تراجع الكورد ودمشق عن حافة الهاوية مع توقيع قوات سوريا الديمقراطية اتفاقًا جديدًا مع الحكومة السورية
أمبرين زمان – 30 كانون الثاني 2026
بعد دبلوماسية مكثفة قادتها الولايات المتحدة، اتفقت الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات القيادة الكوردية على وقف إطلاق النار وخطة اندماج مرحلية، ما جنّب اندلاع صراع شامل.
القامشلي، سوريا — أعلنت الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) يوم الجمعة عن اتفاق جديد بعد أيام من حركة دبلوماسية مكثفة شملت اتصال الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع للمرة الثانية خلال تسعة أيام، في ظل احتمالات اندلاع صراع واسع النطاق.
وفي بيانين متطابقين، قالت دمشق وقسد إنهما توصلتا إلى وقف لإطلاق النار «في إطار اتفاق شامل، مع تفاهم على عملية اندماج مرحلية للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين»، إلى جانب انسحاب قواتهما من نقاط التماس على طول خطوط الجبهات.
ورغم افتقار الاتفاق إلى التفاصيل، فإنه يمثل اختراقًا للكورد، إذ وافقت دمشق على تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات سوريا الديمقراطية. كما ستحتفظ قسد بلواء مستقل لمدينة كوباني الحدودية، التي كانت محاصَرة من قبل القوات الحكومية السورية لأكثر من أسبوع. وفي المقابل، ستدخل قوات أمن تابعة لوزارة الداخلية إلى المدينتين الخاضعتين لسيطرة الكورد: الحسكة والقامشلي. ولا يرد في الاتفاق أي ذكر للامركزية، وهو المطلب الذي كانت قسد تضغط من أجله قبل كل شيء.
وعلى الرغم من قلة التفاصيل، قوبل الإعلان بارتياح لدى الكورد في سوريا، الذين عاشوا في خوف من هجوم شامل من قبل القوات الحكومية السورية المدعومة من حليف دمشق الأبرز، أنقرة. ويمثل الاتفاق مكسبًا للطرفين، وإن كانت دمشق قد خرجت في نهاية المطاف أقوى — نتيجة التحولات الإقليمية الدراماتيكية وسقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024. وتقود سوريا اليوم مجموعة من الجهاديين السابقين، وهي أحدث حليف لواشنطن في الشرق الأوسط. أما قسد فقد تجاوزت دورها السابق كحليف للبنتاغون في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية.
سلام بدا بعيد المنال
حتى مطلع هذا الأسبوع، بدا السلام بعيد المنال، إذ قاومت دمشق مطالب القائد العام لقسد، مظلوم كوباني، بالالتزام بتعهدات سابقة تسمح لقسد بالاحتفاظ بعدة ألوية تندرج تحت القيادة العامة للجيش السوري لكنها تعمل داخل المناطق ذات الغالبية الكوردية.
ويبدو أن الرئيس السوري كان واثقًا من موقفه، فنجح في 18 كانون الثاني في إقناع كوباني بتوقيع اتفاق يقضي عمليًا بحلّ قسد وانضمام مقاتليها فرادى إلى الجيش الوطني السوري. وفي اتصال هاتفي جرى في 19 كانون الثاني/يناير، حثّ ترامب الرئيس السوري على وقف تقدم الجيش الحكومي بعد اندلاع اشتباكات قرب سجون تضم معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية، حيث فرّ ما لا يقل عن 120 سجينًا — بحسب اعتراف دمشق — من منشأة احتجاز الشدادي في محافظة الحسكة.
وأدت التقدمات المذهلة للجيش السوري منذ مطلع كانون الثاني/يناير، والتي جاءت عقب اشتباكات في حلب حول حيّين ذوي غالبية كوردية، إلى خسارة الكورد 80% من الأراضي التي كانوا يسيطرون عليها، بعدما انقلبت قبائل عربية كانت موالية لقسد لدعم دمشق. واندلعت معارك عنيفة على ثلاث جبهات منفصلة في الحسكة وكوباني وتشيل آغا، قرب الحدود العراقية. ووفقًا لعدة مصادر مطلعة أطلعت «المونيتور» على التطورات شريطة عدم الكشف عن هويتها، شكّل الاتصال الهاتفي الذي جرى في 28 كانون الثاني بين ترامب والشرع نقطة تحول حاسمة.
وقالت المصادر إن ترامب حثّ الشرع على إبداء مرونة أكبر، دون تقديم تفاصيل. وقد قام الرئيس السوري بعدة خطوات إيجابية، منها إقرار اللغة الكوردية لغة وطنية يمكن تدريسها في المدارس الخاصة والحكومية، ومنح الجنسية السورية لآلاف الكورد عديمي الجنسية.
وفي واشنطن، كانت تتبلور منذ الهجوم الخاطف للجيش السوري حملة للضغط على الشرع يقودها السيناتور الجمهوري عن ولاية ساوث كارولاينا ليندسي غراهام، المقرّب من ترامب. وفي سلسلة منشورات على منصة «إكس»، حذّر غراهام من إعادة فرض عقوبات قاسية على سوريا. ويوم الخميس، قدّم مع السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال مشروع «قانون إنقاذ الكورد».
