في ذكرى وفاة الزعيم مصطفى البارزاني 1 آذار 1979 شمس كوردستان التي لم تكسف وقمرها الذي لم يخسف

خاص لموقع hiwar/الدكتور هوشيار مظفر علي أمين:في الأول من آذار 1979، انطفأت شعلة من شعائل كوردستان، لكنه كان انطفاء جسد لا انطفاء فكرة، رحيل رجل لا زوال قضية. غاب مصطفى البارزاني جسدًا، لكنه بقي رمزًا خالدًا في الوجدان الكوردي، شمسًا لم تغب، وقمرًا لم يخفت نوره. كان رجلًا تتشابك في شخصيته الأبعاد العسكرية، السياسية، والفكرية، ليصنع تاريخًا لا يزال حاضرًا في صلب النضال الكوردي حتى يومنا هذا.

في ذكرى وفاة الزعيم مصطفى البارزاني 1 آذار 1979  شمس كوردستان التي لم تكسف وقمرها الذي لم يخسف

وُلد الزعيم مصطفى البارزاني عام 1903 في بارزان، تلك القرية التي ستصبح فيما بعد مركزًا للحركة القومية الكوردية. كانت ولادته في بيئة تشهد اضطرابات دائمة، حيث كانت كوردستان مقسّمة بين الإمبراطوريات والدول الكبرى، تتقاذفها المصالح الاستعمارية، وتقمع فيها أي محاولة للاستقلال.

نشأ الزعيم في عائلة عُرفت بثوريتها، إذ كان والده الشيخ محمد البارزاني قائدًا لقبائل بارزان، وقاد انتفاضات متكررة ضد الهيمنة العثمانية والاحتلال البريطاني لاحقًا. واعدم العثمانيوه اخاه عبد السلام1914 في المرصل، هذه النشأة صنعت من مصطفى شابًا لم يعرف حياة الترف أو الاستكانة، بل عاش في قلب الأحداث، يتنقل بين المنافي والمعارك، يشاهد بأم عينيه الظلم المسلط على شعبه، فكان ذلك كفيلاً بزرع بذور الثورة في داخله منذ سن مبكرة.

لم يكن مصطفى البارزاني قائدًا وُلد من فراغ، بل صعد سلم القيادة عبر مراحل طويلة من النضال. انضم إلى الحركات الكوردية المسلحة في العشرينيات، وشارك في ثورة الشيخ محمود الحفيد ضد الاحتلال البريطاني. لكن الحدث المفصلي في مسيرته جاء عام 1943 عندما قاد انتفاضة بارزان الثانية ضد الحكومة العراقية، ليؤسس بذلك الخط السياسي والعسكري الذي سيعرف لاحقًا بـ “الحركة التحررية البارزانية”، والتي ستصبح مدرسة نضالية خاصة في كوردستان.

بعد انهيار هذه الانتفاضة، لجأ إلى إيران، وهناك شارك في تأسيس جمهورية مهاباد عام 1946، أول دولة كوردية في التاريخ الحديث. لكن الجمهورية لم تعش طويلًا، إذ أسقطها الشاه الإيراني بعد أقل من عام، واعدم القاضي محمد، فاضطر  الزعيم مصطفى البارزاني إلى الانسحاب مع رفاقه إلى الاتحاد السوفيتي، في رحلة طويلة شاقة عبر الجبال، أصبحت لاحقًا أسطورة في الذاكرة الكوردية.

بعد 12 عامًا من المنفى في الاتحاد السوفيتي، عاد البارزاني إلى العراق عام 1958 بعد ثورة عبد الكريم قاسم، الذي أعلن في البداية اعترافه بالحقوق الكوردية. لكن سرعان ما تدهورت العلاقة بين الطرفين، ليعلن البارزاني ثورته الكبرى عام 1961، التي استمرت 14 عامًا ضد الحكومات العراقية المتعاقبة، مدعومة من آلاف البيشمركة الذين رأوا فيه قائدًا لا يعرف الاستسلام.

