غياب بلا وداع... النظام العالمي القائم على القواعد.
لعل أفضل خلاصة لما جرى في الأسابيع الأخيرة الممتدة من دافوس إلى ميونيخ، القول إن هناك من قرع أجراس الإنذار بأنه باتت هناك حاجة ماسة إلى طروحات وشروحات تخص نظاماً عالمياً جديداً، ستكون له حكماً قواعده، لكن السؤال "من الذي سيشارك في كتابتها ووضع ملامحها ومعالمها؟ وهل معنى ذلك أن القديم كله ينبغي أن ينسف دفعة واحدة؟"
ذات مرة إبان الثورة الروسية، قال الرفيق القديم فلاديمير لينين "هناك عقود لا يحدث فيها شيء، ثم أسابيع تحدث فيها عقود"، هل يعيش عالمنا المعاصر هذه الأوقات؟
المؤكد أن الأسابيع القليلة التي أعقبت منتدى دافوس العالمي، وبعد الخطاب المثير الذي دخل التاريخ لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني، بدا العالم أمام تساؤلات جذرية حول مجريات السياسة العالمية، وهل الأمر بمثابة "قطيعة" بالفعل مع النظام القديم الذي سميناه النظام الدولي الليبرالي، بمعنى أنه يموت حكماً، فيما النظام الجديد البديل لم يولد بعد؟
التساؤلات ممتدة، وفلسفياً هي أهم من الإجابات ومنها "أيعيش البشر لحظات مفصلية من نوعية ما جرت به المقادير في الأعوام 1918، أو 1945، وربما 1989؟
عام 1918، بعد الحرب العالمية الأولى، بدأ زعماء ذلك الوقت في إنشاء عصبة الأمم المتحدة التي فشلت للأسف.
انتهى المطاف بالبشرية في الحرب العالمية الثانية عام 1939، ولكن عام 1945، بعد تلك الحرب الكونية، أنشأ القادة آنذاك الأمم المتحدة، وعلى رغم كل عيوبها، حافظت على السلام العالمي، أو في الأقل لم تنته إلى الحرب العالمية الثالثة، وهكذا نجحت المؤسسة.
ثم عام 1989 انتهى عصر الحرب الباردة بسقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.
أطلق الرئيس الأميركي جورج بوش الأب تعبير "النظام العالمي الجديد"، وفي واقع الحال كان يعني "النظام الأميركي المنفرد بمقدرات العالم"، أي النظام العالمي الأحادي القطبية.
خلال مؤتمر دافوس بدا واضحاً من صيحات غالبية قادة أوروبا، أن هناك ثورة مكتومة في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية، وبالتحديد تجاه الرئيس دونالد ترمب، وتحميله عبء تفكيك النظام القائم على القواعد.
لكن الذين استمعوا بعناية لكلمة كارني، ربما انتبهوا إلى فكرة مثيرة وربما خطرة مفادها "بأنه لم يكن هناك نظام عالمي فعلي"، وعليه فإن ترمب يكون بريئاً من وزر هذه الفرضية.
كيف لنا أن نفكك خيوط الاشتباك بين فريقين مؤدلجين، ومن ثم الوقوف على حال الآتي من بعيد، إذ يبدو المخاض متعثراً، وهناك حاجة فعلية إلى ظهور ضوء في نهاية النفق؟
ماهية النظام القائم على القواعد
ربما يجب علينا البداية محاولة فك شيفرة هذا التعبير الذي بات عنصراً أساساً في فهم معالم وملامح السياسة الدولية، أي تعبير "النظام العالمي القائم على القواعد". باختصار، انبثق النظام الدولي القائم على القواعد، الذي كان يعرف في البداية باسم "النظام الدولي الليبرالي"، من دمار الحرب العالمية الثانية، وكانت الرؤية طموحة وعالمية، وتتمثل في إنشاء نظام عالمي قائم على القيم الديمقراطية الليبرالية، ورأسمالية السوق، والتعاون المتعدد الأطراف، لكن في جوهره، كانت هذه المشاريع مدفوعة بالولايات المتحدة، التي رأت نفسها القائد الذي لا مثيل له للنظام الجديد.
