العراق ولدول المنطقة والعالم”.
هذا التصور يعكس رغبة القيادة الكردية في تقديم كوردستان كنموذج للاستقرار، بعيداً عن النزاعات الطائفية والإثنية التي تعصف بالمنطقة. فهو لا يريد لكوردستان أن تكون مجرد إقليم يطالب بحقوقه فحسب، بل يريدها أن تكون شريكاً فاعلاً في بناء الاستقرار الإقليمي.
هذا الخطاب ليس موجهاً فقط إلى الداخل الكردي أو حتى العراقي، بل هو رسالة إلى المجتمع الدولي بأن كوردستان مستعدة لأن تكون نقطة ارتكاز لاستقرار الشرق الأوسط، وهو طرح قد يلقى استجابة من القوى الكبرى التي تبحث عن مناطق مستقرة لدعمها في منطقة مضطربة.
الأزمة الاقتصادية ومعاناة المواطنين
يدرك نيجيرفان بارزاني أن الواقع الاقتصادي يشكل أحد أكبر التحديات التي تواجه كوردستان اليوم، لذلك لم يغفل الإشارة إلى معاناة المواطنين، قائلاً: “نحن مطلعون عن كثب على الصعوبات والأوضاع المعيشية لمواطني كوردستان، ونؤكد أن تحسين ظروفهم المعيشية أولوية أساسية لدى جميع مؤسسات إقليم كوردستان”.
هذه الجملة تحمل بُعدين مهمين:
• الاعتراف بالمعاناة الاقتصادية، وهو أمر مهم للحفاظ على ثقة المواطنين بالقيادة.
• التأكيد على العمل المستمر لحل الأزمات، مما يعكس التزام القيادة بتجاوز الأزمة.
لكنه يربط بين هذه الأزمة وبين روح نوروز التي تقوم على الأمل، قائلاً: “نجدد الآمال في أن هذه الصعوبات ستمرّ، ولن نستسلم وسنمضي معاً بأمل وتفاؤل نحو مستقبل أفضل”.
ختاماً.. نوروز كرسالة سياسية للمستقبل
نوروز ليس مجرد عيد في كوردستان، بل هو تذكير سنوي بقوة الإرادة الكردية ورغبتها في تحقيق مستقبل أكثر استقراراً وعدالة. من خلال خطابه، قدم نيجيرفان بارزاني خارطة طريق لرؤيته حول مستقبل كوردستان، ركز فيها على الحوار مع بغداد، السلام كقوة استراتيجية، والتعايش كقيمة أساسية، مع التأكيد على الالتزام بتحسين الواقع الاقتصادي.
الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها هي أن كوردستان تريد أن تكون جزءاً من الحل، وليس جزءاً من الصراع. وبينما تتغير التحالفات في الشرق الأوسط، تظل السياسة الحكيمة هي المفتاح لضمان أن يكون الكرد رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية والدولية.
نوروز ليس فقط ربيع الطبيعة، بل هو أيضاً ربيع الكرد الذي يتجدد كل عام بحلم أكبر وطموح لا ينكسر.