لن يستوي الإداري الفاسد والمهني مهما كان قدراته ومؤهلاته

لن يستوي الإداري الفاسد والمهني مهما كان قدراته ومؤهلاته

 سيروان عبد الكريم علي

 سياسي أكاديمي

إن تحليل الفروق بين المسؤول الإداري الفاسد والمسؤول المهني يعد أمرًا حيويًا لفهم التحديات التي تواجه المؤسسات العراقية في الوقت الراهن. فكثيرًا ما تتعرض المؤسسات العامة والخاصة لممارسات فاسدة تؤثر سلبًا على أدائها وتقوض ثقة المواطنين بها، وهذه الممارسات غالبًا ما تكون مرتبطة بالثقافة السائدة التي أصبحت تتقبل الفساد وكأنه أمر طبيعي لا مفر منه. في هذا المقال، سأناقش الاختلافات الجوهرية بين المسؤول الإداري الفاسد والمسؤول المهني، مع الأخذ بعين الاعتبار السياق الثقافي المحلي المعقد.

لنبدأ بالولاء والانتماء حيث يتميز المسؤول الإداري الفاسد بولائه المطلق للعائلة والعشيرة والحزب، متجاهلاً مصلحة المؤسسة والمجتمع بشكل عام. فهو يوظف أقاربه وأصدقاءه في مناصب لا يستحقونها، ويمنح العقود والامتيازات لمن تربطه بهم علاقات شخصية، معتمدًا على مبدأ "الواسطة" الذي أصبح متجذرًا في الثقافة الوطنية المعاصرة. في المقابل، يضع المسؤول الإداري المهني مصلحة المؤسسة والمجتمع فوق أي اعتبار آخر، ويلتزم بمعايير الكفاءة والنزاهة في التوظيف والترقية ومنح العقود، رافضًا الضغوط العائلية والعشائرية والحزبية التي قد تدفعه للتنازل عن هذه المعايير.

 من حيث الشفافية والمساءلة كعنصرين رئيسيين للإدارة، يتهرب المسؤول الإداري الفاسد من الشفافية والمساءلة، ويحيط قراراته بسرية مطلقة، خشية افتضاح أمره وكشف تجاوزاته. كما يستغل ثغرات النظام وضعف آليات الرقابة ليمارس الفساد بحرية، مستندًا إلى شبكة من العلاقات تحميه من المحاسبة. أما المسؤول الإداري المهني، فيؤمن بأهمية الشفافية والمساءلة، ويحرص على توثيق قراراته وتبريرها بشكل واضح، ويرحب بالرقابة والتدقيق، ويتقبل النقد البناء، ويعمل على تصحيح أخطائه عندما تظهر.

 أحد اهم المجالات هي العلاقة مع المواطنين والمراجعين حيث ينظر المسؤول الإداري الفاسد إلى المواطنين والمراجعين كوسيلة للإثراء الشخصي، ويبتزهم بشكل مباشر أو غير مباشر، ويعقد الإجراءات عمدًا ليجبرهم على دفع الرشاوى لتيسير معاملاتهم. وهو يميز بين المراجعين على أساس انتماءاتهم العائلية والعشائرية والطائفية والحزبية، ويتعامل معهم بازدواجية صارخة. في حين يتعامل المسؤول الإداري المهني مع جميع المواطنين والمراجعين باحترام وتقدير، بغض النظر عن انتماءاتهم، ويسعى لتبسيط الإجراءات وتسهيل المعاملات، ويرفض أي شكل من أشكال الرشوة أو المحسوبية.

عندما ندرس الموقف من القانون والنظام، يتعامل المسؤول الإداري الفاسد مع القانون والنظام بانتقائية، فهو يطبقهما على الآخرين بصرامة، لكنه يتجاوزهما ويخرقهما عندما يتعلق الأمر بمصالحه الشخصية أو بمصالح المقربين منه. وهو يستغل ثغرات القانون ويتلاعب بالنصوص لتبرير تجاوزاته، مستفيدًا من ضعف المنظومة الرقابية وهيمنة الأعراف العشائرية في بعض المناطق. أما المسؤول الإداري المهني، فيحترم القانون والنظام ويلتزم بهما في جميع تصرفاته، ويطبقهما على الجميع بعدالة ومساواة، ويسعى لتعزيز سيادة القانون وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية.