كانت الفكرة هي استبدال فوضى سياسات القوى العظمى والتحالفات المتغيرة بعالم يمكن التنبؤ به تحكمه قواعد ومعايير مشتركة.
كان إنشاء مؤسسات مثل الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي أمراً محورياً في هذه الرؤية، وقد هدفت هذه المؤسسات إلى جانب المعايير المقبولة على نطاق واسع والقواعد الرسمية، إلى تعزيز التعاون السياسي، والحل السلمي للنزاعات، والتعافي الاقتصادي للدول المتضررة من الحرب، لكن سرعان ما تلاشت رؤية النظام الدولي الليبرالي العالمي الحقيقي، ومع اندلاع الحرب الباردة انقسم العالم إلى كتلتين متنافستين، والتزمت الكتلة الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، مبادئ النظام الدولي الليبرالي.
في غضون ذلك أنشأ المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفياتي نظاماً موازياً بمعاييره وقواعده ومؤسساته الخاصة، ووفر حلف "وارسو" الدعم العسكري، بينما تولى مجلس المساعدة الاقتصادية المتبادلة إدارة التعاون الاقتصادي، وشدد المعسكر الشيوعي على التخطيط الاقتصادي الذي تقوده الدولة وحكم الحزب الواحد، رافضاً بذلك تركيز النظام الليبرالي على الديمقراطية والأسواق الحرة، غير أنه حين انهار الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينيات، بدا أن النظام الدولي الليبرالي قد انتصر، فقد أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم، واندمجت كثير من الدول الشيوعية السابقة في المؤسسات الغربية.
لم يستمر الثبات الأيديولوجي داخل هذا النظام طويلاً، ذلك أنه بحلول التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، بدأت تظهر تشققات جديدة في هيكل هذا النظام.
كان توسع حلف شمال الأطلسي، وإنشاء منظمة التجارة العالمية، والتركيز المتزايد على حقوق الإنسان من خلال مؤسسات مثل المحكمة الجنائية الدولية، كلها أمور تتوافق بصورة وثيقة مع القيم الغربية، وقد بدأ انتشار هذه المعايير والمؤسسات التي نفذها كثر خارج الغرب، بمثابة أيديولوجية غربية مقنعة بمبادئ عالمية، واتقاء للاتهامات، ودرءاً للانتقادات والشبهات، بدأ القادة الغربيون باستخدام مصطلح "النظام الدولي القائم على القواعد" بدلاً من "النظام الدولي الليبرالي".
كان هدف هذا التحول المفاهيمي تأكيد العدالة الإجرائية، أي القواعد التي اتفقت عليها كل الدول نظرياً بدلاً من نظام متجذر صراحة في الالتزامات الأيديولوجية الليبرالية، وانتقل التركيز من الترويج لمعايير ليبرالية محددة إلى الحفاظ على الاستقرار والقدرة على التنبؤ.
هل كان لهذا الوضع القديم أن يستمر في ضوء معطيات جديدة فاعلة ومؤثرة في المشهد الدولي؟
نوازل وعقبات أمام نظام القواعد
مع بدايات العقد الأول من القرن الـ21، وبالدخول في عمق الألفية الجديدة، بدا وكأن هناك تغيرات تكوينية على الساحة العالمية.
بدا العقد بأحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول)، حين دعت الولايات المتحدة الأميركية إلى اندفاعة عاطفية لتغيير كثير من الأنظمة حول العالم، بحجة ظاهرة، محاربة الإرهاب، ثم الأخطر دخولها في غزوات عسكرية غير مسبوقة، كما الحال مع أفغانستان ثم العراق، وكثير من العمليات الاستخباراتية التي دفعت الجميع إلى التساؤل "هل هذه هي واشنطن حارسة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان حول العالم؟".
