نيجيرفان بارزاني في مؤتمر ميونيخ للأمن 2025: المفكر الاستراتيجي وصانع التأثير
خاص لموقع hiwar: د هوشيار مظفر علي أمين: دبلوماسية القوة الناعمة: بارزاني في قلب المشهد الدولي حضور نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، في مؤتمر ميونيخ للأمن بنسخته الـ61 لم يكن مجرد مشاركة رمزية، بل كان إعلانًا واضحًا عن مكانة الإقليم كلاعب أساسي في المشهدين الإقليمي والدولي. في هذا المحفل، حيث تجتمع شخصيات رفيعة المستوى من قادة العالم في السياسة والأمن والاقتصاد، برز بارزاني كصوت مؤثر، مسلطًا الضوء على رؤية استراتيجية تعكس موقع كوردستان كمحور توازن في منطقة تعصف بها التقلبات.

اللقاءات التي عقدها بارزاني لم تكن مجرد محادثات بروتوكولية، بل شكلت نوافذ حيوية لرسم خطوط التحالفات الجديدة واستشراف التحولات الجيوسياسية. لقاءاته مع مسؤولين من الولايات المتحدة وأوروبا ودول الجوار العربي والإقليمي تعكس إدراكه العميق لدور كوردستان كلاعب أساسي في إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي.
استراتيجية الاندماج الدولي: كوردستان شريك وليس تابعًا
مشاركة بارزاني السادسة في المؤتمر تؤكد نهجًا ثابتًا في تعزيز حضور الإقليم دوليًا، متجاوزًا الصورة التقليدية لكوردستان كمجرد كيان إداري داخل العراق. لقد طرح بارزاني رؤية استراتيجية تسعى لجعل كوردستان شريكًا دوليًا في الأمن والاستقرار، وليس مجرد متلقٍ للمساعدات أو جزءًا هامشيًا من المشهد السياسي العراقي.
بارزاني استثمر وجوده في المؤتمر لإيصال رسائل واضحة:
• كوردستان ليست مجرد إقليم داخلي، بل لاعب إقليمي مؤثر.
• الاستقرار في العراق مرتبط باستقرار كوردستان، وأي إخلال بالتوازن قد يؤدي إلى تداعيات أمنية كبرى.
• تجربة كوردستان في محاربة الإرهاب، خاصة ضد تنظيم داعش، تقدم نموذجًا ناجحًا يمكن البناء عليه في استراتيجيات مكافحة التطرف عالميًا.
رؤية جيوسياسية للشرق الأوسط: سوريا كنموذج اختبار
الملف السوري كان حاضرًا بقوة في أجندة بارزاني، حيث قدم رؤية متقدمة تتجاوز الطروحات التقليدية حول الحلول العسكرية أو السياسية المجتزأة. بارزاني أشار إلى ضرورة وجود نموذج سياسي جديد لسوريا، لا يكون مجرد استنساخ للتجربة العراقية، بل يأخذ بعين الاعتبار التركيبة السكانية المعقدة للبلاد. هذا الطرح يعكس رؤية استراتيجية تقوم على الواقعية السياسية، وتدرك أن الحلول الشمولية وحدها قادرة على ضمان الاستقرار طويل الأمد.
كما لمّح بارزاني إلى أن المسألة الكوردية في سوريا يجب أن تكون جزءًا من أي حل مستدام، دون فرض نماذج جاهزة، بل من خلال حوار داخلي شامل. هذه المقاربة أكسبته تأييدًا أوروبيًا واضحًا، خصوصًا من المفوضية الأوروبية التي أشادت برؤية كوردستان للملف السوري.
التحالفات العسكرية والدبلوماسية: تقاطع المصالح مع واشنطن والناتو
اللقاءات مع المسؤولين الأمريكيين، من وزير الخارجية ماركو روبيو إلى أعضاء الكونغرس، عكست بوضوح أهمية كوردستان كشريك استراتيجي لواشنطن في المنطقة. كانت الرسالة التي أوصلها بارزاني واضحة: الاستقرار في العراق والإقليم مصلحة أمريكية بقدر ما هو مصلحة محلية، وأي تراجع في الدعم الأمريكي سيؤدي إلى فراغات أمنية خطيرة.
