آليات الرئاسة وادارة الازمة في شخصية نيجيرفان بارزاني. وموقفه في الحرب الحالية...
قاسم محسن شفيق الخزعلي
::::
::::
"نحن نعارض استخدام أراضينا كقاعدة ضد جيراننا، ولا نريد أن نكون جزءاً من هذهالحرب".
نيجيرفان بارزاني في مقابلة مع صحيفة "كوريري ديلا سيرا"، نشرتها اليوم الجمعة (10 نيسان 2026)
::::
::::
في بيئة شرق أوسطية متحركة تتقاطع فيها المصالح الدولية مع صراعات النفوذ الإقليمي، ومع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الحالية التي تتمحور في جزء كبير منها حول المواجهة مع ايران والاقتصاد المتاثر بهرمز، تبرز شخصية نيجيرفان بارزاني بوصفها نموذجاً مختلفاً للقيادة السياسية، ليس فقط كرئيس لإقليم كردستان العراق منذ عام 2019، بل كمدير أزمة حقيقي استطاع أن يحافظ على توازن دقيق بين الداخل المضطرب والخارج المتفجر، وأن يحول الإقليم إلى مساحة استقرار نسبي وسط محيط يتجه نحو مزيد من التصعيد
لقد استلم بارزاني الإقليم في مرحلة معقدة اتسمت بأزمة مالية خانقة نتيجة الخلافات مع بغداد حول الموازنة وعائدات النفط، إضافة إلى الإرهاق الذي خلفته الحرب على تنظيم داعش، فضلاً عن الانقسامات السياسية العميقة بين القوى الكردية، إلا أن مقاربته لم تكن تقليدية أو رد فعل آني، بل اعتمدت في منهجه في ادارة الازمة على رؤية إصلاحية طويلة المدى، حيث دفع باتجاه تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، وعمل على تحسين بيئة الاستثمار وجذب رؤوس الأموال، إلى جانب إدخال إصلاحات إدارية ركزت على الرقمنة وتقليل البيروقراطية، وهو ما أسهم في رفع كفاءة مؤسسات الإقليم وتعزيز الشفافية وصولا لموقفه في الحرب الحالية الثانية مع ايران وادارته لتوازن الاقليم وسطها.
وسياسياً، لم يتعامل بارزاني مع الانقسام الداخلي كمعادلة صراع صفري، بل كحالة يمكن إدارتها عبر الحوار المستمر، فاختار موقع الوسيط بدلاً من موقع الطرف، مستفيداً من خبرته الدبلوماسية وإرثه السياسي، مما مكنه من تخفيف حدة التوتر بين القوى الكردية الرئيسية والحفاظ على حد أدنى من التماسك السياسي، وهو عنصر حاسم في زمن الحروب حيث تتحول الانقسامات الداخلية إلى نقاط ضعف قاتلة كما راينا في الحرب الحالية.
أما في علاقته مع بغداد، فقد انتهج بارزاني واقعية سياسية تقوم على التفاوض والتفاهم المرحلي، بعيداً عن التصعيد، فركز على تحقيق مكاسب عملية للإقليم مثل ضمان الحصة المالية والتوصل إلى تفاهمات حول إدارة الموارد، والحوار على تصدير النفط عبر الاقليم في وسط اغلاق هرمز، وفي الوقت ذاته عزز موقع الإقليم داخل النظام الفيدرالي دون الدخول في مواجهات مفتوحة، وهو ما أتاح له الحفاظ على قنوات اتصال فعالة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية
وفي سياق الحرب الحالية، يظهر دور بارزاني بشكل أوضح كمدير أزمة، حيث لم يكتفِ بتحييد الإقليم عن الانخراط المباشر في الصراع رغم تعرض أربيل لضغوط أمنية وهجمات بطائرات مسيرة، بل عمل على احتواء تداعيات الحرب ومنع انتقالها إلى الداخل الكردستاني، محافظاً على الاستقرار الأمني ومستمراً في إدارة التوازن بين القوى الإقليمية، خصوصاً في ظل تعقيدات العلاقة مع إيران التي تمثل طرفاً رئيسياً في هذا الصراع
لقد أدرك بارزاني أن المواجهة المباشرة في هذه الحرب ليست خياراً واقعياً للإقليم، لذلك اعتمد سياسة احتواء ذكية تقوم على تقليل الاحتكاك المباشر، مع الحفاظ على استقلالية القرار الكردستاني، وفي الوقت نفسه تعزيز العلاقات مع شركاء دوليين وإقليميين لضمان نوع من التوازن الاستراتيجي، وهو ما جعل الإقليم أقل عرضة للانهيار مقارنة ببيئات أخرى في المنطقة التي تاثرت بهذه الحرب والتي سبقتها.
ودبلوماسياً، استطاع بارزاني أن يرسخ موقع الإقليم كشريك موثوق في ملفات الأمن والطاقة، وادارة النأي بالنفس في الحرب الحالية، مستفيداً من دور البيشمركة في محاربة الإرهاب، ومن موقع كردستان الجغرافي في معادلة الطاقة الإقليمية، خاصة وسط ازمة هرمز، كما واصل استقبال الوفود الدولية وتعزيز الانفتاح على أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما وفر غطاءً سياسياً واقتصادياً مهماً في ظل اضطرابات سوق النفط العالمية المرتبطة بأزمة الملاحة في مضيق هرمز.
وفي خضم هذه الحرب، لم يتراجع دوره كوسيط إقليمي، بل عزز من حضوره في تخفيف التوترات سواء داخل العراق أو في محيطه، مستنداً إلى خطاب معتدل وسياسات قائمة على التهدئة، كما حافظ على نموذج التعايش داخل الإقليم بين مختلف المكونات، وهو عنصر بالغ الأهمية في زمن الانقسامات الحادة
ورغم كل ذلك، تبقى التحديات قائمة، فالأزمة الاقتصادية لم تنتهِ بعد، والحرب يجري التفاوض عليها في باكستان، والخلافات مع بغداد قابلة للتجدد، كما أن الضغوط الإقليمية، خاصة من إيران وتركيا، تظل عاملاً مؤثراً، إلا أن ما يميز تجربة بارزاني هو قدرته على إدارة هذه التحديات بعقلية مدير أزمة لا بعقلية رد الفعل، حيث يوازن بين المخاطر ويعيد ترتيب الأولويات باستمرار وفق معطيات متغيرة
وهكذا يمكن القول إن نيجيرفان بارزاني لا يمثل مجرد قيادة سياسية تقليدية، بل نموذجاً لقيادة استراتيجية في زمن الحروب، استطاع أن يحمي إقليم كردستان من الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، وأن يحافظ على استقراره في قلب عاصفة إقليمية تقودها المواجهة الامريكية الاسرائيلية مع إيران، وفي ظل استمرار هذه الحرب وتعقيداتها، يبدو أن هذا النهج القائم على الواقعية والمرونة سيظل الخيار الأكثر قدرة على ضمان بقاء الإقليم فاعلاً ومتوازناً في مرحلة ما بعد الازمة والصراع ودوامات حمم النار والدخان التي تمس المنطقة والاقليم، اوبعبارته هو:"ينبغي بذل كل ما يمكنلتعزيز وقف إطلاق النار".
::::
::::