لم تطرأ التغيرات على المفاهيم الرئيسة للولايات المتحدة فحسب، بل حدثت تطورات نوعية وكمية على الأطراف الفاعلة على الصعيد الدولي.
أبرز صعود الصين تغيرات واضحة، فلم تعد صين الأفيون أو الثورة الثقافية، بل باتت بكين تقدم نموذجاً اشتراكياً حداثياً، يجمع بين رؤية السوق من ناحية والتزام معايير العدالة الاجتماعية من جانب آخر.
ومع اشتداد عود الصين اقتصادياً قطعت شوطاً مؤثراً جداً على صعيد المساهمات الأممية، فقد باتت مشاركة وبقوة في عدد واضح من المؤسسات التي تدعم النظام الدولي القائم على القواعد، ومن خلال عضويتها، وانطلاقاً من رؤية سياسية كلاسيكية مفادها بأن "من يدفع للجوقة يحدد اللحن"، بدأت الصين تضع بصماتها على عملية إعادة تشكيل تلك المؤسسات ومن ثم ملامح النظام القديم القائم على القواعد.
في هذا السياق تجسد مبادرة "الحزام والطريق" والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية جهود بكين الرامية إلى إرساء أطر بديلة أكثر توافقاً مع مصالحها، وتتحدى هذه المبادرات القواعد والأعراف القائمة من خلال توفير مسارات مؤسسية جديدة للتأثير الاقتصادي والسياسي.
لم تكن روسيا بدورها بعيدة من متغيرات ذلك النظام، فعلى رغم ملامح الاضمحلال التي خيمت على الاتحاد السوفياتي السابق، فإن روسيا بدت كما العنقاء ناهضة من الرماد.
بدأت موسكو رويداً رويداً في عملية شاقة تسعى إلى إعادة نفوذها في مربعات جيوسياسية أخلتها قسراً في زمن التراجع لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية.
لاحقاً وبتأثير فاعل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، شهدت البلاد نهضة عسكرية قوية، وتطوير أسلحة حديثة، وعلى رغم أزماتها الاقتصادية، فإنها باتت رقماً صعباً من جديد في عالم الحرب، قبل السلام.
مع غزو روسيا أوكرانيا، ومن قبل ضم شبه جزيرة القرم، باتت روسيا - بوتين، تحدياً حقيقياً وليس وهمياً للمبادئ الأساسية للنظام القائم على القواعد الدولية، وعناصر الإرث التاريخي الويستفالي فيها بنوع خاص.
هل كانت الولايات المتحدة قبل ظهور دونالد ترمب على خريطة السياسة الأميركية ثم الدولية سبباً مهماً في تراجع النظام القائم على القواعد؟
يرى البعض أنه كثيراً ما قوضت التناقضات الغربية صدقية النظام القائم على القواعد، وكانت سياسات الكيل مكيالين، بين جنوب فقير مطحون، وشمال غني مرفه، سبباً مؤكداً للكفر الذهني، إن جاز التعبير، بفكرة عدالة النظام العالمي.
بعد غزو العراق عام 2003 بقيادة الولايات المتحدة بدا أن شريعة أخرى غير ليبرالية بالمرة، تحكم العالم، شريعة حق القوة وليس قوة الحق، وبعبارة أخرى ظهر مصطلح "حكم اللصوص"، مما دعا إلى توجيه انتقادات واسعة النطاق لتجاوز واشنطن الأعراف والمؤسسات الدولية.
لم يتوقف الأمر عند حدود الولايات المتحدة فحسب، بل امتد إلى روسيا التي تدخلت عام 2008 عسكرياً في جورجيا، وعام 2014 احتلت شبه جزيرة القرم الأوكرانية.
