المَدرَسَةُ مَصنَعُ القِيَمِ قَبلَ المَعرِفَة
بقلم: ديمن هورامي
فِي وَقتٍ أَصبَحَ فِيهِ التَّعلِيمُ سَاحَةَ سِبَاقٍ نَحوَ الشَّهَادَاتِ وَالأَرقَامِ وَنِسَبِ النَّجَاح، يَبدُو أَنَّ سُؤالًا جَوهرِيًّا يَفرِضُ نَفسَهُ بِإِلحَاح: مَاذَا تُنتِجُ المَدرَسَةُ حَقِيقَةً؟ هَل تُنتِجُ إِنسَانًا مُتَكَامِلًا أَم طَالِبًا يَحفَظُ لِيَنسَى بَعدَ الِامْتِحَان؟
إِنَّ المُشكِلَةَ لَيسَت فِي المَعرِفَةِ نَفسِهَا، فَالمَعرِفَةُ اليَومَ أَصبَحَت مُتَاحَةً فِي كُلِّ كِتَابٍ وَشَاشَةٍ وَمِنصَّةٍ رَقْمِيَّة، لَكِنَّ الأَزمَةَ الحَقِيقِيَّةَ تَكمُنُ فِي القِيَمِ الَّتِي تُوَجِّهُ هَذِهِ المَعرِفَة. فَمَا قِيمَةُ العِلمِ إِذَا لَم يُصاحِبْهُ ضَمِير؟ وَمَا جَدوى التَّفوُّقِ الدِّرَاسِيِّ إِذَا لَم يَكُن مَقرُونًا بِمَسؤُولِيَّةٍ أَخلَاقِيَّة؟
إِنَّ المَدرَسَةَ فِي جَوهَرِهَا لَيسَت مَصنَعًا لِلمَعلُومَاتِ، بَل مَصنَعٌ لِصِياغَةِ الإِنسَان. فِي جُدرَانِهَا الأُولَى يَتَعَلَّمُ الطِّفلُ مَعَانِيَ الِاحْتِرَامِ وَالِانضِبَاطِ وَالتَّعَاوُنِ وَتَحمُّلِ المَسؤُولِيَّة، قَبلَ أَن يَحفَظَ القَوَاعِدَ وَالنَّظَرِيَّات.
وَقَد لَخَّصَ الفِيلَسُوفُ الإِنجِلِيزِيُّ هربرت سبنسر هَذِهِ الحَقِيقَةَ حِينَ قَالَ:
«إِنَّ الغَايَةَ الكُبرَى لِلتَّربِيَةِ لَيسَتِ المَعرِفَةَ بَل الفِعل.»
كَمَا أَشَارَ المُفَكِّرُ جون ديوي إِلَى أَنَّ:
«التَّعلِيمُ لَيسَ إِعدادًا لِلحَيَاة؛ بَل هُوَ الحَيَاةُ نَفسُهَا.»
فَالمَدرَسَةُ لَا تُعَلِّمُ الطِّفلَ الدُّرُوسَ فَحَسب، بَل تُعَلِّمُهُ كَيفَ يَعِيشُ مَعَ الآخَرِينَ وَكَيْفَ يَصبِحُ عُضوًا فَاعِلًا فِي المُجتَمَع. وَهُنَا يَأتِي دَورُ المُعَلِّمِ الَّذِي لَا يَقتَصِرُ عَلَى نَقلِ المَعرِفَة، بَل يُشكِّلُ بِسُلُوكِهِ وَمَواقِفِهِ وَعيَ الطُّلَّابِ وَقِيَمَهُم.
وَقَد أَصَابَ الأَدِيبُ طه حسين حِينَ قَالَ:
«التَّعلِيمُ كَالمَاءِ وَالهَوَاءِ.»
لَكِنَّهُ لَا يَكُونُ نَافِعًا إِلَّا إِذَا اقْتَرَنَ بِقِيَمٍ تُوَجِّهُ العِلمَ نَحوَ الخَير.
إِنَّ أَخطَرَ مَا يُمكِنُ أَن تَفعَلَهُ المَدرَسَةُ هُوَ أَن تُخَرِّجَ عُقُولًا مَليئَةً بِالمَعرِفَةِ وَلَكِنَّهَا فَارِغَةٌ مِنَ القِيَم؛ فَالعُقُولُ المُتَعَلِّمَةُ مِن دُونِ أَخلَاقٍ قَد تَصبِحُ أَكثَرَ قُدرَةً عَلَى الإِضرارِ مِنَ الجَهلِ نَفسِهِ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ نَجَاحَ المَدرَسَةِ لَا يُقاسُ بِعَدَدِ الشَّهَادَاتِ الَّتِي تُوَزَّعُ، بَل بِمِقدَارِ القِيَمِ الَّتِي تُغرَسُ فِي نُفُوسِ الطُّلَّاب. فَالأُمَمُ لَا تَنهَضُ بِالمَعرِفَةِ وَحدَهَا، بَل بِالمَعرِفَةِ المُسنَدَةِ بِالأَخلَاق.
فَعِندَمَا تُصبِحُ المَدرَسَةُ مَصنَعًا لِلقِيَمِ قَبلَ أَن تَكُونَ مَخزَنًا لِلمَعرِفَةِ، عِندَهَا فَقَط يَستَطيعُ التَّعلِيمُ أَن يُؤَدِّيَ رِسَالَتَهُ الحَقِيقِيَّةَ فِي بِنَاءِ الإِنسَانِ وَصِنَاعَةِ المُستَقبَل .