كانت ثورة 1961 نقطة تحول كبيرة في القضية الكوردية، حيث أصبحت كوردستان ساحة لصراع دولي، لعب فيه البارزاني دورًا دبلوماسيًا وعسكريًا بارزًا. في 1970، وقّع مع حكومة البعث اتفاقية الحكم الذاتي، لكنها سرعان ما نُقضت من قبلهم وحاولوا اغتياله وحاولوا اغتيال ابنه السيد ادريس، فاستؤنف القتال حتى عام 1975 عندما وقّع العراق اتفاقية الجزائر مع إيران، ما أدى إلى توقف الدعم  السابق للكورد وانهيار الثورة.

بعد انهيار الثورة، والغدر الذي جرى، غادر مصطفى البارزاني إلى إيران ثم إلى الولايات المتحدة، حيث تلقى علاجًا طبيًا. لكن المرض كان قد تمكّن منه، فتوفي في 1 آذار 1979 في واشنطن. ودفن مؤقتًا هناك، لكن رُفاته أُعيدت لاحقًا إلى ارض حلمه كوردستان، حيث دُفن في منطقة بارزان، ليبقى جسده في الأرض التي قاتل من أجلها طوال حياته.

لم يكن الزعيم مصطفى البارزاني زعيمًا تقليديًا، بل كان رمزًا لحركة قومية مستمرة. رغم كل الهزائم والنكسات، بقيت أفكاره وأسلوبه في النضال مصدر إلهام للقادة الكورد من بعده، وعلى رأسهم نجله الزعيم مسعود البارزاني، الذي واصل المسيرة.

والمحلل لتاريخ الزعيم مصطفى البارزاني يجد فيه:

إيمانه بالوحدة القومية: لم يكن البارزاني زعيم قبيلة فقط، بل كان يسعى لتوحيد الكورد في جميع أجزاء كوردستان.

قدرته على الصمود: واجه إمبراطوريات ودولًا كبرى، لكنه لم يتراجع حتى في أحلك اللحظات.

التوازن بين القوة والدبلوماسية: لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان سياسيًا بارعًا استطاع كسب دعم دولي لقضيته.

ومع مرور الزمن على وفاة مصطفى البارزاني، باتت رؤيته ودوره في قيادة الحركة التحررية الكردية موضع تحليل معمّق لدى المؤرخين والباحثين في التاريخ السياسي للشرق الأوسط. ولم يعد يُنظر إليه فقط كقائد ثوري، بل كرجل دولة  مكتمل، استطاع أن يضع أسس القضية الكردية وحركتها التحرريةفي إطار سياسي وعسكري استراتيجي، لا تزال تأثيراته قائمة حتى اليوم.

والتاريخ الحديث يرى في البارزاني قائدًا تحوّل من زعيم قبلي إلى رمز قومي، بل إلى شخصية سياسية ذات أبعاد دولية. اذ نجد  أن الرؤية التحليلية لفلسفة تاريخ مصطفى البارزاني تشير إلى أنه كان رجل دولة قادرًا على التعامل مع التعقيدات الجيوسياسية، حتى وإن لم يكن يمتلك دولة فعلية.

وكانت كوردستان عنده وعند بيشمركته هي:" الحلم المستحق التحقق"

ولعل أبرز النقاط التي تبرز في الرؤية الحديثة لمسيرته:

التأسيس للاستقلال الكردي في الوعي الجمعي: اذ انه جعل فكرة الاستقلال أمرًا واقعًا في السياسة الكردية، بحيث لم يعد بالإمكان تجاهله في أي معادلة إقليمية.

التعامل مع القوى العظمى: استطاع أن يبني علاقات متشابكة مع الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وإيران، وهو أمر نادر في تاريخ الحركات القومية غير المستقلة.

توحيد الصف الكردي: رغم الخلافات العشائرية والسياسية التي مزّقت الصف الكردي تاريخيًا، والخيانات، والانشقاقات نجح في خلق هوية موحدة للحركة التحررية،  في إطارها العراقي والاقليمي والدولي على حد سواء.

تحويل القضية الكردية إلى ملف دولي: قبل البارزاني، كانت القضية الكردية شأناً داخليًا في الدول التي تتقاسم كردستان. بعده، باتت قضية تُناقش في عواصم العالم الكبرى، وهو ما مهّد لاحقًا للاعتراف الرسمي بالحكم الذاتي في كردستان العراق.