بدا من هنا أن نظاماً يعتمد مفهوم "التطبيق الانتقائي للقواعد" يفرد أجنحته ويحلق عالياً في سماء عالم مغاير لا يقيم وزناً لفكرة القانون الدولي، أو شرعة حقوق الإنسان، على أنه مهما يكن من أمر الوضع الحالي لفكرة النظام القائم على القواعد، إلا أن التساؤل الرئيس والجوهري الذي يطرح من قبل خطاب كارني وبعده "هل حقاً كان هناك نظام قائم على قواعد حقيقية أم متغيرة؟
عن الرؤية الانتقائية للقواعد الدولية
في الواقع، تبدو الساحة الدولية وكأنها خاطرة شطرنج إدراكية، تطبق عليها مقولة الفيلسوف اليوناني السفسطائي ثراسيماخوس "ما يحكم هو حق القوة وليس قوة الحق"، وهو ما يمكن ترجمته بلغة معاصرة بالقول، التطبيق الانتقائي للقواعد الدولية، أو للنظام القائم على القواعد كما اصطلح على تسميته.
خلال العقود الثمانية التي تلت الحرب العالمية الثانية، بدا في الواقع، غالباً ما يطبق نظام الحكم القائم على النتائج بصورة مختلفة تبعاً للجهات الفاعلة المعنية.
هل من مثال على تهافت فكرة النظام القائم على القواعد بعد الحرب العالمية الثانية؟
ببساطة شديدة، إن نظرة سريعة على البنية الهيكلية لمجلس الأمن الدولي، والفكرة غير الديمقراطية لحق النقض (الفيتو)، توضح أن العالم كان يعيش في حال نظام انتقائي وليس نظاماً قائماً على قواعد عادلة أو متساوية.
هل من أمثلة على فوضوية النظام الذي أطلق عليه القائم على القواعد؟
مؤكد أن هناك عدداً من الحالات يمكن أن نذكر منها ما يلي:
-الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية: قصة تعود إلى زمن مقارب من بدايات ما يعرف بالنظام الدولي القائم على القواعد.
-حرب فيتنام (1955-1975): سلط التدخل الأميركي في فيتنام، الذي تم من دون تفويض من الأمم المتحدة، الضوء على كيفية تجاوز الدول القوية القواعد الدولية، لا سيما عندما تكون المصالح الوطنية على المحك.
- حروب البلقان: وضح تدخل "الناتو" في كوسوفو، الذي تم من دون موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الضوء على مدى تعقيد إنفاذ القواعد الدولية عندما تتعارض حقوق الإنسان مع المصالح الجيوسياسية.
-غزو العراق 2003: نفذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق من دون تفويض واضح من الأمم المتحدة، مما أثار تساؤلات حول التزام القانون الدولي.
-برنامج كوريا الشمالية النووي: على رغم القرارات الكثيرة التي تفرض عقوبات وتحظر التجارب النووية، واصلت كوريا الشمالية تطويرها قدراتها النووية، مما يعد تحدياً لفاعلية القوانين الدولية، ومع ذلك لم يقترب أحد منها بسوء، ولم تطلق رصاصة واحدة عليها، بخلاف الحال مع العراق الذي تم غزوه بقصة من الإفك التاريخي عن حيازة أسلحة دمار شامل.
-روسيا والقرم ثم أوكرانيا: وقف ذلك النظام العالمي القائم على القواعد عاجزاً عن التصدي أو التحدي لروسيا النووية مرتين، الأولى عام 2014 في شبه جزيرة القرم كما أسلفنا، والثانية في فبراير (شباط) عام 2022 حين تقدمت القوات الروسية إلى العمق الأوكراني، وكلاهما كان انتهاكاً لذلك النظام الأممي، ومع ذلك فقد تشكل رد الفعل الدولي بقدر ما تشكلت المصالح السياسية والاقتصادية للدول الكبرى سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة الأميركية.
ماذا يعني ذلك؟
تفيد المشاهد المتقدمة بأن أكبر عقبة أمام نظام عالمي حقيقي للبنية التحتية القائمة على الموارد هي ديناميكيات القوة، فنظام حق النقض داخل الأمم المتحدة ونفوذ الدول القوية في المؤسسات المالية الدولية يخلقان اختلالات جوهرية. وغالباً ما تفضل القواعد الاقتصادية الدول الأكثر ثراء، وتكشف التدخلات العسكرية في كثير من الأحيان عن ازدواجية المعايير في تطبيق المعايير الدولية.