ويقضي التشريع بفرض عقوبات على مسؤولين حكوميين سوريين، ومؤسسات مالية، وأفراد أو كيانات أجنبية تقدم دعمًا عسكريًا أو ماليًا للحكومة السورية. كما وجّه غراهام تحذيرات إلى تركيا، داعيًا أنقرة إلى الكف عن أي تصعيد إضافي ضد الكورد السوريين.
وبينما كان فريق من الدبلوماسيين الأميركيين بقيادة المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، يجري اتصالات مكثفة ويعقد اجتماعات متتالية مع الأطراف، كان رئيس إقليم كوردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، يستخدم نفوذه هو الآخر للدفع نحو التوصل إلى اتفاق.
وقد تواصل الرئيس نيجيرفان بارزاني مع فرانكلين غراهام، الرئيس التنفيذي لجمعية بيلي غراهام الإنجيلية ومنظمة «ساماريتانز بيرس»، وأحد أكثر الوعاظ الإنجيليين نفوذًا في الولايات المتحدة. وكتب غراهام رسالة مؤرخة في 16 كانون الثاني/يناير إلى ترامب حثّ فيها الرئيس الأميركي على اتخاذ إجراءات لمنع «إبادة الشعب الكوردي». وردّ ترامب: «تمّ. دونالد».
كما يتمتع الرئيس نيجيرفان بارزاني بعلاقات وثيقة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ويحظى بثقة كوباني أيضًا. ومن المرجح أن يمهّد اتفاق يوم الخميس الطريق لتقارب بين كوباني والمؤسسة الرسمية التركية. وحتى اللحظات الأخيرة قبل توقيع الاتفاق، توقّع كثيرون أن تقوم أنقرة بإفشاله بسبب معارضتها الشديدة لبقاء قسد بأي شكل من الأشكال. وكان النواة القيادية لقسد، ومن بينهم كوباني، أعضاء في حزب العمال الكوردستاني (PKK)، الجماعة المسلحة المحظورة التي خاضت صراعًا مع الدولة التركية منذ عام 1984 من أجل الحكم الذاتي الكوردي.
تلاشي الخطوط الحمراء التركية
وكان المتمردون قد أعلنوا إنهاء حملتهم المسلحة في تموز من العام الماضي، استجابة لمطالب زعيمهم المعتقل عبد الله أوجلان. ومنذ نيسان الماضي، يجري أوجلان مفاوضات مع أنقرة لإنهاء التمرد مقابل إصلاحات تهدف إلى تحسين أوضاع الكورد الذين عانوا طويلًا من القمع في تركيا. وكان دفع كوباني للتراجع عن الحكم الذاتي الكوردي في سوريا المجاورة أحد أبرز مطالب تركيا.
وفي وقت لاحق من يوم الجمعة، علّق وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على الاتفاق، قائلًا إن أنقرة ما زالت تقيّمه. وأضاف خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في إسطنبول: «إن اندماجًا حقيقيًا يصبّ في مصلحة سوريا، والأطراف تعرف بالفعل شروطه».
ومع ذلك، لن يكون مفاجئًا إذا عُقد لقاء بين كوباني وأوجلان في المستقبل القريب على جزيرة إمرالي قبالة سواحل إسطنبول، حيث يُحتجز زعيم حزب العمال الكوردستاني.
ويحمل السلام مع أنقرة وعودًا بازدهار اقتصادي في المناطق الكوردية السورية، على غرار العلاقات التجارية والاستثمارية الوثيقة بين تركيا وإقليم كوردستان العراق. كما أن الهجمات المتكررة والدموية التي شنّها الجيش التركي ضد قسد والبنى التحتية المدنية في شمال شرق سوريا قد تصبح من الماضي.
كما سعت فرنسا إلى إيجاد موطئ قدم لها في المفاوضات، عبر إعداد عدة صيغ للاتفاق. وقالت المصادر التي أطلعت «المونيتور» إن الموقف المؤيد للكورد من قبل الرئيس إيمانويل ماكرون، إلى جانب اتصال هاتفي مع كوباني، قوبل بالتقدير، لكنه كان في النهاية «أقرب إلى دور جانبي»، فيما دفعت واشنطن — عبر مزيج من الترغيب والتهديد — الأطراف إلى خط النهاية.
ولا يزال احتمال انهيار الاتفاق قائمًا. فبالنسبة لحزب العمال الكوردستاني، شكّلت الدولة شبه المستقلة في شمال شرق سوريا وتحالفه غير الرسمي مع البنتاغون عبر قسد لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية ذروة نجاحه. لكن نفوذه تراجع بشكل كبير، في وقت يتصاعد فيه المدّ القومي الكوردي الشامل الذي طالما نبذه الحزب.
ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى يمكن إنقاذ طموحات الكورد السوريين في بناء كيان متعدد الإثنيات، راديكالي نسويًا، قائم على قيادة المجتمع المحلي. ومن المؤكد أن تفاصيل الاتفاق ستكون محل نزاع شديد. ويُقال إن دمشق رفضت مطلب قسد بتشكيل لواء نسائي بالكامل. وسيكون ردم الهوة الواسعة بين الإسلاميين الذين يحكمون سوريا والقيادة الكوردية العلمانية المتشددة مهمة بالغة الصعوبة، على أقل تقدير. غير أن كوباني أثبت أنه مفاوض بارع، ونجح في تحقيق توازن شبه مستحيل بين تصلّب حزب العمال الكوردستاني، وغرور دمشق، وتحذيرات واشنطن الملحّة من أن الوقت ينفد. إنها بداية فصل جديد لسوريا وكوردها.