الخطاب: فعلها نيجيرفان بارزاني مرة أخرى وأثبت الوحدة العراقية!
خاص لموقع hiwar/ قاسم محسن الخزرجي:في أروقة مؤتمر بغداد السابع، الذي عُقد مؤخرًا في العاصمة العراقية، برز صوت نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان، كمنارة سياسية تتجاوز الحدود الإقليمية لتضيء مسارًا للوحدة العراقية. لم يكن خطابه مجرد كلمات عابرة، بل حمل في طياته رؤية استراتيجية عميقة، تجمع بين الواقعية السياسية والطموح الوطني، مما جعله يترك أثرًا واضحًا في عقول وقلوب الحاضرين. بارزاني، الذي طالما عُرف بقدرته على الجمع بين الدبلوماسية الناعمة والموقف الصلب، أثبت مرة أخرى أن الوحدة العراقية ليست شعارًا فارغًا، بل هدفًا يمكن تحقيقه عبر التكامل والتعاون.

الوحدة كاستراتيجية
في جوهر خطاب بارزاني، كانت دعوته إلى التكامل بين بغداد وأربيل، باعتباره شرطًاأساسيًا للاستقرار السياسي والاقتصادي في العراق. لم يقتصر الأمر على التأكيد علىالعلاقة بين العاصمة الاتحادية وإقليم كردستان، بل امتد ليشمل رؤية أوسع تربطاستقرار العراق بمحيطه الإقليمي والدولي. هذه النظرة الشاملة تكشف عن فهم دقيقللتحديات التي تواجه العراق: بلد متعدد المكونات، مزقته الصراعات الداخليةوالتدخلات الخارجية على مدى عقود. بارزاني لم يتحدث كزعيم إقليمي يدافع عنمصالح ضيقة، بل كرجل دولة يرى في الوحدة مفتاح الخروج من دوامة الأزمات.
ما يميز خطابه هو التركيز على التنمية كنتيجة طبيعية للتكامل. فبدلاً من الغوص فيتفاصيل الخلافات التاريخية بين بغداد وأربيل – مثل قضايا الموازنة أو النفط – اختاربارزاني لغة إيجابية تركز على المستقبل. هذا النهج ليس مجرد تكتيك خطابي، بليعكس استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحويل العراق من ساحة صراع إلى فضاءتعاون. بذلك، وضع نصب أعين الجميع هدفًا مشتركًا: استقرار يُترجم إلى ازدهاراقتصادي واجتماعي يشمل كل العراقيين، من الموصل إلى البصرة، ومن أربيل إلىبغداد.
كسب القلوب والعقول: فن القيادة الجامعة
لم يكن نجاح بارزاني في هذا المؤتمر وليد اللحظة، بل نتاج قدرته الفريدة على مخاطبةالجماهير والنخب على حد سواء. خطابه لم يكن موجهًا فقط إلى القادة السياسيين فيبغداد، بل إلى الشعب العراقي بمختلف مكوناته. عندما تحدث عن الوحدة، لم يقدمهاكشعار مجرد، بل كمصلحة مشتركة تجمع بين السنة والشيعة والكرد والتركمانوالمسيحيين. هذه اللغة الجامعة، التي تتجاوز الانقسامات الطائفية والإثنية، هي ماجعلته ي تغلغل إلى القلوب قبل العقول.
أحد أبرز عناصر نجاحه هو التوازن الذي ضربه بين الدفاع عن حقوق إقليم كردستانوالتأكيد على انتمائه للعراق ككل. هذا التوازن ليس سهلاً في بلد مزقته التوترات بينمركز قوي وأطراف تطالب بالعدالة. لكنه، بفضل خبرته الطويلة في إدارة الأزمات، تمكنمن تقديم نفسه كجسر بين الطرفين. فهو لم ينكر التحديات التي تواجه العلاقة بينبغداد وأربيل، لكنه اختار أن يضعها في سياق أوسع يجعل الحلول ممكنة، بل وضرورية.
أهمية الرؤية العراقية الكردية: ما وراء الكلمات
ما يجعل رؤية بارزاني جديرة بالتأمل هو ارتباطها بمفهوم السيادة العراقية. ففي دعوتهإلى التكامل مع دول المنطقة والعالم، أشار ضمنًا إلى ضرورة أن يستعيد العراق دورهكلاعب فاعل، لا كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. هذه الرؤية ليست مجرد طموحسياسي، بل ضرورة استراتيجية في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تحيطبالعراق، من الصراعات في سوريا إلى التوترات مع إيران وتركيا.
على المستوى الداخلي، يمكن قراءة خطابه كمحاولة لإعادة تعريف الهوية العراقية. ففي بلد لطالما عانى من أزمة هوية، قدم بارزاني نموذجًا يجمع بين الفخر بالتنوعوالإيمان بالوحدة. هذا الطرح يتجاوز الانقسامات التقليدية ليقدم رؤية حديثة للعراقكدولة فيدرالية قادرة على احتواء الجميع. وفي هذا السياق، يصبح إقليم كردستانليس مجرد جزء من المشكلة، بل مفتاحًا لحلها، عبر دوره كشريك متكافئ مع بغداد.
خطاب بارزاني يحمل في طياته بذور التفاؤل، لأنه يعتمد على لغة الحلول والحوار وعلىالمصلحة العراقية الكردية المشتركة بدلاً من الانقسام.
في النهاية، فعلها نيجيرفان بارزاني مرة أخرى. لم يكتفِ بإلقاء خطاب عابر، بل وضعأمام العراقيين عامة وعموما خارطة طريق للمستقبل. خطابه في مؤتمر بغداد السابعلم يكن مجرد لحظة سياسية، بل تأكيد على أن الوحدة العراقية ليست حلمًا بعيدالمنال، بل مشروعًا يبدأ من التكامل بين أربيل وبغداد، وينتهي بدولة قوية قادرة علىمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. إنها رؤية تستحق أن تُدرس وتُبنى عليها،لأنها، ببساطة، تعكس قلب العراق النابض وعقله المفكر وفق رؤية نيجيرفان بارزاني.