عطفاً على ذلك، فقد زاد صعود قوى دولية مثل الصين بنوع خاص، ومن ورائها الهند، عطفاً على تجمعات وتكتلات سياسية وليدة خارج أطر الدول الغربية التقليدية، من اختبار مرونة نظام الحكم القائم على القواعد، إضافة إلى ذلك يمكن القطع بأن هناك بعداً آخر يجعل النظام العالمي القديم عرضة لكثير من الأنواء. هنا نحن نتحدث عن الكيانات غير الدولتية التي باتت فاعلاً وازناً على الصعيد الكوني.
هناك قوى ظاهرة للعيان وتعمل في إطار من الشرعية والمؤسساتية، مثل الشركات المتعدية للجنسيات، والعابرة للقارات، التي أضحت تشكل حضوراً يفوق في بعض الأحايين مقدرات الدولة المستقلة، وهناك كذلك عالم المؤسسات الأهلية غير الحكومية، التي اكتسبت في العقود الأخيرة قوة كبرى، أما الجانب الآخر الأكثر إغراقاً في الظلامية فموصول بالقوى الإرهابية القادرة على التأثير في أمن وسلام العالم، وهذه كلها تعمل اليوم خارج الأطر التقليدية مما يفرض تحديات جديدة على الحوكمة القائمة على القواعد.
هل يفيد ما تقدم بأن إلقاء تبعات فشل النظام القائم على القواعد على الرئيس الأميركي ترمب، أمر ظالم بالمطلق، أم أن ترمب ربما عجل بالفعل من نهايات ذلك النظام؟
عن ترمب ومآلات نظام القواعد
يبقى من الظلم البين القول إن الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، هو السبب الرئيس في نهاية نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، غير أن ذلك لا يعفيه من بعض المسؤولية، على أهميتها وخطورتها، وما يبدو أن رقعتها تتسع يوماً تلو الآخر.
تاريخياً لم تخضع القوى العظمى للقواعد طواعية، فهي لا تعترف بها إلا عندما تخدم مصالحها، وهذا يعني أيضاً أن النظام الدولي الذي تقوده وتصممه الولايات المتحدة هو نظام لا يملك القدرة على تحطيمه إلا الأميركيون أنفسهم، كما يلاحظ ذلك محرر الشؤون الصينية المساعد في صحيفة "ليانهي زاوياو" سيم تزي وي.
مثالان أميركيان أظهرا للعالم أن الرئيس ترمب يضرب عرض الحائط بفكرة النظام القائم على القواعد، ويؤكد فكرة حق القوة وليس قوة الحق.
كان ترمب يطمع في غرينلاند خلال ولايته الرئاسية الأولى، ومن الطبيعي أنه لن يتخلى عنها عند عودته إلى البيت الأبيض هذه المرة.
بأي حق يتطلع ترمب إلى حيازة وامتلاك غرينلاند؟ حجة الرجل أنه إن لم نفعل نحن الأميركيين ذلك اليوم، سيقوم بوتين أو شي جينبينغ بفعله في الغد، ولهذا ربما يكون من الأفضل استباقهم.
يفضل ترمب أن يكون "شريراً حقيقياً" معبراً علناً عن ازدرائه للقانون الدولي، ولا يحاول إخفاء فعل تجريد "الإمبراطور من ملابسه الجديدة"، مما يسمح للعالم برؤية الحقيقة العارية للهيمنة الأميركية والسياسة الدولية.
المشهد الآخر هو ما جرى في فنزويلا، وهو في واقع الأمر أبعد كثيراً جداً من القبض على رئيسها نيكولاس مادورو، وأسره بصورة تليق بغزوات القرون الوسطى.
