في الذكرى 79 لاعدام قاضي محمد رحمه الله تعالى .... الرؤية التاريخية والحضارية لجمهورية كردستان في مهاباد وأسباب سقوطها.
د هوشيار مظفر علي امين
لا يمكن قراءة تجربة جمهورية مهاباد دون التوقف طويلا عند شخصية القاضي محمد، ولا يمكن فهم القاضي محمد ذاته دون استحضار علاقته العميقة والمصيرية بالزعيم مصطفى بارزاني، فهذه العلاقة لم تكن مجرد تعاون سياسي عابر، بل كانت بنية داخلية قامت عليها التجربة كلها، فكرا وميدانا، رمزا وسلاحا، رؤية وواقعا.
في عام 1946، وفي ظل عالم يخرج من رماد الحرب العالمية الثانية، وجد الكرد فرصة تاريخية نادرة، حيث تداخلت مصالح القوى الكبرى مع فراغ السلطة في شمال ايران، فبرز القاضي محمد كزعيم سياسي يمتلك شرعية اجتماعية وثقافية، بينما ظهر مصطفى بارزاني كقائد عسكري يمتلك شرعية ميدانية، وهنا تتجلى اهمية العلاقة بين القاضي محمد ومصطفى بارزاني، اذ لم تكن الجمهورية لتولد اصلا لولا هذا التلاقي بين العقل السياسي والحضور العسكري.
اعلن قيام الجمهورية في مهاباد، وكان القاضي محمد في موقع القيادة السياسية، لكن هذه القيادة لم تكن لتستقر دون الارتكاز على قوة البيشمركة التي قادها مصطفى بارزاني، وهنا تتضح العلاقة التكاملية بين الرجلين، فالقاضي محمد لم يكن مجرد رئيس، بل كان مشروعا سياسيا يبحث عن سند، بينما كان بارزاني اكثر من مجرد جنرال، بل كان حاملا فعليا لامكانية بقاء الدولة، ولذلك فان المؤرخ الكردي يرى ان العلاقة بين القاضي محمد ومصطفى بارزاني كانت علاقة وجود، لا مجرد تحالف.
لقد سعى القاضي محمد الى بناء دولة تقوم على العدالة والهوية القومية، لكنه كان يدرك ان هذه المبادئ تحتاج الى قوة تحميها، وهنا برز دور مصطفى بارزاني، الذي لم يكن مجرد منفذ عسكري، بل شريك في الرؤية، وقد نبه مرارا الى المخاطر القادمة، خاصة ما يتعلق بالاعتماد على السوفييت، وهذا التحذير يعكس عمق العلاقة بين القاضي محمد ومصطفى بارزاني، حيث لم تكن العلاقة قائمة على التبعية، بل على الحوار والتكامل.
ومع ان الجمهورية تبنت اللغة الكردية والرموز القومية، واسست مؤسسات ادارية، الا ان كل ذلك كان مرتبطا بقدرة البيشمركة على فرض واقع سياسي جديد، وهذه القدرة كانت بقيادة مصطفى بارزاني، مما يجعل العلاقة بين القاضي محمد ومصطفى بارزاني حجر الزاوية في فهم تلك المرحلة، فكل مؤسسة سياسية كانت تحتاج الى مظلة عسكرية، وكل قرار سياسي كان يجد صداه في الميدان عبر بارزاني.
لكن التحديات كانت اكبر من الطموح، فعندما انسحب الدعم السوفيتي، وجد القاضي محمد نفسه في مواجهة واقع قاس، وهنا تظهر مرة اخرى اهمية العلاقة بين القاضي محمد ومصطفى بارزاني، اذ ان الاخير حاول الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه، بينما بقي القاضي محمد في موقعه، متمسكا برمزية الدولة، وهذا التباين لم يكن خلافا، بل كان تعبيرا عن اختلاف الادوار داخل علاقة واحدة متماسكة. وهو ماعالجته في اطروحتي للدكتوراه عن الزعيم مصطفى بارزاني..
لقد شكلت العزلة الدولية والاقليمية ضغطا هائلا، ولم يكن لدى الجمهورية موارد اقتصادية كافية، ومع ذلك فان العامل الاكثر حساسية كان هشاشة التوازن الداخلي، وهنا تظهر مرة اخرى قيمة العلاقة بين القاضي محمد ومصطفى بارزاني، اذ انها كانت من العوامل القليلة التي منحت التجربة تماسكا نسبيا، رغم كل الانقسامات، ويمكن القول ان غياب تعميم هذا النموذج من العلاقة بين بقية القيادات ساهم في اضعاف الجبهة الداخلية.
عندما تقدمت القوات الايرانية، لم تكن المواجهة متكافئة، ومع ذلك قاتلت قوات البيشمركة بقيادة مصطفى بارزاني دفاعا عن مشروع القاضي محمد، وهذا القتال لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل كان دفاعا عن فكرة، عن شراكة تاريخية بين رجلين، احدهما يمثل الشرعية السياسية والاخر يمثل القدرة على الصمود، وهنا تتجسد مرة اخرى اهمية العلاقة بين القاضي محمد ومصطفى بارزاني بوصفها علاقة بين الفكر والسلاح.
وعندما سقطت مهاباد، واعدم القاضي محمد، في مثل هذا اليوم، لم تنته القصة، بل بدأت مرحلة جديدة من الوعي، اذ حمل مصطفى بارزاني هذا الارث، ليس فقط كقائد عسكري، بل كوريث لتجربة سياسية كان القاضي محمد رمزها، وهنا تصبح العلاقة بين القاضي محمد ومصطفى بارزاني علاقة ممتدة عبر الزمن، حيث تحول القاضي محمد الى رمز، بينما تحول بارزاني الى حامل لهذا الرمز في مراحل لاحقة من النضال الكردي.
من هنا، فان المؤرخ يرى ان اهم درس من تجربة مهاباد لا يكمن فقط في اهمية الدعم الدولي او بناء المؤسسات، بل في ضرورة التكامل بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية، كما تجسد في العلاقة بين القاضي محمد ومصطفى بارزاني، فهذه العلاقة اثبتت ان المشروع القومي لا يمكن ان يقوم على بعد واحد، بل يحتاج الى توازن دقيق بين الرؤية والقوة.
لقد كانت مهاباد اكثر من تجربة قصيرة، كانت لحظة كشف، كشفت امكانية الدولة، وكشفت ايضا حدودها، لكنها قبل كل شيء كشفت قيمة العلاقة بين القاضي محمد ومصطفى بارزاني، بوصفها نموذجا لما يجب ان تكون عليه القيادة الكردية، وحدة في الهدف، تنوع في الادوار، وتكامل في الوسائل، وهذه هي الخلاصة التي بقيت حية في الذاكرة الكردية، تتجدد مع كل مرحلة من مراحل النضال.