كيف نفهم تاريخية السيد إدريس بارزاني؟*

خاص لمجلة ادارة الازمة وموقع:hiwar:الدكتور زياد حمد الصميدعي والباحث اكرم طالب الوشاح:المرحوم السيد إدريس بارزاني 1944-1987،ليس مجرد اسم في التاريخ الكردي، بل هو رمز لنضال طويل، وعقلية سياسية متقدة، وجسر بين الأجيال في الكفاح من أجل الحقوق الكردية. عندما نبحث في تاريخيته، لا ننظر فقط إلى الأحداث التي شارك فيها، بل إلى الفكر الذي حمله، والدور الذي لعبه في تشكيل ملامح النضال الكردي الحديث. كيف يمكن فهم أثره؟ وما هي بصمته في التاريخ السياسي الكردي؟

كيف نفهم تاريخية السيد إدريس بارزاني؟*
السيد ادريس بارزاني رحمه الله تعالى
كيف نفهم تاريخية السيد إدريس بارزاني؟*

النشأة والتكوين السياسي

ولد إدريس بارزاني في بيئة سياسية مقاومة، حيث كان والده، الملا مصطفى بارزاني، قائدًا للحركة التحررية الكردية في القرن العشرين. ومثله أخوه الزعيم مسعود البارزاني، في هذه البيئة، نشأ إدريس بارزاني متشبعًا بروح النضال والقيادة، حيث لم يكن مجرد متابع لأحداث التاريخ، بل صانعًا لها. تعلّم السياسة ليس فقط من الكتب، بل من ساحات القتال، ومن الاجتماعات السرية، ومن مفاوضات شاقة مع قوى إقليمية ودولية.

كانت نشأته في ظل الحروب والصراعات التي خاضها الأكراد ضد الأنظمة  في العراق وإيران وتركيا عاملاً أساسيًا في تشكيل وعيه السياسي. لم يكن إدريس مجرد قائد عسكري، بل كان مفكرًا استراتيجياً يدرك أهمية التحالفات والتفاوض بقدر ما يدرك أهمية السلاح والمقاومة.

دوره في الحركة التحررية الكردية

في سبعينيات القرن الماضي، تزايدت التحديات أمام الحركة الكردية، خاصة بعد انهيار اتفاقية الحكم الذاتي عام 1975، والتي مثلت ضربة قاسية للنضال الكردي. كان إدريس بارزاني أحد العقول التي عملت على إعادة ترتيب الصفوف، وإيجاد مسارات جديدة للمقاومة، رغم الانكسارات السياسية والعسكرية وتعرضه مثل أبيه لعدة محاولات اغتيال بأوامر من الحكومة العراقية.

تميز إدريس بدوره في بناء علاقات قوية بين الحركة الكردية وقوى إقليمية ودولية، حيث أدرك أن العزلة تعني الهزيمة، وأن السياسة تحتاج إلى مزيج من القوة العسكرية والدهاء الدبلوماسي. لعب دورًا محوريًا في تأمين الدعم للحركة الكردية، سواء من الدول المجاورة أو من القوى الكبرى التي كانت تنظر إلى القضية الكردية من منظور استراتيجي.

كما كان له دور بارز في إعادة بناء بيشمركة كردستان ، حيث عمل على تعزيز الوحدة الداخلية، وإعادة تنظيم الصفوف، مما مهد الطريق لعودة الكفاح الكردي إلى الساحة بقوة في العقود اللاحقة.

فكره السياسي

لم يكن إدريس بارزاني مجرد قائد عسكري، بل كان صاحب رؤية سياسية واضحة. آمن بأن القضية الكردية لا تُحل فقط بالبندقية، بل تحتاج إلى مشروع سياسي متكامل. كان يدرك أهمية الوحدة الوطنية، ولذلك سعى دائمًا إلى تقريب وجهات النظر بين الفصائل الكردية المتصارعة، محاولًا توحيد الجهود في مواجهة العدو المشترك.

كان إدريس يميل إلى الواقعية السياسية، حيث أدرك أن تحقيق الأهداف الكردية لا يمكن أن يكون عبر المواجهة المفتوحة فقط، بل عبر استثمار التناقضات بين القوى الكبرى، وتوظيفها لصالح القضية الكردية. كان يرى أن على الأكراد بناء علاقات ذكية مع الدول الإقليمية، حتى لو كانت بعض هذه الدول تعارض الطموحات الكردية، لأن السياسة تقوم على التوازنات وليس على العواطف.

إرثه النضالي والسياسي

إن إرث إدريس بارزاني التاريخي والسياسي لا يزال حاضرًا في السياسة الكردية والعراقية والاقليمية. فقد ساهم في تشكيل العقلية السياسية لجيل من القادة الذين واصلوا النضال بعده. يمكن ملاحظة تأثيره في النهج السياسي الذي تبناه الحزب الديمقراطي الكردستاني لاحقًا، سواء في التعامل مع الحكومة العراقية، أو في إدارة الصراعات الداخلية الكردية، أو في بناء العلاقات مع القوى الدولية.

إرثه لا يتمثل فقط في ما حققه سياسيًا وعسكريًا، بل في الدروس التي تركها للأجيال القادمة. فقد قدم نموذجًا لقائد يجمع بين القوة العسكرية والمرونة السياسية، بين المثالية والواقعية، وبين الصلابة في المواقف والتكيف مع المتغيرات.

كيف سيتذكره التاريخ؟

التاريخ يكتب عن القادة وفقًا لما يتركونه من أثر. إدريس بارزاني لم يكن قائدًا عابرًا، بل كان حلقة أساسية في مسيرة النضال الكردي. سيتذكره التاريخ كقائد حاول بناء توازن بين القوة والدبلوماسية، وكشخص لم يبحث عن المجد الشخصي بقدر ما سعى إلى تحقيق مكاسب حقيقية لقضيته.

كما سيتذكره التاريخ كشخص فهم أن السياسة الكردية في حركة التحرر الكردية الحديثة والمعاصرة ليست مجرد صراع مسلح، بل هي أيضًا فن التحالفات، والقدرة على المناورة، وإيجاد الفرص وسط الأزمات. وسيبقى إرثه مصدر إلهام لكل من يؤمن بأن النضال لا يقتصر على السلاح، بل يمتد إلى بناء رؤية سياسية واستراتيجية تحمي الحقوق وتحقق الأهداف.

إدريس بارزاني مثال لقائد كردي عراقي ترك أثرًا لا يُمحى. بين الفكر والنضال، بين السياسة والسلاح، بين المبادئ والمرونة، صنع اسمه في تاريخ الأكراد والعراق. ومن يفهم تاريخيته، يدرك أن القضية الكردية لم تكن مجرد حركة تحررية، بل كانت مشروعًا سياسيًا عراقيا كرديا طويل الأمد، لعب فيه إدريس بارزاني دورًا حاسمًا ويسير على ارثه اليوم ابنه السيد نيجيرفان بارزاني.

.........

.........

*لمجلة ادارة الازمة ولموقع hiwar