ما حدث في فنزويلا هو ملمح من رؤية لمفهوم تم استدعاؤه من القرن الـ19، مبدأ "مونرو"، قبل بزوغ فجر النظام العالمي القائم على القواعد، حين تم اعتبار النصف الغربي من الكرة الأرضية فضاء استراتيجياً يخص الولايات المتحدة الأميركية دون غيرها من القوى الدولية الأوروبية في ذلك الوقت.
اليوم يعود المفهوم عينه ليقطع الطريق على النفوذ الصيني والروسي، في القارة اللاتينية، مما يعني أن منطقاً آخر من الهيمنة الأممية يحل محل القانون الدولي واحترام استقلال الدول وحرياتها في إقامة علاقات سياسية واقتصادية وحتى عسكرية، مع من ترغب من الدول والشعوب.
في حوار أخير لترمب مع صحيفة "نيويورك تايمز"، أوضح سيد البيت الأبيض أن الحد الوحيد لسلطته هو "أخلاقه الخاصة"، وقال بصراحة "أنا لست في حاجة إلى القانون الدولي"، ماذا يعني ذلك؟
يعني أن النظام الدولي الذي وضعت أميركا قواعده الأساسية هي التي تخرقه حالياً، لكن ليس هذا فحسب، بل إنها تفتح الباب واسعاً أمام الآخرين ليحذوا حذوها، مما يقودنا إلى طرح علامة استفهام رئيسة "هل انهار النظام الدولي القائم على القواعد؟ هل يحتضر ولم يمت بعد؟".
أما الأهم فمتعلق بفكرة أهم عن قادم أيام هذه البشرية، وهل من نظام عالمي جديد يمكن أن يولد من رحم هذه الفوضى، كما جرى بعد الحرب العالمية الثانية؟
روسيا والصين وتقويض النظام الغربي
يبدو التساؤل عن انهيار النظام القائم على القواعد الليبرالية الغربية، وكأنه منبت الصلة عن الدور المؤثر والمفكك في حقيقة الأمر لكل من روسيا والصين، اللتين تريان أنه حان الوقت لكتابة عالم بقواعد مغايرة، لا يتولى فيها الغرب التاريخي قيادة المسيرة الإنسانية.
إن نظرة سريعة على ما يجري في منطقة الإندوباسيفيك تظهر محاصصة جيوسياسية متقدمة للهيمنة على مساحة واسعة وشاسعة من مياه المحيطين الهادئ والهندي في النصف الكرة الشرقي.
عطفاً على ذلك لا يتوقف الصراع الجيوسياسي عند الحدود الجغرافية فحسب، بل يسخر الأدوات الاقتصادية في محاولة لتغيير مشهد المعادلة الدولية التقليدية.
هنا تبدو الصين بنوع خاص الأكثر قدرة على تفعيل أدواتها، وهو ما بات الغرب الأوروبي والأميركي ينذر ويحذر منه، لا سيما بعدما أضحت الأموال الساخنة، والقروض الميسرة، أدوات يقينية بالنسبة إلى بكين، وخير مثال على نفاذ هذه الرؤية ما يجري في القارة الأفريقية، وفي الوقت نفسه تبدو الصين مصرة على تفعيل حضورها المالي في أميركا اللاتينية، ومن غير أدنى رغبة في إشعال المشهد عسكرياً هناك.
الروس بدورهم يعزفون على وتر آخر، فعلى رغم أوضاعهم الاقتصادية المأزومة من جراء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليهم منذ عام 2014، فإنهم نجحوا عبر صفقات التسليح في فتح نوافذ واسعة حول العالم، لا سيما أن تجارتهم غير مرتبطة بأي محددات أو معايير ولا حتى محاذير في شأن حقوق الإنسان أو الحريات.
في الوقت عينه لم تكف بكين وموسكو عن محاولة تخليق كيانات ذات أبعاد سياسية واقتصادية أممية من عينة تجمع "بريكس" و"بريكس بلس"، حتى وإن لم يقدر لمثل هذا التجمعات أن تكون شديدة الفعالية في الأعوام الماضية، غير أن الأفق العالمي يحمل دون أدنى شك رؤية متقدمة في هذا السياق.