في ذات السياق، جاء لقاؤه بالأمين العام لحلف الناتو مارك روت ليعزز فكرة أن كوردستان ليست مجرد متلقٍ للمساعدات الأمنية، بل شريك فاعل في منظومة الأمن الإقليمي. تم التركيز على تعزيز قدرات البيشمركة، ليس فقط لمكافحة الإرهاب، بل كجزء من منظومة دفاعية أوسع تشمل التحالف الدولي لمواجهة التهديدات المتغيرة.
تركيا: شراكة براغماتية تتجاوز الخلافات
العلاقة بين إقليم كوردستان وتركيا لطالما كانت محكومة بتوازن حساس بين المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية. لقاء بارزاني مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لم يكن مجرد لقاء دبلوماسي، بل كان استكمالًا لمسار طويل من التنسيق المشترك. بارزاني وصف فيدان بأنه “صديق”، وهو تعبير سياسي مدروس يعكس رغبة الإقليم في الحفاظ على علاقة مستقرة مع أنقرة، بعيدًا عن التقلبات الإقليمية.
تركيا، بدورها، تدرك أهمية كوردستان كشريك اقتصادي وأمني، خاصة مع استمرار التهديدات الأمنية على حدودها الجنوبية. لذا، فإن الحوار بين الطرفين لا يقتصر على الملفات التقليدية، بل يمتد إلى قضايا الطاقة، التجارة، والتعاون الأمني ضد الجماعات المتطرفة.
الدور الأوروبي: دعم استراتيجي يتجاوز المساعدات
في لقاءاته مع مسؤولين أوروبيين، ركّز بارزاني على أهمية تكثيف الدعم الدولي لكوردستان ليس فقط كمستفيد، بل كشريك في الاستقرار الإقليمي. لقاؤه مع وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو والمسؤولين الألمان كشف عن رغبة أوروبية في تعزيز التعاون مع الإقليم، خاصةً في ظل التحديات الأمنية في الشرق الأوسط.
رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، لم تخفِ إعجابها بالدور الذي لعبته قوات البيشمركة في الحرب ضد داعش، مشددة على أهمية استمرار التعاون بين كوردستان والاتحاد الأوروبي في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب. كما أكدت على ضرورة إشراك المرأة في جهود مكافحة الإرهاب، في إشارة إلى البعد الإنساني في استراتيجية كوردستان.
بغداد – أربيل: تنسيق لا تنافس
على الرغم من التوترات المتكررة بين بغداد وأربيل، حملت مشاركة بارزاني في المؤتمر رسائل تهدئة، خاصة في ظل تحسن العلاقات مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني. بارزاني أكد أن العلاقة بين الجانبين لم تعد علاقة صراع، بل شراكة تقوم على التكامل الاقتصادي والسياسي.
كما أشار إلى أن العراق بات في وضع “جيد” نسبيًا، مع التركيز على أهمية التعاون في المشاريع الإنشائية والاقتصادية. هذا الخطاب ينسجم مع رؤية بارزاني الأوسع، التي تسعى لجعل كوردستان جزءًا من الحل العراقي، وليس عاملًا للخلافات.
نيجيرفان بارزاني: المفكر الاستراتيجي الذي يرسم ملامح المستقبل
مشاركة نيجيرفان بارزاني في مؤتمر ميونيخ للأمن 2025 لم تكن مجرد حضور دبلوماسي، بل كانت خطوة في إطار رؤية استراتيجية متكاملة تهدف إلى تعزيز مكانة كوردستان كلاعب إقليمي مؤثر.
من خلال لقاءاته وتحركاته، أظهر بارزاني أنه لا يتعامل مع السياسة كمعادلات صفرية، بل كشبكة من المصالح المتقاطعة التي تتطلب توازنًا دقيقًا. استطاع أن يرسّخ مكانة كوردستان كشريك موثوق، سواء للولايات المتحدة وأوروبا، أو لدول الجوار الإقليمي، مقدمًا نموذجًا لدبلوماسية القوة الناعمة القائمة على الحوار والانفتاح الاستراتيجي.
في عالم يتغير بسرعة، يبقى السؤال الأهم: كيف نفهم نيجيرفان مفكرا ومؤثرا في العراق عموما وكردستان خصوصا؟
د هوشيار مظفر علي أمين/ لموقع hiwar ولمجلة ادارة الازمة