ولم يكن البارزاني قائدًا تقليديًا يقود مقاتلين في الجبال فحسب، بل كان مفكرًا استراتيجيًا أدرك مبكرًا أن نجاح الحركة التحررية الكردية لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على الموازنة بين السياسة والدبلوماسية والدعم الشعبي.

ونجد أبرز الاستراتيجيات التي اعتمدها:

1. استخدام القوة المسلحة كأداة ضغط وليس كغاية

اذ لم يكن البارزاني يسعى إلى الحرب لأجل الحرب، بل استخدم الكفاح المسلح للضغط على الأنظمة الحاكمة لانتزاع الاعتراف بالحقوق الكردية.

رغم نجاحاته العسكرية، لم يكن يؤمن بأن الحرب وحدها يمكن أن تحقق الاستقلال، لذلك كان دائمًا يسعى إلى تسويات سياسية عندما تكون الظروف مواتية.

2. التحالفات الدولية والإقليمية

تحالف مع الاتحاد السوفيتي في الأربعينيات، ومع الولايات المتحدة وإيران في الستينيات والسبعينيات.

أدرك أهمية الموازنة بين القوى العظمى وعدم الارتهان الكامل لطرف واحد، وهو درس تعلمه من انهيار جمهورية مهاباد عام 1946 وكان قد حذر القاضي محمد من تجاهل ذلك.

3. تعزيز الحكم الذاتي كمرحلة أولى نحو الاستقلال

كان من أوائل القادة الكرد الذين فهموا أن الحكم الذاتي يمكن أن يكون خطوة أولى نحو استقلال مستقبلي.

اتفاقية الحكم الذاتي عام 1970 مع الحكومة العراقية كانت أول اعتراف رسمي بالكرد ككيان سياسي داخل العراق، رغم أنها لم تُنفذ بالكامل.

4. إدارة الصراعات الداخلية بحذر

عرف أن الانقسامات الداخلية هي أكبر خطر على الحركة الكردية، ولذلك سعى إلى توحيد الفصائل المختلفة تحت قيادته ونجح في البيشمركة والبارتي والمجتمع العشائري.

رغم الخلافات في الرؤية مع البعض، تجنب الصدام الداخلي في حياته، مما جعل حركته وحزبه وبيشمركته وقادته أكثر استقرارًا مقارنة بفترات لاحقة من الصراعات الداخلية الكردية قبل مصطفى البارزاني.

لذلك فاليوم، يُنظر إلى مصطفى البارزاني أبا للحركة القومية الكردية الحديثة، حيث تمثل سياساته واستراتيجياته الأساس الذي بُنيت عليه كوردستان العراق كيانا سياسيا يتمتع بحكم ذاتي واسع.

فكرة “التفاوض مع الاحتفاظ بالقوة” التي انتهجها أصبحت حجر الزاوية في السياسة الكردية.

نموذج “الاعتماد على التحالفات الدولية لتحقيق مكاسب محلية” لا يزال يُطبق حتى اليوم بنجاح.

مفهوم “توحيد الصف الكردي أولًا قبل مواجهة العدو” بقي هدفًا تسعى القوى الكردية لتحقيقه استرشادا به.

رغم أن البارزاني لم يعش ليرى كردستان العراق كيانا شبه مستقل، إلا أن بصماته واضحة في كل تطور سياسي شهدته القضية الكردية بعده. كان رجلًا سبق عصره في فهمه للعبة الدولية، وفي إدراكه أن استقلال كردستان لن يأتي بثورة واحدة، بل عبر نضال طويل يمتد لأجيال.

واليوم، مع كل تحول سياسي في الشرق الأوسط، يعود اسمه إلى الواجهة كأحد أعمدة النضال الكردي، ورمزًا لشعب لم يتخلّ عن حلمه في تقرير مصيره، تمامًا كما كان يحلم مصطفى البارزاني طوال حياته.

وفي آخر الأمر في كل ثورة، هناك أسماء تبقى في الذاكرة، وهناك أسماء تذوب مع الزمن. الزعيم مصطفى البارزاني لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان مدرسة في الفكر والنضال، شمسًا لم تكسف، وقمرًا لم يخسف. واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود على وفاته، لا يزال اسمه حاضرًا في كوردستان، حيث تُرفع صوره في كل بيت كوردي، وكلماته تتردد في خطابات الساسة والمقاتلين.