هل تغير قلب العالم من أوروبا إلى آسيا أحد أهم أسباب قرب استعلان نهاية زمن النظام الليبرالي الغربي القائم على القواعد؟
عند البروفيسور آميتاف آشاريا الأستاذ المتميز في الجامعة الأميركية بالعاصمة واشنطن، إن تراجع الغرب سيؤدي حكماً إلى وضع نهايات للنظام العالمي القديم، وبداية مرحلة جديدة من نظام عالمي معاصر مختلف. وعنده كذلك أن العولمة لا تختفي بالمطلق، بل تتخذ منحى شرقياً جديداً، لا سيما بعدما بدأت أشكال الحوكمة العالمية التقليدية تتقادم، والآن تنضم إليها أشكال جديدة ستبرز بشكل أكبر في حقبة ما بعد ترمب، ومع ذلك لن تختفي الحوكمة العالمية ولن تتغير جذرياً.
هل يعني ذلك أن النظام العالمي يغير جلده إن جاز التعبير ويبدل أدوار فاعليه من دون أن يضمحل بشكل مطلق؟
نظام في مأزق خطر لكنه لم يمت
تعلمنا التجارب التاريخية أنه ما من نظام يختفي مرة واحدة، وإنما هي مسيرة تحولات تبدو بطيئة أول الأمر، لكنها لا تنفك تضحى موجات تسونامية عاتية.
في هذا السياق وبينما تتخلى الولايات المتحدة عن النظام العالمي القائم، ويبلور الرئيس ترمب مشهداً دولياً غير مسبوق من الإرادة المنفردة، يبدو واضحاً أن هناك صحوة تشمل مجالين فضائيين من القوى المتوسطة الحجم، وكذلك الصغيرة، ويمكن لكليهما معاً أن يرسما معالم لنظام عالمي جديد يولد من رحم المأزق الخطر.
هنا يمكن القطع بأنه كثيراً ما نظر إلى الولايات المتحدة على أنها حصن النظام العالمي القائم على القواعد لعقود، على رغم أنها انتهكت قواعدها في بعض الأحيان. ويبدو أن واشنطن، في عهد الرئيس ترمب، قد تبنت سياسات أكثر براغماتية، لذا رأينا تحركات من كثير من القوى الدولية، حتى من بين الحلفاء لكتابة معادلة دولية جديدة، تسعى إلى الحفاظ على أمن وسلامة عالمنا المعاصر، حتى لا يفقد الجميع اتزانه ويقع في المحظور المتمثل في الحرب الكونية أو انفلاشات من الإرهاب المعولم.
ولعل أفضل خلاصة لما جرى في الأسابيع الأخيرة الممتدة من دافوس إلى ميونيخ، القول إن هناك من قرع أجراس الإنذار بأنه باتت هناك حاجة ماسة إلى طروحات وشروحات تخص نظاماً عالمياً جديداً، ستكون له حكماً قواعده، لكن السؤال "من الذي سيشارك في كتابتها ووضع ملامحها ومعالمها؟ وهل معنى ذلك أن القديم كله ينبغي أن ينسف دفعة واحدة؟
على سبيل المثال هل سيتم تفخيخ مبنى الأمم المتحدة كما دعا إلى ذلك ذات مرة جون بولتون، الصقر الأميركي المحافظ الذي شغل، ذات مرة، منصب سفير أميركا إلى المؤسسة الدولية؟
يحاجج مفكر بوزن فرنسيس فوكاياما، بأنه قد تكون هناك حاجة إلى أكثر من منظمة دولية صغيرة الحجم، لكن ذات فاعلية أكثر، وسرعة أداء تنتشل العالم من نوازله المحدثة وفي مقدمها التغير المناخي، ذلك التحدي الكفيل بالقضاء على البشرية بأكملها.
مهما يكن من أمر، فإن الحفاظ على نظام دولي أمر جدير بالأهمية، سواء كان ذلك بدعم الولايات المتحدة أو من دونه.