 عندما نذكر التطوير والإبداع، يقاوم المسؤول الإداري الفاسد أي محاولة للتطوير والإبداع، خشية أن تؤدي إلى كشف فساده أو تقليص نفوذه وامتيازاته. فهو متمسك بالأساليب القديمة والبيروقراطية المعقدة التي تتيح له فرص الفساد، ويحارب أي مبادرة للإصلاح أو التحديث، ويحاصر الكفاءات ويهمشها، ويشجع على الولاء الأعمى بدلًا من الكفاءة والإبداع. بينما يسعى المسؤول الإداري المهني دائمًا للتطوير والإبداع، ويرحب بالأفكار الجديدة والأساليب الحديثة، ويشجع الكفاءات ويدعمها، ويؤمن بأهمية التدريب والتأهيل المستمر، ويسعى لمواكبة التطورات العالمية في مجال عمله.

من حيث التعامل مع المال العام، ينظر المسؤول الإداري الفاسد إلى المال العام كغنيمة شخصية، فهو يستغل منصبه للإثراء السريع على حساب المؤسسة والمجتمع، ويتلاعب بالميزانيات والمشتريات والعقود، ويهدر الموارد في مصالح شخصية أو حزبية ضيقة. وهو لا يميز بين المال العام والمال الخاص، ويستخدم ممتلكات المؤسسة وإمكاناتها لأغراضه الشخصية. في المقابل، يتعامل المسؤول الإداري المهني مع المال العام بأمانة وحرص شديدين، فهو يدرك أنه مؤتمن عليه ومسؤول عن حسن استخدامه، ويحرص على ترشيد الإنفاق وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المتاحة، ويرفض أي إغراء أو ضغط قد يدفعه للتفريط في المال العام.

اما عن القيم الأخلاقية، يتميز المسؤول الإداري الفاسد بازدواجية أخلاقية صارخة، فهو يتشدق بالقيم والمبادئ في العلن، لكنه ينتهكها في السر، ويتخذ من الدين والتقاليد ستارًا يخفي وراءه فساده واستغلاله، ويبرر تجاوزاته بذرائع واهية. أما المسؤول الإداري المهني، فيلتزم بمنظومة أخلاقية متكاملة، نابعة من قناعات راسخة، وليس من خوف أو مصلحة آنية، ويعكس هذه المنظومة في كل تصرفاته وقراراته، ويكون قدوة للآخرين في النزاهة والإخلاص والتفاني.

 إن الفروق بين المسؤول الإداري الفاسد والمسؤول المهني عميقة وجوهرية، وهي تنعكس بشكل مباشر على أداء المؤسسات الادارية وعلى ثقة المواطنين بها. ورغم أن الثقافة السائدة قد تشجع على الفساد وتبرره في بعض الأحيان، إلا أن هناك العديد من النماذج المشرفة للمسؤولين المهنيين الذين يقاومون هذه الثقافة ويتمسكون بقيم النزاهة والكفاءة والمسؤولية. إن تعزيز هذه النماذج ودعمها يمثل خطوة أساسية نحو مكافحة الفساد وبناء مؤسسات قوية وفعالة، قادرة على النهوض بالمجتمع وتحقيق تطلعات شعبه في حياة كريمة ومستقبل أفضل.

 إن مواجهة الفساد الإداري في العراق ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع مكونات المجتمع، من مؤسسات رسمية ومنظمات مجتمع المدني ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية والأفراد. وهي تتطلب تغييرًا ثقافيًا عميقًا، يبدأ من تنشئة الأجيال الجديدة على قيم النزاهة والمواطنة، ويمر بإصلاح النظام التعليمي وتعزيز الوعي المجتمعي، ويصل إلى تطوير التشريعات وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة. إن طريق الإصلاح طويل وشاق، لكنه الطريق الوحيد لبناء دولة قوية، تسوده العدالة والمساواة، وينعم فيه جميع المواطنين بحياة كريمة.